24-أبريل-2019

مقطع من لوحة لـ أنتونيا سترينجر

"لو لم يمت أبولينير باكرًا، لكان أصبح دادائيًا، بالتأكيد، مثل دوشامب ومثلي"، يقول تريستان تزارا ناعيًا الشاعر الفرنسي. من هكذا شهادة، لم يقلّ يومًا غيوم أبولينير أهمية عن أقرانه من شعراء الانقلابات الفنية في أوروبا مطلع القرن العشرين، وإن كانت له صلة وثيقة برجالات الدادائية في بداياتها، إلى أنه لم يعش ليعيشها مشروعًا ناضجًا. بيد أنه هو ذاته كان مشروعًا ناضجا لشعرية منقلبة، مؤسسة بشكل مرحلي لكل التطورات التي عرفها القرن، مكسرًا تقاليد الكتابة التقليدية، والتي أنجبت من بعدُ دادا والتكعيبية والسريالية والمستقبلية.

غيوم أبولينير، وبشكل بيوغرافي مبسط، هو شاعر فرنسي عاش ما بين 1880 و1918، ومات ضحية للحرب العالمية الأولى متأثرًا بجارحه، في شقته بباريس عن سن يناهز 38 سنة.

له أعمال كثيرة، أشهرها "الكحول"، والذي فيه يعاكس المسارين؛ التقليدانية/التقدمية، الماضوية/المستقبلية. ويكرس سطوة اللحظة، بسلاسة وخفة، يتبع الزمن بكل ما يزخر به في وضعه القائم؛ يموقع قصائده في الماضي بينما يخاطب رجالًا في المستقبل. من داخل هذا الجدل يكتب أبولينير، غير متحمس، أو مندفع، لأي الجانبين، وفيًا للحظة الزخم الإبداعي وروح العصر، إذا ما ساعفنا الاصطلاح الهيغلي.

من ديوان "الكحول" نختار لكم هذه النصوص القصيرة، مترجمة عن متنها الأصلي وبلغتها الأم الفرنسية.


أبواق الصيد

حكايتنا، في غاية النبل

والتراجيدية

مثل قناع طاغية.

لا مأساة اعتباطية، أو سحرية

ولا تفصيلة لامبالية

تعيد حبنا مثيرًا للشّفقة.

وطوماس دو كينسي (*) يكرعُ

الأفيون سمٌ لطيف ومحتشم

بآن المسكينة كان يحلُم

لنمضي، إذًا، ما دام الكل يمضي

وما دمت أعود إليه مجددًا.

 

الذكريات أبواق صيد

فيها تموت جعجعة طحين الرياح.

 

الغجرية

الغجرية تعلم مسبقًا

زوج حياتنا المحجوز بين الليالي

نقول لها: الوداع! وبعدُ

من عمق البئر يطلع الأمل

 

الحب أثقل مثل دبٍ مصفد

يرقص واقفًا عند رغبتنا

والطائر الأزرق يفقدُ أجنحته

والشحاذون يفقدون عبارات الاستجداء

 

نعلم جيدًا ماهية لعناتنا

لكن أمل الحب في الطرقات

يدفعنا للتأمل، يدًا في يد

بنبوءة الغجرية.

 

ليل الراين

قدحي يملؤه نبيذ يرتعش، مثل شعلة

اصغوا إلى أنشودة الملاح الهادئة

يحكي أنه قابل سبع نسوة تحت القمر

يجدلن شعورهن الخضراء والممتدة، حتى كعوبهن.

 

قفوا نغني، راقصين في حلقة

لئلا نسمع أنشودة الملاح مجددًا

وضعوا بقربي كل الصبايا الشقراوات

تحت النظرة الراسخة في الحصير المثني.

 

الراين، الراين الثمل حيث الكروم الناضجة

تسقط كل ذهب الليالي مرتعشا

على صفحته ينعكسُ.

لا زال الصوت يغني، أشبه بحشرجة الموت الأخيرة

والجنيات، ذوات الجدائل الخضراء،

تسعين لإغراء الصيف.

 

قدحي ينكسر كضحكة مجلجلة.

 

هامش:

  • طوكاس دو كوينسي، روائي إنجليزي من القرن الـ19، معروف بروايته "اعترافات آكل أفيون إنجليزي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماناش باتاشارجي: امرأة

لافونتين: العجلة والعنزة والنعجة في شراكة مع الأسد