ما باليد حيلة إلّا الاستسلام

ما باليد حيلة إلّا الاستسلام

مقطع من لوحة لـ رؤيا عيسى/ سوريا

أُسرتُه هي كل ما يملك في حياته. زوجة أيقن مع الزّمن أنّها لم تتخلّ عن طفولتها، وابنتان أنارتا حلكة لياليه. حرم نفسه أشياء كثيرة في سبيلهن.

كلّما تحدّث عنهنّ أشرق وجهه ولمعت عيناه، خاصة عندما يخبرني عن غِيرة زوجته التي كلّما حاولت أن تُخفيها باءت بالفشل. "إنّ بعض النِّساء يبقين طفلات مهما تقدّم بهن العمر"، هكذا قال لي ذات مرّة.

عمله في المختبر الطّبيّ يأخذُ كل وقته إلّا يوم الأحد فهو مقدّسٌ بالنسبة له، حيث يأخذهنّ إلى السّينما ثُمّ إلى الحديقة العامّة، ملِكة وأميرتان يُصبحنَ في ظلِّه.

كثيرًا ما كُنّا نلتقي وبعض الأصدقاء في المقهى، نحدث بعضنا عن تفاصيل حياتنا اليوميّة المملة، أمّا اليوم فكان وجهه شاحبًا ومصفرّا ليس كعادته. طوال الجلسة لم ينبس ببنت شفة، سوى بعض الحركات برأسه دليلًا على متابعته للأحداث. لكن أُجزم أنّه لم يسمع شيئًا. ارتابتني بعض الشّكوك مما أجبرني في طريق العودة أن أسأله عن سبب تغيّر حالته. صمت قليلا، تلعثم في الإجابة ثم سكت محاولًا رسم ابتسامة مزيّفة أراد بها دحض شكوكي.

واصلنا السّير وعندما اقتربنا من منزله تنهّد بشكلٍ اهتزّ له قفصُه الصّدريّ، وانتفخ كأنّه بالونٌ، ثم القى ما في جوفه.

ليته لم يجبني. "هل أعدتُ إشعال نارٍ خامدةٍ في جوفه؟ أم كانت الدمعة في عينيه قد قرّرت فضحه منتظرة فقط طيش سؤالي لتخرج". قِمّة الألمِ والاستسلام عندما يبكي الرّجل، لا لشيءٍ ولكن لقلّة حيلته، لظُروفٍ عاتيّةٍ تقسِمُ صموده وكفاحه إلى نصفين. اعتصر قلبي لرُؤية دموعه حتى بكيت معه. يحدُث أحيانًا أنّك لا تجِد إلّا دُموعك لتواسي بها من تُحب. شهقةٌ تعالت تدريجيًّا فيها كل معاني العجزِ، رجل وقفت كلماته بقلبك.

لا أعرف صراحته، شكواه، فضفضته ليلتها ما زِلتُ بعد أسبوعين أعيش معها، وذلك القهر يُؤرقني ويُذهب عنّي نوم ليلِي. كُلّ يومٍ تراه يأخذ تحاليل المرضى ويواسيهم. سُحقًا لسخافة القدر اليوم؛ ها هو يأخذ تحاليل زوجته. تلك الملكة التي حدّثني عنها في لحظات نشوته. صرّح لي تلك الليلة مقهورًا خبر إصابتها بسرطان الثّدي في المرحلة الثانية.

بدا الأمر اعتياديًا بِحُكم عمله لسنواتٍ في المخبر وتعرضّه اليوميّ لمثل هذه الحالات. لكن عندما تُبتلى في أقربِ النّاس إليك تُنعدم الاعتيادية، ويتجلّى الضّعف خاصة وأنّ الورم اجتاز المرحلة الأولى. الغريب في الأمر أنّها كانت تعلم به. لم تصرّح لزوجها عن أمرِه خوفًا عليه من مصاريف العلاج، فهو لا يتحمّل ثِقلًا آخر فوق تعب يومه وحبًّا له كانت تتحمّل هي الآلام، إلى أن أحسّ هو بتدهور صحّتها وكانت الفاجعة.

ما باليد حيلةٌ وقتها إلّا الاستسلام لحصص العلاج الكيميائيّ لكي تمتصّ ما تبقى من قوتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قشرة بصل

تيهٌ مُعلقٌ على جدران الغفلة