مكتبة حسام الدين المحمد

مكتبة حسام الدين المحمد

الكاتب والإعلامي حسام الدين المحمد

ألترا صوت- فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


حسام الدين المحمد كاتب وإعلامي من سوريا. مدير تحرير صحيفة "القدس العربي". نائب رئيس رابطة الكتاب السوريين ورئيس تحرير مجلتها "أوراق". نشر العديد من الكتب، منها: "مكحلة مسمومة" (شعر)، "أرض التعارف" (كتاب نقد جماعي)، "مقدمة لسلافوي جيجيك" (ترجمة). "ما بعد الاستشراق" لحميد دباشي (إشراف على الترجمة)، "وطن من الكلمات" (ترجمة). كما نشر أبحاثًا ودراسات نقدية ونظرية، وحاضر في جامعات عدة، منها كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

أظن أن ما جاء بي إلى عالم الكتب كان اكتشافي، مبكرًا، للمتعة الأخاذة للحكايا والأفكار والمعاني والصور. كنت، كذلك، طفلًا خجولًا وحساسًا جدًا، وربما كانت تلك آلية دفاعية لتعويض التواصل الصعب مع العالم المحيط. محاولاتي الأولى للرسم والتخطيط، رغم الرضى الذي حصلت عليه، لم تكن كافية لإرضائي واكتشفت بسرعة أن عالم الكتب أوسع وأجمل وأكثر امتلاء بالأسرار والجوائز والمخاطرات المحسوبة.

لم أكن، على ما يبدو، طفلًا "طبيعيًا" قادرًا على التواصل مع أبناء جيلي، أو أنني وجدت البيئة فظة وهمجيّة لذائقتي الجمالية. هناك عامل جينيّ أيضًا فقد كان جدّي محبًّا للقراءة، وكانت قائمة قراءاته تتطلب صعودًا إلى سقيفة المنزل (استعارة جميلة لارتفاع الثقافة)، من سيرة عنترة وسيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس إلى مختارات "الريدرز دايجست" ومجلات أخرى لا أتذكر أسماءها الآن.

من الممكن أيضًا أن أقول إن توجّهي إلى الكتب كان لجوءًا نحو دهليز نفسيّ ولكنه أفضى بي إلى عدة سراديب، ولا أعرف إن كنت أستطيع فتحها كلها الآن.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرا في حياتك؟

كان القرآن، بالتأكيد، من الكتب المؤثرة في طفولتي، وأفترض أن سطوته استمرت بإمدادي لاحقًا بمخيال ولغة وغوايات لا يتخيّل قارئوه التقليديون، ربما، وجودها. شغلني تراكب الحروف وبعض الألغاز التي وجدتها سحرية (مثل تتابع أحرف لا تبدو ذات معنى، ألف لام ميم مثلًا) وشغلني أبطال القصص، وخصوصًا من صعب عليّ فهمهم (مثل "حمّالة الحطب"، والنبي الذبيح إسماعيل والمنافقين إلخ...)، وتراكب هذه الصور مع جمل بعينها. أتذكر قصة الشخص الذي ذهب إلى الخضر (ويقال إنه موسى النبي أو موسى آخر) برفقة جملة "ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرًا"، والنبي إبراهيم حاملًا آيته المتشككة "ربّ أرني كيف تحيي الموتى"، وكذلك الصور الشعرية (زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) وخصوصًا حين تتنافر بشدة مع آيات الوعيد والعقاب التي سبقتها!

هناك أيضًا "ألف ليلة وليلة" الذي أتذكر الآن جهدي للحصول عليه في بداية صباي، حيث رفض بائع الكتب بيعي إياه قبل أن أتمكن من إقناعه، وبدأت معه رحلة شغف تحاول تفسير كل تلك الاستعارات الجنسيّة الشائقة، وفك تخاريم المعنى والغرق في إغواء السرد الذي لا ينتهي. انتهت المغامرة بذهاب ابن خالتي الشاب لتعنيف صاحب المكتبة على بيعه كتابًا جنسيًا فاحشًا لطفل في الحادية عشرة من عمره، وكانت النجاة بفعلتي فيما عوقب غيري عليها، في وعيي المراهق الذي بدأت باكتشافه، مكافأة أخرى تضاف إلى الكتاب نفسه!

تكثّفت حواسّي العاطفية والجسدية مع مغامرة ألف ليلة وعبرت منها إلى كتب ألبرتو مورافيا التي صرت أركّب خيالاتها على جاراتي في لبنان وسوريا، وكذلك كتب كولن ولسون التي لا تقل شبقًا، وكل هذه كانت مكافآت نفسيّة محفوفة بالخطر وبرقابة الأهل ومعجونة باستكشاف حذر للعالم وبمحاولة متكررة فاشلة لمطابقة الواقع السخيف مع الكتب المدهشة.

بدأت خلال تلك الحقبة علاقتي الوطيدة بقراءة الشعر ومحاولة كتابته. كان المتنبي دليلي، وكان هناك أيضًا أبو نواس وأحمد شوقي والأخطل الصغير وكثيرين.

في فترة الشباب الغضّ قرأت "البيان الشيوعي"، وهو كتاب خطر على ما يبدو لأنه قادني رأسًا إلى مغامرات أخرى تحاول استخدامه في "تغيير العالم" عبر الانتماء لتنظيم ماركسيّ صغير، وستكون التجربة مهمة لتلمس الإحساس المتنامي بتناقض مفاهيم الأيديولوجيا مع الواقع الذي لا يشبه الكتب أبدًا، ثم اصطدامها العنيف به.

كما بدأت "الانحراف" والتعويض عن الواقع مع ألف ليلة، كذلك فعلت بانحرافي عن "الاستقامة" الشيوعية بالافتتان بشخصيات على هامش الماركسية الأورثوذكسية مثل ماو وثورته الثقافية الوحشية، وتروتسكي "النبي المسلّح" الذي يقطّعه عميل ستالين بالفأس، وغيفارا صاحب غراميات الأدغال!

كانت تلك أيام الحرب الأهلية اللبنانية، التي حشدتنا على هوامشها السياسية الحادّة كالبلهاء، وانضافت للكتب مكافآت أخرى كالأفلام التي أتذكر منها "1900" و"التانغو الأخير في باريس" ومسلسلات مثل واحد لعبد المجيد مجذوب وهند أبي اللمع (يدور كله حول الكتب)، وأغان لمرسيل والشيخ إمام والهبر وقعبور، من دون هجر الظل العالي لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم.

افتتنت بروايات كازنتزاكيس وأيتماتوف وهمنغواي (وماركيز لاحقًا)، ولم أنس نجيب محفوظ وحنا مينه وزكريا تامر ويوسف ادريس، ولا أشعار درويش وقباني و"شعراء الجنوب"، لكن الاكتشاف الرائع كان سيغموند فرويد بترجمات جورج طرابيشي الرائعة، وابتدائي محاولة مشوّقة لفهم ذاتي و"تغييرها" باستخدام مناهج التحليل النفسي. ترافق ذلك مع فترة تلمّس الحب والجنس الحقيقيين لأكتشف أنهما (ويا للروعة) لا يتطابقان أيضًا مع ما يحصل في الكتب.

فتح فرويد وماركس الباب لاحقًا لميشيل فوكو وجاك دريدا وقد أعانني ذلك على فهم حدود الخطاب/الأيديولوجيا وإمكانية الوقوف على تخوم السرديّات وحدودها المتقاطعة، والقدرة على التفكّر من مكان عال لكنّني تجنّبت الفلسفة ومشاقّها الذهنية وكذلك الكتاب الأمريكيين والبريطانيين، الذين سيكونون في وقت لاحق مفاتيح معرفة ستغيّر حياتي مجددًا.

انتقالتي إلى دمشق بعد حصار بيروت ولقائي بالناقد يوسف اليوسف، والشاعر طاهر رياض وأصدقاء لهما كعبد القادر الحصني، حفزا فضولي للفكر الصوفي فقرأت ابن عربيّ والنفري والحلاج، وأضاف ذلك كثيرًا إلى اتساع قدرتي على الرؤية وصالحني مع التراث مجددًا الذي انكببت على قراءته لكن من دون اهتمام حقيقي بقراءة التاريخ والتراث الديني الذي ما زلت أتجنّب الخوض فيه.

  • من هو كاتبك المفضّل ولماذا أصبح كذلك؟

في فهمي لما يحصل للعالم أحبّ كاتبًا يدعى آلفن توفلر الذي كان مرشدي منذ تعرفت على كتبه- وخصوصا ثلاثيته العظيمة: "صدمة المستقبل" و"حضارة الموجة الثالثة" و"تحول السلطة"- وكان ينتج كتابًا خطيرًا كل 10 سنوات، ورأيت، وأنا أتعجب من فذاذة قدرته على الرؤية المستقبلية والتحليل الشامل، كل ما قاله في كتبه يتحقّق: انتشار الكومبيوتر والإنترنت وشبكات التلفزيون الخاصة وأجهزة المحمول وتفكك المجتمعات سياسيًا واجتماعيًا، وظهور موجة الحضارة الرقمية التي ستهشّم كل الحضارات التي سبقتها والقوة الفائقة التي ستكون لمدراء الشركات الكبرى، وهذه الكتب أثّرت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في سياسات الدول الكبرى وظهرت في تحليلات الاقتصاد والاجتماع والإعلام، وكانت دائما حاضرة في افتتناني بكل ما يحدث.

في السياسة أثّر فيّ كثيرًا دارون أجيموغلو وجيمس روبينسن، في كتابهما المشترك "لماذا تفشل الأمم؟"، وهو أفضل كتاب اجتماع سياسي ممكن أن تقرأه.

هناك كاتب بريطاني يدعى جون غراي وهو من الصنف "الخطر" بضراوة أفكاره وفرادتها ولذلك فإنني أقرأه على جرعات. من كتبه "كلاب القش"، و"قدّاس أسود"، و"أفكار حول البشر وحيوانات أخرى"، وهناك طبعًا يوفال نوح هراري الذي أحدثت كتبه الأخيرة، "هومو سايبس: تاريخ مختصر للجنس البشري"، و"هومو ديوس: تاريخ مختصر للغد"، و"21 درسًا للقرن الواحد والعشرين" ضجة.

أحب أيضًا بعض كتاب الكتب "البوليسية"، وكانت "ثلاثية الألفية"- المرأة ذات وشم التنين، المرأة التي لعبت بالنار، المرأة التي تأخذ عينًا مقابل عين- للروائي السويدي الراحل ستيغ لارسون مفاجأة حقيقية لأنها كشفت لي كيف يمكن استخدام هذا الجنس الروائي المشوّق جدًا في نقد عميق لبنى الاستبداد وترابط أشكالها السياسية والجنسية والمالية.

في الأدب أحب الروائي فواز حدّاد وأحترم كثيرًا جهده الموسوعي في إنتاج رواياته، وفي النقد الأدبيّ أحب عبد الفتاح كيليطو، وأحبّ أيضًا جورج طرابيشي، وفي المقالة الصحافية أحب حازم صاغية وياسين الحاج صالح وأحمد عمر ويوسف بزي وشادي لويس بطرس وآخرين، وفي الأدب الأجنبي ذكرت أنني أحب غابرييل ماركيز وكازنتزاكيس وبعض كتاب الرواية البوليسية البريطانيين، إضافة إلى عدد كبير من الكتاب في شؤون العلم والتاريخ والطبيعة والحياة والنبات.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

إذا كان قصدي من القراءة كتابة مقالة عن الكتاب فإنني أقوم بكتابة ملاحظات عليه طبعًا، وكذلك أكتب ملخّصات إذا كان العمل ضمن مراجع كتاب أو مقالة أعمل عليها.

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

لم تتغير كثيرًا. أستطيع أن أقرأ كتبا رقميّة حين أضطر لكنني لم أخرج عن عاداتي السابقة في قراءة الكتب المطبوعة. أضفت إليها الكتب المسموعة وهي تجربة مجزية حقا.

  • حدثنا عن مكتبتك؟

بعض مكتباتي كالعشيقات المهجورات اللاتي أحنّ إليهن. لا أعرف ما حصل لمكتباتي في بيروت أو دمشق أو قبرص. أفتقد الموسوعات كـ"قصة الحضارة" وكتبي الأولى التي جمعتها في بيروت ودمشق. مكتبتي الحالية مهجّرة بين سقيفة بيتي السابق، ويسكنه مستأجر، ورفوف بيتي الحالي، ومكتبي في "القدس العربي".

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

في الحقيقة أنني أقرأ عدة كتب سوية. منها كتاب "الحياة المخفية للأشجار" لبيتر هوليبن، ويحاول شرح كيف "تشعر" الأشجار وكيف تتواصل وآخر الاكتشافات من هذا العالم السرّي، وكتاب "تصميم السعادة" لبول دولان، ويتحدث عن كيف يمكننا أن نجد المتعة والمعنى في حياتنا اليومية، وكتاب "أن تكون آلة" لمارك اوكونول، وهو مخصص للحديث عن التطور الكبير الجاري للمزج بين البشري والآليّ، وهذه القضايا، عمومًا، إضافة إلى السياسة، بمعناها العام، هي شواغلي الحاليّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة يارا المصري

مكتبة صهيب أيوب