مزحةُ الموت

مزحةُ الموت

معتوق ابو راوي/ ليبيا

أرخى الليل سدوله، وخيّم الظلام على الشاطئ. كان صوتُ الأمواج وهي ترتطم بالصخور العالية يخترق الآذان، لا يُرى شيء إلا أضواءٌ خافتة، تأتي من بعيد، وخشخشة بذلة صيادٍ أثناء عودته تتراقصُ في أذن سَديرْ.

ارتدى سدير، الذي يبلغُ من العمر أربعةً وعشرين ربيعًا، بذلة شبه رياضية، وضع طربوشًا أسود اللون، ووضع قفازات في يديه. استل هاتفه الخلوي الذي اشترته له أخته ذات مناسبة. بدأ يتصلُ بصديقه شكيب الذي تأخر عن الموعد المُحدد. صار الوقتُ يداهم سدير، يحسُّ بشيءٍ مريب، لم يسبق له أنْ أحسَّ به طوال حياته.

ربما تتملّكه سعادةٌ غامرة، لأنَّه سيهربُ من وطنٍ لم يعتنِ به البتة، أو حزنٌ عميق، من شدة الفراق. اختلطت المشاعر والأحاسيس في خاطره دون هوادة. يظلَّ سدير ينتظر، إلى أنْ وصلته رسالةٌ قصيرة من شكيب، يقول فيها:

- صديقي لا أستطيعُ أن أغامر في قوارب الموت. أمّي تعلق عليَّ آمالًا عديدة، أريد أنْ أحققها لها يومًا ما.

رسالة شكيب أقلقت سدير كثيرًا، وأحسَّ وكأن صديقه تخلى عنه في آخر لحظة. أدخل الهاتف إلى جيبه الأيمن، وتحسس جيبه الأيسر، يبحث عن سيجارة يدخنها، كآخر سيجارة في وطنه، قبل الوصول إلى الضفة المقصودة.

التحق سدير بالقارب الذي يضمُّ حوالي عشرين شابًا، وشابتين معتدلتا القوام. استمعوا لتعليمات مدبّر عملية الهروب، أعطاهم "جيليّات" حمراءٌ لونها، أشعلوا محرك القارب، وغاصوا في البحر. كلُّ شيء مظلم يوحي بالموت لا بالأمل. أشعل سدير مصباحهُ الذي يشتغل بالبطارية، أطلق الضوء على كل الأشخاص المتواجدين في القارب. الوطن لم يحتضنهم، لم يمنحهم الدفء، ولكنهم قدموا لبعضهم البعض ما ينقصهم، وما يحتاجونهُ.

ظلَّ القارب يسير، ويخترقُ أمواج البحر اختراقًا، مرّت ساعة، وزادت قلوبهم انشراحًا، أحسّوا باقترابهم من الضفة الأخرى، وفرِحوا فرحًا شديدًا لأنَّ قوات خفر السواحل لم تستطِع مداهمتهم، وحرمانهم من تحقيق ذلك الحلم، بعيد المنال.

بعدها، سمعوا شيئًا غريبًا، وكأنَّ القارب ارتطم بشيء قوي، ربما صخرة كبيرة، لا أحد يدري. فجأةً، دون سابق إنذار، توقّف القارب في عرضِ البحر، أحسّوا بالخوف، وتسارعت نبضات قلبهم، والساعة اقتربت من الثالثة صباحًا. موقفٌ مؤسف حقًا. محرك القارب علق في شباك مرمية في عمق البحر، لذلك توقف، ولم يستطع التحرك ولو لميلٍ آخر.

بقوا هناك لساعاتٍ متواصلة، حتى أشرقت الشّمس، وأطلقت ريشتها الذهبية، تملأُ النفوس أملًا، وابتهاجًا. الخوف ظلَّ يلازمهم، صرخات متواصلة جراء اهتزاز القارب بأمواج البحر العاتية، سدير أطرق وجهه، ويدعو ربه للنجاة والعودة سالمًا، هو الآن في منتصف الطريق، إمّا أن يحقق حلمهُ وإمَّا يكون طعامًا طازجًا لأسماك البحر.

وجوههم أصبحت شاحِبة، مصفرّة، الخوفُ هيمنَ عليهم، دُعابةُ الموت تتربّص بهم، كل شيءٍ أمامهم صار لا يُطاق. ازدادت حرارة الشمس، لا ماء ولا أكل يسد جوعهم. بدأت نسرين تصرخ من شدة الدوار، قام سدير باحتضانها. صار الجميع يصرخ. رأوا باخرة بعيدة بأميال ليست بالكثيرة، يلوحون بأيديهم ويطلبون النجدة، دون جديد. جدار الموت اقتربوا منه.

مرَّ اليوم في لمحِ البصر، سدير أجهش بالبكاء، بكى على حكايات ماضيه، تأسّف على حاضره المشؤوم، وانكسرت وتلاشت أحلامه في وسط البحر. إنَّ الماضي حكاياتٌ، والحاضر يبدأُ من نقطةٍ ما في المجهولِ لا تعرفهُ، المُستقبلُ هو تَمَنٍّ بديهي، ومن فرطِ بداهتهِ لا تسألُ عمّا إذا كان الزمنُ موجةَ مدٍّ تنحسر.

حلَّ الظلام مرة أخرى، يومان وهم في البحر، الذي لا ساحل له، لا نهايةَ له. الموت يرقصُ أمامهم. صار قريبًا منهم أكثر من السّابق.

احتضنوا بعضهم البعض، ندموا على هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر. قُلِبَ القارب، غرقوا، استنجدوا كثيرًا، لا أذن تصغي لتأوهاتهم وصراخهم البغيض. لم ينجو أحد منهم، كلُّهم ماتوا، وتبخرت أحلامهم، وانكسرت آمالهم. سرقهم الموتُ فجأةً، وسيُخلِّفون حزنًا شديدًا في قلوبِ أسرهم، ووطنهم لم يُقدِّم لهم ما تَمنُّوه، فلو وجدوا كل شيء أمام لما غامروا بحياتهم، ورَكِبوا قارب الموت، الذي لا يرحم. للأسف، هذه مجرّد دُعابة، هي دعابةُ الموت. سدير وهؤلاء، هم مثال، لعدة شباب التهمتهم البحار، ورمتهم جثثًا هامدة، لم يَعُدْ فيها سوى عظام بيضاء، صاروا مشوّهين. الويلُ لوطنٍ لم يعتنِ بفلذات كبده.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رماد العابر بين الأزمنة

ذات عيد حب