مكتبة أحمد إسماعيل

مكتبة أحمد إسماعيل

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


أحمد إسماعيل قاص وكاتب مسرحي من سوريا. من مواليد مدينة القامشلي عام 1961. نشر العديد من القصص والمسرحيات والدراسات المسرحية في دوريات سورية وعربية، ونال عدة جوائز أدبية في القصة والمسرح. عرضت مسرحياته في دول عدة. من أعماله: "مسرحنا المأمول"، و"عندما يغني شمدينو"، و"رقصة العاشق"، و"أهلًا جحا.. عفوًا مموزين"، آخر إصدارته "ليل القرابين"، وهي مجموعة مسرحيات قصيرة.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

الخجل. نعم الخجل هو الذي جاء بي إلى هذا العالم الرحب. هذا المرض اللعين الذي حرمني من أشياء جميلة كثيرة، وأولها الحب. هو الذي جعل مدربًا مسرحيًا يطردنني من القاعة، وذلك عندما طلب مني أداء مشهد تمثيلي صغير، أو تقليد شخص ما، لتجاوز اختبار اختيار أعضاء فرقة مسرحية للفتيان، فلم أستطع أن أحرك ساكنًا، تحولت في تلك البرهة إلى صخرة صماء، إلى شخص عاجز عن التعبير عما يجول في داخله من حيوية ورغبة وشوق، كنت حينها طالبًا صغيرًا في حوالي الرابعة عشرة من عمره.

بقيت زمنًا لم أعد أذكر مدته، وأنا تائه وحزين ومرتبك، إلى أن أهتديت بالمصادفة إلى عالم الكتب، وأعتقد أن أول كتاب وقع في يدي كان ديوان شعر لنزار قباني "قصائد متوحشة" الذي قرأته في جلسة واحدة، ثم أهديته لابنة الجيران، التي أعادته إليّ بعد أيام بصمت مريب، وقد اصطبغ وجهها بحمرة لم أحسن فكّ شفرتها، ومرة أخرى كان الخجل هو السبب.

بعد ذلك تعرفت على كتابات توفيق الحكيم ومسرحياته، ثم كتابات عباس العقاد ونجيب محفوظ، لأتوجه بقوة بعدها نحو الأدب الروسي وأقرأ كتابات تشيخوف وغوغل وديستوفيسكي وغوركي، ولا أعرف لماذا تعلقت بكتابات تشيخوف بالذات، أكثر من غيره من الأدباء الروس، لأقرأ كل ما في مكتبة المركز الثقافي في مدينتي من كتب لهذا الكاتب الهادئ والعميق، بعدها بدأت بقراءة الأدب المسرحي، قراءة أشبه بالدراسة، بدءًا من المسرح الإغريقي وملاحمه، ومرورًا بأعلام المسرح الكبار.

  • ما هو الكتاب أو الكتب الأكثر تأثيراً في حياتك؟

لعل القراءات الأولى مثل مثل الحب الأول، واللقاءات الغرامية الأولى، ثمة عفوية، وتلق عفوي في التعامل مع الكتب والمطالعة، لم تكن قراءاتي تلك واعية، بل كانت أشبه بعلاقة المراهق بالحب، الذي يعشق في اليوم الواحد كل امرأة جميلة يصادفها، بل كل أنثى، تلك القراءات كانت هي الأثيرة إلى قلبي، لقد قرأت كتبًا كثيرة لا يجمع بينها جامع سوى عشقي للمطالعة: كتب دينية وماركسية وأدبية ومسرحية، لكتاب مثل رمضان البوطي ومصطفى محمود وعباس العقاد ونزار قباني والمنفلوطي ونجيب محفوظ ولينين، وأعتقد أن طريقة تلقي لها هو السبب، وليس محتواها، بدليل أنني، وعندما أعدت قراءة بعض تلك الكتب، وذلك بعد مضي سنوات طويلة، لم تثر في داخلي ما أثارته حينها من أحاسيس، حتى أني وضعت ملاحظات كثيرة على بعض هذه الكتب.

بعدها تعلّقت بالأدب الروسي زمنًا، وخاصة بعض أعمال تشيخوف وغوغول ودستويفسكي، إلا أن تعلقي بروايات نيكوس كازانتكيس، وسعد الله ونوس عربيًا، وخاصة أعماله التي كتبها في مرحلته الأخيرة. كان أكثر.

  • من هو كاتبك المفضل؟

كلما قرأت لمبدع وقلت هذا هو كاتبي، وقائمة هؤلاء الكتاب كبيرة جدًا، اكتشف أن ثمة كاتب آخر يستحق أن يكون كاتبي المفضل، هل أسرد أسماء كتاب؟

قد يكتفي القلب بحبيبة واحدة كي ينبض، بحب واحد، أما العقل، فكاتب واحد، أو صنف واحد من القراءة، مقتل له.

كيف لي أن أقول لك أنّ ابن المقفع الذي قرأت كتابه كليلة ودمنة مرات ومرات بعشق، هو كاتبي المفضل وماذا عن ديستوفسكي وروايته العظيمة الأخوة كرامازوف مثلًا، وماذا عن تشيخوف الساحر والعميق كبحر، أو شكسبير وشخصياته الخالدة وعوالمه الصاخبة، أو غوته ومسرحيته الرائعة فاوست، التي لا أمل من تكرار قراءتها، أو سعد الله ونوس الذي استفدت من تجربته كثيرًا.

بصراحة، ما زلتُ أقرأ، وأنا على ثقة من أنني لن أقول هذا هو كاتبي وكفى، كل كاتب رائع هو كاتبي المفضل، وأنا أتتلمذ على أيد هؤلاء، أخرج من معطف كاتب في وقت من الأوقات، لأدخل في معطف كاتب آخر في وقت غيره.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

نعم، كنت أفعل ذلك في بداية إقبالي على المطالعة، عندما كنت طالبًا في الثانوية، وكان وضعي المادي حينها سيئًا، سيئًا جدًا، فكنت أذهب يوميًا إلى مكتبة المركز الثقافي في مدينتي قامشلي وأنا أحمل معي دفترًا، لأدون فيه عبارات تعجبني، ومعلومات تفيدني، وكم من كتاب استقيت منه مقتطفات حتى كاد الأمر يصبح تلخيصًا له، لم يكن الأمر وقتها ناتجًا عن خطة مرسومة أو تفكير مسبق، بل بسبب الوضع المادي بالدرجة الأساس، ليتحول الأمر إلى عادة مع كتب كنت أقتنيها، ثم تركت هذه العادة في الفترة الأخيرة، لأكتفي بملاحظات قصيرة لم أكن أكتبها على الكتاب كما يفعل كثيرون، بل في صفحة خاصة أضعها طي الصفحات، وأدون فيها ما أجده مناسبًا وهامًا.

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الالكتروني؟

لم أكن أتخيل يومًا أنني سأنهي قراءة كتاب الكتروني حتى لو كان مؤلفًا من عشرين صفحة، كما يحدث لي منذ بضع سنوات، إذ قرأت خلال سنوات ما بعد الزلزال السوري كتباً إلكترونية كثيرة: روايات ومسرحيات ودراسات، حتى أنني أعدت قراءة رواية "الإخوة كرامازوف" التي يتجاوز عدد صفحاتها الألف صفحة!

وما جعلني ألجأ إلى الكتاب الالكتروني، وأقتصر عليه تقريبًا، لا علاقة له بمواكبة التطور، فأنا، تقنيًّا، لا أنتمي إلى هذا الزمن، غير أن مغادرتي لبلدي وابتعادي عن مكتبتي التي أهديتها لفرقة مسرحية في مدينتي قامشلي لتصبح في متناول القراء هناك، هو السبب في هذا التحول الذي حدث معي، وكم كانت البداية مرهقة وشاقة.

لقد كان الكتاب الورقي عندي، مثل كل أبناء جيلي ومن سبقنا، هو حبّي الأول. والذي لا أستطيع نسيانه مطلقًا، وسأعود إليه مهما تنقلت بين الكتب الإلكترونية. فمازلت وفيًّا لحبي الأول للكتب الورقية، التي كانت تمنحني أحاسيسَ دافئة وحنونًا، مثلما تفعل كفّ الأم القابضة على يد ابنها.

حين قدمت إلى ألمانيا، كنت أعرج، بين الفينة والأخرى، على مكتبة كبيرة هنا، في مدينة بوخوم، أتجول فيها، وأتلمس الكتب وأتصفحها، لأخرج بعد وقت ليس طويلًا خائبًا كنحلة حطت على وردة بلاستيكية، وذلك ليس بسبب عدم إتقاني للغة الألمانية وحسب، بل لسبب آخر، يصعب شرحه في جمل وكلمات قليلة. نفسيّ وروحيّ بالدرجة الأساس.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

يحدث أن تقرأ كتبًا في علم النفس، فتركز طوال القراءة على النفس ودهاليزها وحسب، لتحضر الأنا بكل عنفوانها ويغيب العالم المادي بكل قوته وجبروته. ويحدث أن تقرأ كتبًا في علم الاجتماع فتنسى وجودك الشخصي  وتنغمس في تفاصيل العالم الخارجي. غير أن قراءة مفكر بقامة الألماني إيريك فروم تجعلك تعوم في بحر علم الاجتماع وفروعه وتغوص في النفس البشرية في الوقت نفسه، وكتابه "الإنسان المستلب وآفاق الحرية" الذي انتهيت من قراءته قبل أيام، يوفر هذه الخاصية بامتياز. استمتعت بقراءته واستفدت، فقد تناول قضايا هامة مثل الإنسان المعاصر ومستقبله، والنتائج النفسية للتصنيع، وموضوعة جد هامة وخطيرة: الاستهلاك، والتي عالجها بطريقة مدهشة وغير تقليدية، كما نفعل نحن حين نربط الاستهلاك بالماديات والكماليات والحاجيات، لا الحاجات النفسية والأفكار والسياسات.. إلخ. 

إذ يؤكد على موت الإنسان لصالح الأشياء، لصالح ما أنتجه الإنسان نفسه، إلى درجة أن الأشياء هي التي استلمت مبادرة صياغة الإنسان وتكوينه، ثم يقف مطولًا عند موضوع الاغتراب والاستلاب الذي حول الإنسان إلى رضيع، والعالم قارورة له، وحقل شهوات.

بعد هذا الكتاب بدأت بعملية بحث عن كتب إلكترونية له، وجمعتها في ملف لقراءتها. ومنها : "الخوف من الحرية"، "التدميرية البشرية"، "الإنسان من أجل ذاته" وكتب أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة فريد الزاهي

مكتبة عمر سليم