محمد أبو لبن.. صفعة الغريق على وجه الماء

محمد أبو لبن.. صفعة الغريق على وجه الماء

الشاعر محمد أبو لبن

يتابع الشاعر الفلسطيني محمد أبو لبن، في مجموعته الثالثة "تمارين على الجدوى" (ممدوح عدوان، 2016)، اشتغاله على قصيدة النثر اليومية بأدوات مختلفة، وأكثر قربًا من الواقع اليومي، وهموم الشتات الفلسطيني الذي ولد وتربى في ظله، مستمدًا من مفردات دخلت حياتنا على غفلة بذورًا لقصيدته، من دون أن يبتعد عن العام الذي يشغل بال معظمنا.

يشتغل الشاعر محمد أبو لبن على هموم الشتات المزدوج؛ الفلسطيني السوري

يحدد أبو لبن ثلاثة فصول زمنية لقصائده التي بدأ كتابتها منذ عام 2009 بين مدن مختلفة، وهو ما يتضح للمتلقي خلال قراءته للعمل الذي تتوازعه مفردات الحرب والمنفى والموت. "تمارين على النجاة" هو تفاصيل يومياتنا بين حياتنا الأولى في مكان نشأتنا، والشتات الذي أصبح أساسًا لحيواتنا الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: "ظل الريح".. حكاية المدينة مدفونة في مقبرة كتب

القصائد الأولى التي يفتتح بها مجموعته الثالثة، حدد الشاعر زمنها بين عام 2009 -2010، يقول في مطلعها: "قدمٌ على ذكرى/ وأخرى على سفر/ يُثيرها مارّةٌ قليلو الانتباه"، تتقدم الكتابة على خيوط الشتات الفلسطيني الذي عاشه الجيل المولد خارج البلاد، فالقصيدة الفلسطينية بالعموم تميزت بتقديمها لتجربة شتاتين مختلفين، الأولى للشعراء الذين نشؤوا في ظل الاحتلال، والثانية لمن ولدوا في رحم الشتات، وخرجوا بعدها إلى منفى آخر.

يشتغل أبو لبن في قصيدته على تفاصيل يومية مكثفة، ملامسًا بها اللحظة المسيّرة في حيواتنا، ومتلاعبًا بالمرادفات الوجودية في زحمة أوقاتنا "لستُ عابرًا ولا مقيمًا/ ولا ابنًا ضالًا، شبه حزين/ أو وحيد/ أو تائه/ شبه فارغ ربما/ بيدي ورقةٌ من ريح/ تذوب شبهًا/ بين الحياة وفُرجتها". وليس المنفى وحده دائم الحضور في القصائد، فالحب يمكن حمله معنا إلى المنفى "أحبيني الآن/ وانسيني إن شئتِ غدًا/ بعدنا الحياة هي نفسها/ لم تنتظر أحد".

القسم الثاني من المجموعة كتبت قصائده بالتوازي مع بدء مرحلة الربيع بين أعوام 2011-2013، ويدخل فيها اليومي بشكل مكثف، وأكثر مصادمة لتفاصيل كانت متوزعة بين الزمن الذي اختفى تدريجيًا "ترفٌ هو الحب/ الشهوة/ العائلة/ العمل/ صارت الحرب زمنًا"، وفي مكان آخر من القصيدة عينها، المعنونة بـ"المدينة برسم الخوف"، يكمل قائلًا: "صار الغد أمرًا محتملًا/ محض أخطاء في التوقيت".

تحضر الأمكنة كثيرًا من دون الإشارة إلى أسمائها، وتبنى على الخوف من أفعال القتل المستمرة بهدير أصوات الطائرات، والقذائف التي كانت الجدران تهتز عند إطلاقها، تحول الموت معها صدفًة يمكن أن يكون القناص مسببها، وألفة الشارع تبدّلت لهواجس تحمل أفكار متنوعة، وأحلام صارت بسيطة بحجم واحة من اليأس يختلط فيها شعور الشهوة، موسعًا معها ما حشته الذاكرة من تفاصيل كنا نلتفت مع أنفسنا إليها "في الليل متسعٌ لأكون/ الآن/ كأن قبله أو بعده/ فراغٌ في الزمن/ هنا/ في العتمة/ شاعرٌ وحيد/ لا يميزه عن الليل/ إلا حدسه فيه".

يحفر ديوان "تمارين على الجدوى" في أحلام بسيطة صارت بحجم واحة من اليأس

اقرأ/ي أيضًا: خمارة جبرا.. وحول القاع الدمشقي

وجاء القسم الثالث للفترة الزمنية في المجموعة بين عامي 2014-2015، ويلحظ المتلقي من عنوان قصيدتها الافتتاحية "مونولوج لخارجين عن دمشق"، أنها رحلة لاسترجاع ما كان حيًا في العاصمة التي تحولت مع مرور الوقت إلى موت بطيء، يعرف اصطياد من عاش/ أو يعيش فيها، مثل الذاكرة التي أصبحت مع أزقة العاصمة "بلادًا متعبة تقف بكل ما فيها/ لتأخذ مع ناسها صورة".

يكمل صاحب "التفاتة العابر في ظله" في نهاية المجموعة التقاطه لكافة التفاصيل الممكنة، ويتكئ على السرديات الشفوية، وما كانت تسجله العين هواجس داخلية للذات، متحولة في متاهتها الحياتية لجمود كامل "لا شيء يهتز، حتى الهواء"، الذي كان شاهدًا على موت اللاجئين غرقًا دون أن يروي الحكاية، وقد صار مثل "الموج/ من صفعة الغريق على وجه الماء/ يأتي".



اقرأ/ي أيضًا:

القصّة القصيرة.. سلطة الهامش

حسين الحاج.. الشعر كأشغال يدوية