19-يونيو-2023
رفائيل إنتوفن

الفيلسوف الفرنسي رفائيل إنتوفن

وأخيرًا اجتاز الإنسان امتحان البكالوريا في مادة الفلسفة منافسا الذّكاء الاصطناعي. لم يقبل رفائيل إنتوفن، الذي مثّل الإنسان في هذا الامتحان، لفظ "المنافسة". وقد برّر ذلك بأنّ الأمر، في نظره، لا يمكن أن يتعلّق بـ"منافسة". صحيح أنه، عندما كان الأمر يخص لعبة الشطرنج، فإن كاسباروف نافس الآلة، أما الفلسفة فلا يمكن أن تكون محل منافسة بين إنسان وآلة، لأنها، كما يقول، "ممارسة تتمّ أوّلًا وقبل كل شيء، عن طريق القلب". ربّما لن نفهم بسهولة ما يقصده الفيلسوف الفرنسي، ما لم نستحضر المقابلة بين السياق الديكارتي، وعبارة باسكال التي يقول فيها بـ"أن للقلب أسبابه وحججه التي لا يقوى عليها العقل". فالظاهر أن إنتوفن يقصد أساسًا أنّ الآلة لا تحس ولا تحدس. صحيح أنّها تتوفّر على فائض من المعلومات، "لكنّها لا تستطيع الحدس، وربط الأمر بهذا وليس بذاك". الظاهر أنه لأجل ذلك سمح الموضوع الذي طرح في هذا الامتحان للإنسان بالتفوّق، إذ إن ورقة شات جي بي تي لم تتجاوز11 من عشرين، في حين أن ورقة الإنسان نالت 20 من عشرين. وقد استغرق الفيلسوف في تحليل السؤال المطروح، والذي كان: "هل السعادة شأن عقلي؟" ساعة وربع الساعة، بينما لم يتجاوز شات جي بي تي الدقيقة والربع.

هناك غياب تامّ لطرح الإشكالية في ورقة شات جي بي تي، وجمله طويلة وفارغة شيئًا ما. كما أن هناك مبالغة في الاقتباسات، وعند الإحالة إلى مفكّرين، هناك ضعف عند شات جي بي تي، بل إنّ هناك كثيرًا من الأخطاء

صرّح المصحّحان أنّهما لم يستوعبا أدلة الذكاء الاصطناعي وحججه. فقالت الأستاذة المبرّزة: "لقد حدسنا لأوّل وهلة إلى "من" تعود كل ورقة، رغم حرص المنظّمين على حجب "اسمَي" المرشّحين، وإعادة كتابة الورقتين من طرف ناسخ". كما صرّح المصحّح الآخر، وهو أستاذ في التعليم الثانوي: "هناك غياب تامّ لطرح الإشكالية في ورقة شات جي بي تي، وجمله طويلة وفارغة شيئًا ما. كما أن هناك مبالغة في الاقتباسات، وعند الإحالة إلى مفكّرين، هناك ضعف عند شات جي بي تي، بل إنّ هناك كثيرًا من الأخطاء في تلك الإحالات. وعلى أيّ حال، فهذه ليست هي الفلسفة، إذ لا يكفي الربط بين عبارات جميلة. فما يكتبه الذكاء قد يأخذ مظهرًا منطقيًا، إلا أنه ليس منطقيًا على الإطلاق. والخلاصة أن ليس هناك فكر، هناك معلومات فقط".

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو: لو أنّ الأمر كان يتعلق بامتحان في مادة أخرى كمادة التاريخ أو الجغرافية الطبيعية، فهل كان الإنسان سيتفوّق بهذه الكيفية على الذّكاء الاصطناعي؟ ربما للإجابة عن هذا السؤال، ولإثبات خصوصية الموضوعات الفلسفية، لا بدّ أن نعود إلى الملاحظة التي أشار إليها المرشّح الفرنسي عندما أراد أن يفسّر ما يعنيه بأن "ممارسة الفلسفة تتمّ عن طريق القلب"، فقال: "إننا ينبغي أولًا أن نرغّب التلاميذ وأن نعوّدهم على حبّ الفلسفة". علاقة التلميذ بقضايا الفلسفة ينبغي أن تبنى على رغبة، وعلى فضول معرفي، على محبة، وقديمًا قيل، أن تبنى بهدف رفع الدهشة. وهذه أمور لن ترتقي إليها الآلة بطبيعة الحال.

إلاّ أنّ ما ينبغي أن نلحّ عليه هو الفاصل الزّمني الكبير بين المدّة التي استغرقها الإنسان، وتلك التي استغرقتها الآلة. الآلة استطاعت أن تفرغ ما في جعبتها دفعة واحدة ومن "غير رويّة". فكأنما كانت خاضعة لدفق المعلومات التي ما كان يمكنها أن تتباطأ وتتروّى، ولضغط يجعل المعلومات تتسابق للظهور دون أن تخلّف من ورائها شيئًا، أي من غير أن تنسى. ولعل هذه القدرة على النسيان هي التي تعوز الآلة كي ترتقي إلى مرتبة الإنسان الذي يملك أن يعزل ويميّز، وألاّ يستحضر كل شيء، مثلما يملك ألا يجيب إجابة وحيدة عن السؤال، بل حتى ألّا يجيب عن السؤال، فيكتفي بتحويله إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا وتركيبًا. فوحده الإنسان هو الذي يقدر على الفكر المركّب (Penser dans la complexité)، وعلى أن يبيّن أن الأمور ليست بالبساطة التي قد نتوهّمها.