11-يناير-2019

قادر عيطة/ الجزائر

هل هناك كِتابة عالِمة مسكونة بآلام السؤال الشّخصي قبل الانتقال إلى السؤال العمومي؟ تجربتي المتواضعة في البحث الجامعي، وفي الكتابة النقدية الحرّة، حرّكت بداخلي هذا السؤال، في سياق عام يميل إلى ضروب الإلزامية في البحث، أي الكِتابة كالتزام إداري بهدف الترقية. انطلاقًا من هذا المعطى، تبدو لي الجامعة اليوم في الجزائر، مؤسسة كغيرها من المؤسسات، توظّف عمّالًا وليس باحثين في حقول المعرفية المختلفة.

تبدو الجامعة اليوم في الجزائر مؤسسة كغيرها من المؤسسات، توظّف عمّالًا وليس باحثين في حقول المعرفية المختلفة

سأتحدّث عن البحث في العلوم الإنسانية، فهذه العلوم، على اختلاف مناهجها ومدارسها، تبحث في الإنسان. ما يستلزم أن تكون العلاقة الأولية بين الباحث وموضوعه هي علاقة حميمية، أو بتعبير أدق، علاقة مؤسسة على الاحتراق الداخلي للذات أمام مآزقها الذاتية. كل سؤال في العلوم الإنسانية هو سؤال ذاتي، ملتصق بالإنسان وبأسئلته. هذا ما سماه المرحوم بختي بن عودة بـ"آلام الذات المُفكّرة". إذ يبدو البحث هو سلك طريق ذلك الألم الإنساني الذي يتخذ شكل أسئلة خصوصية جدًا، أو القدرة الفذة على الإنصات إلى مآزق الإنسان. هل يراعي البحث الجامعي اليوم في الجزائر شرط الإنصات إلى الأسئلة الذاتية؟ وهل الموضوعية والعلموية والمناهج هي عناصر مضادة تهدف إلى إخماد ذلك الوجع الذاتي؟ يقول لوسيان غولدمان: "إنّ معرفة الحياة التاريخية والاجتماعية هي امتلاك الوعي بالذات الفاعلة بالمجموعة الإنسانية". ذلك أنّ مركز هذه العلوم ليس العلم بل هو الوعي.

اقرأ/ي أيضًا: غوغل.. الأخ الأكبر الجديد

لقد بلغت الجامعة اليوم منعرجًا خطيرًا يستدعي دق ناقوس الخطر؛ أقصد أنّ الجامعة اليوم لا تحرّض على روح المجازفة والمبادرة، بل على العكس تمامًا، هناك توسع لنزعة اليقين في وعي الجامعيين، بحيث يتعاملون مع المعرفة كأنها أصنام ثابتة لا يطالها الشك أو النقد، ويعانون من رهاب السؤال. بل أصبحت الرتبة الجامعية تعني التخلص من الالتزامات المعرفية، والركون إلى حالة من الكسل.

سأتحدث عن تجربتي البسيطة في الإشراف على مذكرات تخرج الطلبة الجامعيين؛ فالملاحظة الأولى التي أبديها هي غياب روح المبادرة عند الطالب، سواء بسبب ضعف ثقافته (هذه مشكلة حقيقية)، أو بسبب الخوف من المبادرة نفسها (طبعًا إذا تعلّق الأمر بالبحث العلمي) وبسبب هذا الوضع تجدهم يتقبّلون أيّ موضوع يقترح عليهم، فلا يسألون عن مدى تلاؤم الموضوع بميولاتهم الذاتية، أو مدى استجابته لأسئلتهم الشخصية. نفهم أنّ الطالب مفرغ من السؤال الشخصي، فلا تحركه الأسئلة، بل أكبر همه أن ينهي المذكرة بأي ثمن. أما عن علاقته بالأستاذ المشرف فهي علاقة عمودية، تقوم على الرضوخ لما يلقيه عليه الأستاذ، أو بالأحرى يلازم الطالب أستاذه حتى أنك ستظن أنّ الأستاذ سينجز المذكرة مكان الطالب. إذ يحدث أن يغيب الأستاذ، فيتململ الطالب، ويدركه القلق واليأس والعجز. هنا يجب أن نفهم لماذا يلتجئ الطلبة إلى سلخ مذكرات سابقة، ولماذا يلتجئون إلى السرقات العلمية التي طالت للأسف حتى أطوار الدكتوراه.

إنّنا متوجهون نحو مأسسة هذا النمط التكاسلي/الاتكالي من المعرفة، بحيث تراكم البحوث أطنانًا من المعلومات والمعارف دون أن توضع فوق مرجل التساؤل ومحك النقد، ودون ربط هذه المعارف بحاجيات المجتمع، وبالأسئلة المصيرية التي تواجهه. إنّ السؤال الأساسي هنا هو: أين هي الرؤية الاجتماعية لقيمة البحث في العلوم الإنسانية؟ وهل صحيح أنّ الباحث في العلوم الإنسانية مجرد ديكور يصلح لتزيين واجهة المجتمع؟

هناك خوف من هذه العلوم لأنها في جوهرها تهدف إلى فهم الإنسان وبذلك تحريره من حالة الجهل بذاته، في حين أن الأنظمة السياسية تستثمر أكثر في الجهل. إنسان جاهل إنسان سهل الانقياد والرضوخ ويملك قابلية الاستعباد  أما إنسان متعلم ومتنور فهو إنسان واعي برهانات الحياة. نحن ننتمي إلى مجتمعات لم تتعرّف بعد إلى الإنسان، أو على الأقل هي في رحلة بحث شاقة عن كرامة الإنسان، لهذا أخفقت دائما في التصالح مع ما هو إنساني، بجعل الإنسان في قائمة الأولويات. لقد أزيح الإنسان لصالح الأنظمة، ولصالح المقدسات، ولصالح الأصنام. فقد ضاع الإنسان بين نموذج الحاكِم–المؤلّه (أي منزوع الإنسانية) وبين الرعية–العبيد (أي منزوعي الإنسانية أيضًا).

كتب بختي بن عودة: "إنّ الفكر الحيّ واليقظ والجسدي مكتوب في التسكّع، في الانفصالي، وفي الجدلي". إذا بحثنا عن هذه القيم: التسكع، الانفصال، الجدل في منظومتنا المعرفية لا نكاد نجد لها مكانًا، بسبب سيادة الفكر المطمئن، والخامل، والتقديسي، والمنضبط الذي لا ينتج إلا ما يعيد ترسيخ منظومات سابقة. أرى أنّ غياب الفكر الحر هو فعل سياسي بالأساس، لأنه يندرج ضمن أدوات قمع الإنسان داخل المنظومات القهرية التي ننتمي لها (فكرة الانتماء مرعبة هنا).

بختي بن عودة: إنّ الفكر الحيّ واليقظ والجسدي مكتوب في التسكّع، في الانفصالي، وفي الجدلي

لقد خرجنا من عشرية دموية بخسائر فادحة، لكننا اليوم دخلنا في مرحلة الانهيارات الكبرى، أي مرحلة الإجهاز على الإنسان. لنتأمّل في شخصية الجزائري، لقد أصبح أكثر اتكالية، وأكثر تبرمًا وشكوى، ناقص الفعالية، خائفًا من التعبير عن أفكاره بسبب ذلك الكلب الفرودي الذي يتربص به، منفعل وعنيف وغير متزن، صار أكثر قابلية للانقياد، ويملك قابلية تصديق النفاق السياسي، على الرغم من أنه في الخفاء يقول العكس. صار الجزائري اليوم تستفزه نهود تمثال خرساني، ولا تستفزه جبال النفايات التي تغزو شارعه، تستفزه فتاة تمارس الرياضة ولا تستفزه مواطنته المغتصبة كل يوم. أشعر أن هناك حاجة طارئة جدًا لدراسة الجزائري اليوم أكثر من أي وقت آخر. سأعود إلى بختي بن عودة مرة ثانية، حيث قال: "لن نفهم ما يتأزّم سوى بالتفكير فيه، واعتباره مجالًا لعبور متفطّن إلى أدوات العبور، أي المعرفة والشكّ، واستحضار يقظ في الوقت ذاته العسكري واللاهوتاني، إنها تبددت عبر التاريخ، أو أنّ الأسماء التي تدلّ عليها ليست قادرة على الانبعاث".

اقرأ/ي أيضًا: في فلسفة الإنسان

أتفق مع ما قاله المرحوم بختي بن عودة، فهو ينبهنا إلى أنّ فهم الأزمة يكون من خلال التفكير فيها، لكن في واقعنا صارت الأزمة مسيجة سياسيًا وقانونيًا وقضائيًا وعسكريًا وأخلاقيًا، أي أضحت لا مفكر فيه، يعاقب القانون كلّ ما يحاول الحديث عنها أو يحاول فهمها. هل البحوث الجامعية اليوم معنية بالتفكير في الأزمة الجزائرية؟ وهل تملك ما سماه بختي بن عودة بأدوات العبور؟ إنه يلمح هنا إلى أدوات التغيير، للعبور إلى الضفة الأخرى، ما بعد الأزمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا يخاف النظام الجزائري فيسبوك؟

معضلات النُخب.. مداخل للتحليل