مكتبة أسماء عزايزة

مكتبة أسماء عزايزة

الشاعرة أسماء عزايزة

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


أسماء عزايزة شاعر من فلسطين، تعيش في مدينة حيفا. صدرت لها المجموعة الشعرية "ليوا" (2011) الحائزة على جائزة عبد المحسن القطان عام 2010. و"كما ولدتني اللدية" (2015)، تدير مشروع "فناء الشعر" وتنظّم الأنشطة الثقافيّة في مدينة حيفا.


  • ما الذي جاء بكِ إلى عالم الكتب؟

مكتبة أبي الفقيرة. مكتبة فلاح فلسطينيّ كانت أكبر خطواته لنيل العلم والمعرفة، عامان من التعليم الثانويّ في مدينة الناصرة المجاورة لقريته، راكبًا حماره، صاعدًا سفح جبل القفزة من مرج بن عامر. مكتبة فلسطينيّ في مناطق 48، يعني أنها مكتبة عربيّة مقطوعة عن العالم العربيّ ومسلوخة عن دور نشره وبواباته ومكتباته. لكم أن تتخيّلوها! أو لا! لمن نشأ في قلب عاصمة عظيمة مثل دمشق أو القاهرة. أذكر الاصطدام الأوّل مع مجموعة لنزار قباني بعنوان "لا"، كان لديّ ستّ سنوات. كانت المرّة الأولى التي أحفظ فيها شعرًا حديثًا، وكنت أردّد هذه الكلمات أينما ذهبت: "لأنني لا أمسح الغبار عن أحذية القياصرة، لأنني أقاوم الطاعون في مدينتي المحاصرة، لأنّ شعري كلّه حرب على المغول والتتار والبرابرة، يشتمني الأقزام والسماسرة". ثمّ اكتشفت المتنبي وأنا في العاشرة. لم أفقه شعره طبعًا لكنّ وجوده في الأرجاء كان مكمّلاً للمشهد المتكرّر اللانهائيّ الذي يردّد فيه أبي على مسامعي أبياتًا من الشعر الكلاسيكيّ كي أحفظها. 

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثير في حياتك؟

حصلت قبل سنوات على نسخة نادرة من التوراة الكنعانيّة. وقد أثّرت فيّ كثيرًا لأنها جاءت ضمن حالة تفرّست فيها في الأساطير الكنعانيّة واليهوديّة في أرض كنعان. وقد أذهلني التقاطع المرعب بين النصّ الكنعانيّ والتوراتيّ. أذكر الكثير من الكتب التي أثّرت فيّ لكنّي أعتقد بأن كتبًا تركت أثرًا علينا في سنّ معيّنة قد تبدو إن أعدنا قراءتها شديدة العاديّة. أثّرت فيّ كتب كثيرة، لكن لضرورة الإجابة عن هذا السؤال، أرخي ذاكرتي دون تعصّر وأذكر: "تاريخ ويوتوبيا" لإيميل سيوران، "الجوع" لكنوت هامسون، "في انتظار غودو" لبيكيت، "Mourning Diary" لرولان بارت، "أزهار الشّر" لبودلير، "حفريّات المعرفة" لفوكو، قصص بيسوا وتشيخوف، قصائد لوركا وكفافيس. وغيرها الكثير الكثير..   

  • من هو كاتبكِ المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

أعتقد أنّي أميل إلى تفضيل الأعمال وليس الكتّاب باعتبارهم وحدة واحدة. هناك كتّاب عظماء قد يكون أحد أعمالهم أقرب إلى قلبي من بقيّة أعمالهم. ثمّ إنني دائمًا أفكّر بأن الكاتب الذي لم أقرأه بعد سيكون أروع من هذا الذي أقرأه الآن، تمامًا كالأطفال المقتنعين بأنّ البوظة في يد الآخرين أطيب من تلك التي يحملونها. سأضيف شقًا آخر لهذا السؤال بعد إذن المحرّر، إن كان السؤال في جنس أدبيّ محدّد، كالشعر مثلًا، أقول جلال الدين الرومي. إذ لم أر في حياتي أحدًا يكتب بلغة مستقبله. تنبّأ الأنبياء بالقيامة. كيف يتنبأ هذا باللغة؟

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرأينه عادة؟

ليس في جميع القراءات. أكتب الملاحظات في قراءاتي لكتب الفكر والفلسفة والتاريخ وما شابه. كلّ من أعرفه يعاني من ذاكرة هزيلة إزاء الكتب التي يقرأها. ثمّة ضررٌ بالغ في ذاكرتي يضاف إلى هذه الذاكرة العضويّة الطبيعيّة. وعليه، أجد نفسي مضطّرة إلى هذه الملاحظات، سيّما إذا كانت تفصيليّة ودقيقة.  

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

أبدًا. أنا من الأشخاص الذين لم يطوّروا بعد قدرات في قراءة الكتب الإلكترونيّة. ولا أعتقد بأنّي أسعى إلى تطويرها. عالم الإنترنت ساعدني على الانكشاف على كتّاب وعناوين لم أكن لأكتشفها عن طريق المكتبات أو معارض الكتب. وهذا كنز كبير. لا زالت علاقتي بالكتاب الورقيّ وطيدة لأنّها نابعة من حاجة وليس من رغبة في طقس رومانسيّ وحميم! أتنقّل كثيرًا في حياتي اليوميّة، من المكتب إلى الأستوديو إلى البيت، قد أقرأ صفحة وأنا أنتظر أحدًا في السيارة، قد أقرأ نصفها وأنا أنتظر موعد عمل. فبالتالي، يصبح الكتاب الورقيّ أكثر عمليّة من الإلكترونيّ.

  • حدثينا عن مكتبتك؟

مكتبتي مشتّتة. وأعتقد أنّني أنا السبب في تشتّتها هذا. ولدت في عقد قديم بناه جدّي لأبي في قرية دبورية، ثمّ، ولضيق المكان الذي يتكوّن من غرفة واحدة كبيرة، قرّر أبي أن يبني بيتًا فسيحًا بجانبه، فانتقلنا إليه. وعند بلوغي الثامنة عشر، انتقلت للإقامة في مدينة حيفا. كتبي التي قرأتها والتي لن أقرأها في القريب موزّعة بين العقد الذي ولدت فيه وبين البيت الذي بناه أبي. أما كتبي التي سأقرأها في القريب، أو تلك التي سأعاود قراءتها تتوزّع بين بيتي وأستوديو الكتابة خاصّتي. إنّ هذا التوزيع يريحني ويزعجني في الوقت نفسه. يريحني لأنّ كتبي ستحيطني أينما جلست، لكنّه يزعجني لأنّي أحيانًا أرغب بتناول كتاب ليس أمامي "الآن". فأجدني في بعض الأيام مع كيس قماشيّ كبير من الكتب التي أقرأها أو سأقرأها الشهر القادم على سبيل المثال. يتنقّل الكيس معي، في نفس اليوم، من البيت، إلى العمل، ثمّ إلى الاستوديو، دون سبب.

أما بالنسبة لمحتواها، فإنّها متنوّعة وترضيني. فيها ما يكفي لسنوات قادمة. لكن فيها كتبٌ لن أقرأها ما حييت. بعضها أعمال أدبيّة أعتبر أنّ حرقها أفضل من الحفاظ عليها، لكنّي لا أجرؤ على فعل ذلك، وبعضها الآخر هو كتب مستعملة باللغة العبريّة التي فقدت قدرتي على قراءتها بسلاسة، كنت أقتنيها بأسعار مضحكة من معارض كتب في الجامعة، لكنها ليست ذات قيمة، اقتنيتها لأنها رخيصة وحسب.

  • ما الكتاب الذي تقرأينه في الوقت الحالي؟

أقرأ أكثر من كتاب في الوقت ذاته: "في انتظار البرابرة" لكوتزي بترجمة جميلة جدًا أنجزتها ابتسام عبد الله، و"فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة" وهو عبارة عن مجموعة حوارات جديّة وطويلة مع روائيين عالميين اختارتها وترجمتها لطيفة الدليمي، و"I’m Talking about Jerusalem" وهي مسرحيّة للكاتب أرنولد ويسكر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة خضر الآغا