معضلات النُخب.. مداخل للتحليل

معضلات النُخب.. مداخل للتحليل

غرافيتي في إكزارشيا/ اليونان (itinari)

تمرّ الجزائر بمرحلة شديدة الصعوبة، سواء أكان على صعيد الاحتقان السياسي، أم على صعيد الغليان الاجتماعي، أم على صعيد الانهيار الوشيك للمنظومة الاقتصادية الريعية.

النُخب التي ميّعت الفعل السياسي هي إحدى مظاهر الأزمة السياسية في الجزائر، ولا نتصوّر أنّها واعية بجوهرها المتأزم

اجتماع هذه الاحتقانات المتعددة يُرشّحها لأن تتحوّل إلى "أزمة" مُتعددة الأبعاد، أخذت تثير حولها حالة من الرعب الخفي من المُستقبل، خاصة أنّ مظاهر الأزمة طالت البنية البشرية، من خلال تفشي ظواهر خطيرة، على رأسها ظاهرة العنف بكل أشكاله، الحرقة، الفساد المالي والأخلاقي، اللامبالاة العامة... إلخ.

اقرأ/ي أيضًا: عصام محمد عابد الجابري: هكذا عاش أبي!

هل تعي النخب بهذه الأزمة؟ أم أنّها هي الأخرى تمثّل أحد تجلياتها؟

النخب السياسية وانهيار مفهوم السياسة

المتتبع للمشهد السياسي في الجزائر سيقف أمام حالة نكوص للممارسة السياسية، إذ فَقَد هذا الفعل مرجعياته الفكرية والأيديولوجية، فأصبح ينتج خطابات فارغة من المعنى ومن القيمة. لم يعد السياسي في الجزائر يحمل مشروعًا فكريًا وايديولوجيًا وسياسيًا، ولم يعد خطابه نوعيًا من حيث قدرته على إنتاج الفهم واستقطاب الرأي العام.

انحصر الفعل السياسي في تبرير النهج الأحادي للنظام، ومنح شرعية له، حفاظًا على المصالح الشخصية الضيقة للنخب المحتكرة للرأسمال التاريخي. لم يعد المشهد السياسي حلبة لصراع الأفكار والأيديولوجيات، بل أصبح مشهدًا بلون واحد، وبصوت واحد، وبرؤية واحدة هي رؤية النظام الأفلاني (جبهة التحرير الوطني). أما عن المعارضة، فهي الأخرى فقدت بوصلتها السياسية، وأصبحت معارضة مشتة، ومعزولة عن الرأي العام، بسبب أنّ النظام قد أغلق عليها قنوات التواصل الأساسية: اللقاءات الشعبية/ التظاهر/ الإعلام. ثم أن هذه المعارضة نفسها كانت إلى وقت لاحق جزءًا من هذا النظام، ما يجعلها معارضة شكلية أكثر مما هي معارضة جذرية.

من هنا فإنّ هذه النُخب التي ميّعت الفعل السياسي هي إحدى مظاهر الأزمة السياسية في الجزائر، ولا نتصوّر أنّها واعية بجوهرها المتأزم. فكيف يُمكن في هذه الحالة أن تقترح مسالكَ للخروج من الأزمة وهي لا تعي أزماتها الخاصة  فما هو مشروعها الاجتماعي مثلًا؟

إنّ المتتبع لخطابات هذه النخب يصطدم بمنظومة خطابية فارغة، تعيد إنتاج نفس البنيات الخطابية من حيث دعم سياسة النظام والتحذير من الأيادي التي تريد العبث باستقرار البلاد. هي نفس الجمل التي تتكرر آليًّا. إنّ هذه النُخب هي في الجوهر نُخب صماء ترفض أن تسمع بانتباه إلى دروس التاريخ؛ فالنخب السياسية الفاشلة كانت دائمًا تمثل دعائم أي نظام شمولي، بل ارتباطها العضوي به يجعلها ترهن وجودها بوجود هذا النظام، وزوالها بزوال هذا النظام. ومن جهة أخرى، هي مدركة أشد الإدراك أنها مجرد أدوات في يد النظام السياسي يوظفها لإطالة وجوده، وقد يُستغنى عنها في أيّ وقت.

النخب المثقفة أمام معضلة الإنسان

في محاولة لتعريف المثقف، كتب برهان غليون يقول: "من الواضح أننا عندما نتحدث عن المثقفين هنا فنحن لا نقصد الأفراد من حيث هم مبدعون ومنتجون لمختلف القيم الفكرية والفنية والأدبية. كما أننا لا نقصد المثقفين من حيث هم فئة مهنية أو أصحاب حرفة متميزة عن مثيلاتها من الفئات الاجتماعية في أسلوب عملها ورزقها. إنّ المقصود بالمثقفين في السياق الذي نتحدث عنه هو جزء من النخبة الاجتماعية التي تتهم في ما وراء حرفتها وبالاعتماد عليها معا، بقضايا المصير العام". (المثقف العربي، همومه وعطاؤه، ص 85).

المتتبع لخطابات النخب يصطدم بمنظومة خطابية فارغة، تعيد إنتاج نفس البنيات، من حيث دعم سياسة النظام والتحذير من العبث

بحسب هذا التعريف، فإنّ ما يحدد هوية المثقف هو اهتمامه بقضايا المصير العام. وبغض النظر عن مهنته أو حرفته أو مستواه التعليمي فإنّ المثقف هو من ينخرط في قضايا تعني المُجتمع، فيبدي رأيه، أو يدافع عن قيم ما أو ينتقد مظاهر سلبية داخل المجتمع أو يواجه السلطة بالحقيقة، كما قال إدوارد سعيد. لكن أيضًا، وهو ما يكشف عن الوجه المتناقض فيه هو إمكانية تحالفه مع السلطة، فهو إلى حد ما يقف إلى جهة طرف ما داخل المُجتمع. ثمّ لا يجب أن ننسى مسألة أساسية، وهي أنّ المثقف قد ينتمي إلى مؤسسات الدولة كموظف فيها، فيلتزم بالقوانين ويحترمها، وفي نفس الوقت يغدو مثقفًا يوجه لتلك الدولة انتقادات شديدة كلما لاحظ وجود انحرافات أو تجاوزات من لدن السلطة نفسها. في هذه الحالة، يحتاج المثقف إلى الشجاعة والجرأة. وليس غريبًا أن يقرن إيمانويل كانط، في بيانه التاريخي الشهير، التفكير بالشجاعة، والنقد بالجرأة.

اقرأ/ي أيضًا: النخب المصرية في قاع الماضي

فما هي طبيعة السؤال الأساسي الجريء الذي يطرحه المثقف اليوم؟ كثيرًا ما نقرأ دراسات ومقالات تطرح قضايا نظرية، ومسائل غارقة في تلك اللغة الفلسفية، المسيّجة بالمفاهيم الصعبة والمُبهمة، حتّى أنّها من شدّه غموضها أصبحت تطرد القرّاءَ بعيدًا. بل إنّ بعضها تثير في نفسية القارئ رعبًا حقيقيًا، حيث يجد نفسه أمام نظام مُغلق من الأحجيات.

قبل أن نطرح السؤال التالي: ما حاجتنا إلى هذا النوع من الكتابات؟ نسأل أوّلًا: هل المغالاة في التعقيد هو دليل ذكاء خارق يريد الكاتب المثقف إقناعنا به، من خلال اللجوء إلى اللغة الطلسمية؟ أم أنّ الأمر لا يعدُو أن يكون مظهرًا من مظاهر أزمة التفكير؟ وهي أزمة تتخذ من التعالي الفكري شكلًا لها، بحيث تكون قد خلقت حواجزَ متينة وسميكة بينها وبين القرّاء. هل يحتاج الفكر إلى كل ذلك التعقيد لكي يفسّر أزماتنا الحياتية؟ أليس هدف القارئ مواجهة أزمات الوجود من خلال الفكر، وليس مواجهة مُعضلة تفسير وفهم مفاهيم الفكر؟ إننا بحاجة إلى التفكير لتفسير مشكلات الوجود والحياة بأبعادها المُختلفة، أمّا أن يكون التفكير هو مواجهة لعالم الخطاب نفسه، فهذا من شأنه أن يجعل الخطاب الفكري عائقًا أمام إدراك مشكلات الوجود الحقيقية. لا نقصد هنا نفي عتبة الخطاب، بل إننا نقصد نقد تعالي هذه الخطابات.

إلى جانب كلّ هذا، هل نحن بحاجة إلى التفكير في الفلسفة أم التفكير بالفلسفة؟ هل نحن بحاجة إلى التفكير في النقد أم التفكير بالنقد؟ وهل نحن بحاجة إلى التفكير في الثقافة أم بحاجة إلى تحويل التفكير إلى فعل ثقافي مُنتج؟ يقول الباحث الجزائري اليامين بن تومي: "إنّ الداء العضال الذي أنهك – في تصوري – جسد التفكير العربي اليوم، هو التفلسف خارج المكان، لأننا أغرقنا أنفسنا بأسئلة خارج مجالنا الثقافي". (تشريح العواضل البنيوية والتاريخية، ص 23).

نحتاج إلى تحرير التفكير من أسيجته النظرية، ومن المقولات الجاهزة، ومن التصورات القبلية التي تفرض نفسها على المفكرين

يشير اليامين بن تومي إلى مسألة مهمة، وهي إحدى مظاهر أزمة التفكير العربي عمومًا، والمتمثّلة في تغريب الفكر. والمقصود به أن نفكّر خارج ما يتطلبه واقعنا العربي، فالحديث عن هايدغر مهم، لكن الأهم هو ما الذي يُمكن أن يفيدنا هايدغر في السياق العربي؟ ويُمكن أن نأخذ أمثلة كثيرة في نفس السياق. ومن جهة أخرى: هل تصلح العلوم الإنسانية، التي جاءت لتجيب عن معضلات الإنسان الغربي، لتكون أدوات لتفسير وفهم الإنسان العربي؟ ألسنا بحاجة إلى علوم إنسانية عربية تنطلق من الأسئلة التي تعني هذا الإنسان العربي؟ تحدث بن تومي عن "المجال الثقافي" وفي نظري أفضّل الحديث عن "المجال الإنساني"؛ فالإنسان – في السياق العربي والجزائري تحديدًا – ما زال موضوعًا بِكرًا للدراسة، بل إنّه من المواضيع التي لم يحفر فيها الفكر حفرًا عميقًا. ولا نستبعد التفسير الذي يقول إنّ تغييب الإنسان كموضوع للدراسة يعود إلى غياب شروط المعرفة النقدية، التي من شأنها أن توفّر المناخ لتفعيل حقول المعرفة الإنسانية من جهة، ومن جهة أخرى أنّ البيئة العربية ما زالت تعاني من هيمنة شكلين من السلطة: السلطة السياسية والسلطة الدينية وكلاهما تعملان على قمع الإنسان. هل أجبنا إلى حد اليوم عن سؤال: ما هو الإنسان؟ ومن هو الإنسان في سياقنا العربي والجزائري؟

اقرأ/ي أيضًا: إشكالية التمثيل والوصاية.. هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟

إننا بحاجة إلى تحرير التفكير من أسيجته النظرية، ومن المقولات الجاهزة، ومن التصورات القبلية التي تفرض نفسها على المفكرين، فتوجه تحليلاتهم غير الوجهة التي تفرضها خصوصيات موضوع الدراسة "الإنسان في سياقه العربي".

تحرير الفكر هو تحرير الإنسان أيضًا من أشكال الهيمنة والوِصاية. فالغرض من تطوير حقول معرفية إنسانية لا يتوقف عند عتبة مراكمة معارف عن الإنسان العربي بقدر ما يهدف إلى توفير شروط تحرير هذا الأخير. إنّ الوعي، حتى لو أنّ الطريق إليه محفوف بالمخاطر، هو السبيل إلى تحرير الإنسان من أعطابه ومخاوفه، وستكون هذه العملية هي بداية للتحرر من أشكال الوصاية السياسية والدينية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا أبدعتَ أيها الأديب حتى تستحق اهتمام النقاد بك؟

العصاب الثقافي.. لماذا نخاف من التحليل النفسي؟