ultracheck
  1. قول

غوغل.. الأخ الأكبر الجديد

16 ديسمبر 2018
كاريكاتير لـ "SALcartoons"/ صربيا (cartoonmovement)

أنْ يولد الإنترنت من هدفٍ استخباراتيّ، في سياق الحرب الباردة، فهذا يقول الكثير. أوّله أنَّ ما يبدو لنا حريّةً ليس سوى نوع من التلفيق، وما ظنناه تعدّدًا ليس سوى صدى لصوت واحدٍ، يُعلي ويخفض من يشاء بقدرته الكلية.

كل نقرة من فأرة الكمبيوتر تمنح ملفك في قاعدة البيانات العملاقة معلومةً جديدة عنك

حياتنا على منصات التواصل الاجتماعي سيرورة من المراقبة والتعقّب. كل نقرة من فأرة الكمبيوتر تمنح ملفك في قاعدة البيانات العملاقة معلومةً جديدة عنك. التقاط النقرات تجسيد حيّ وواقعي للتعبير المخابراتيّ "التقاط الأنفاس". أنت مادة تُدرس ليلًا نهارًا بهدف أوليّ هو معرفة ما الذي يجب بيعه لك، وأهداف أخرى تتفاوت أهميتها بحسب سلم الأولويات الربحية. ومنه قد تأتي فكرة بيعك كلّك بالكامل في سوق البيانات المسعور. ولأنّ الهدف استهلاكيّ من الواجب تغييب كل قضية إنسانية، ومن اللازم إزاحة أيّ معنى للصراع الاجتماعي جانبًا، فحاملو القيم، أيًّا كانت، هم أعداء السوق.

اقرأ/ي أيضًا: جناية الإنترنت.. هل يجعلنا جوجل أغبياء حقًا؟

بكلمات قليلةٍ، قال الكاتب الأمريكي هربرت شيللر، في سبعينات القرن الماضي، معاني لا تزال سارية المفعول حتى اللحظة، لأنه فهم بعمق آلية التفكير الرأسمالية: "الفيض الإعلامي المتدفّق عبر العديد من القنوات، يخلق الثقة في، ويضفي المصداقية على، فكرة الاختيار الإعلامي الحرّ، في الوقت الذي يتمثّل فيه تأثيره الأساسي في توفير الدعم المستمر للوضع القائم" (المتلاعبون بالعقول، ص 27). الواضح بالنسبة إلى شيللر، وهو يتحدّث عن أمريكا بالذات، أنّ أهمّ ركائز عملية التلاعب بالعقول، وبالتالي تصنيعها أو توجيهها، تمكن في توفير ما يبدو حرية اختيار من دون أن يرافقه أي تنوع، ما يجعل الاختيار أمرًا بلا معنى.

قدّمت شبكة الإنترنت، ولاحقًا منصات التواصل الاجتماعي، ما يبدو حلًّا للاحتكار والمركزية اللذين تميّزت بهما وسائل الإعلام التقليدية (صحف، راديو، تلفزيون)، إذ كان موقعنا فيها مقتصرًا على التلقي السلبي فقط، فيما جاءت الوسائل الحديثة لتنقلنا إلى موقع الفاعلية، وهذا بالضبط مربط الفرس في هذه الخديعة. فنحن الآن، حيث نبدو أحرارًا نكتب وننشر ونبثّ ما نشاء، لسنا إلا تحت رقابة عملاقة، لا تفوتها حتى طريقة تعاملنا مع الكيبورد، ما يجعل الأخ الأكبر أضحوكةً أمام قدراتها اللامتناهية، والأدلة على ذلك كثيرة، فها هو ذا كتاب "ملف غوغل" يقول إنّ عملاق الشبكة هيمن على سوق البحث، وعلى أنظمة التشغيل النقالة (الأندرويد)، والبرامج الضرورية للتصفح (غوغل كروم)، وملفات الفيديو (يوتيوب)، وخدمات البريد الإلكتروني (جيميل)؛ بكلمة واحدة، غوغل تستحوذ على أهم مفاصل الشبكة، كما يقول المؤلفان. إذا لم يكن هذا احتكارًا فما هو الاحتكار؟ وإذا لم يكن مركزية فما هي المركزية؟

بحسب الكتاب نفسه، ساهم غوغل مساهمة حاسمة في فوز باراك أوباما بمنصب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال دعم إدارة غوغل التي تلاعبت بأخبار الانتخابات، فقدّمت ما يجب تقديمه، وأخّرت ما يجب تأخيره. غوغل أيضًا اخترق أنظمة "آبل" لمراقبة متصفح "سفاري"، وغوغل سرق شبكات الـ"WI-FI" من بيوت الناس، من خلال سيارات "غوغل ستريت"، المنتشرة في العديد من الدول.

إذا كان أحد ما يفعل كل ذلك فهذا الأحد هو المركز بلا شك، ما يمسح الأرض بفكرة اللامركزية التي أطنب في مديحها شعراء بلاط الإنترنت بدايةً، ومنافقو عملاق الشبكة لاحقًا، في كتب وندوات وأبحاث.

بات غوغل تعبيرًا عن ذروة ما وصلته الرأسمالية من هوس تحويل السوق إلى مكانٍ للسكنى، وتحويل البيع والشراء إلى فلسفة حياة

اقرأ/ي أيضًا: كيف تفوقت البيانات على النفط كأهم مورد في عالم اليوم؟

بات غوغل تعبيرًا عن ذروة ما وصلته الرأسمالية من هوس تحويل السوق إلى مكانٍ للسكنى، وتحويل البيع والشراء إلى فلسفة حياة. غوغل استعمر الإنترنت، اختصره في نفسه، حوّله إلى مستعمراتٍ مترامية الأطراف من مواقع الدعاية والتسوّق وسعار الربح. ناهيك عن نزعته الجاسوسية التي وصلت إلى تعاونه مع وكالة الأمن القومي الأمريكية. يا لها من لعنة هذه التي نعرف استعبادها لنا لكننا نحتاجها!

 

اقرأ/ي أيضًا:

كاثي أونيل: الرياضيات "ستربتيز" مجاني

شهادة من داخل كامبريدج أناليتيكا: تعاملنا مع بيانات فيسبوك كـ"الغرب المتوحش"؟

كلمات مفتاحية
ترند ثمانينيات القرن العشرين

حفلة تنكرية اسمها ثمانينيات القرن العشرين

ليست عودة الثمانينيات اليوم مجرد حفلة تنكرية، فها نحن نحيا مرة أخرى في عالم مضطرب، ومتسارع، وممتلئ بالتهديدات، مع انفصام تام بين الحياة الجميلة التي تعرضها الشاشات والواقع العسير

جدعون ساعر

"سلاح الابتزاز ": حين يُغطي اتهام "معاداة السامية" على الجريمة والإنكار

تختزل تصريحات جدعون ساعر بشأن منع دخول 12 برلمانيًا ومواطنًا بريطانيًا إلى إسرائيل، واتهامهم بـ"معاداة السامية"، المقاربة الدبلوماسية التي تعتمدها تل أبيب

البنتاغون

جهاز كشف الكذب يطارد حرب إيران

تصبح المفارقة أكثر قسوة. فالبنتاغون لا يحقق في تسريب عابر يتعلق بملف إداري، وإنما في معلومات عن استهلاك الذخائر ومخزوناتها خلال الحرب مع إيران

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل

صورة تعبيرية
نصوص

رسائل هاملت المتأخرة

لا وقتَ للشعرِ؛ فالذِكرياتُ تئن، في حبرٍ جليلٍ وأوراقٍ جَميلة، لا وقت للشعر، فالشعر في المنفى قليلُ الحيلة

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

كيف توظّف تايوان "سلاح الرقائق الإلكترونية" لتعزيز نفوذها؟

تواجه تايبيه معضلة استراتيجية، فكلما نجحت في استخدام صناعة الرقائق لتعزيز علاقاتها الدولية، زادت الضغوط عليها لتوزيع هذه الصناعة عالميًا