26-مايو-2016

(Getty)

في مقالٍ بصحيفة نيويورك تايمز، تشرح ساندرا آموت، عالمة الأعصاب الأمريكية ومؤلفة كتاب "لماذا تجعلنا الحميات الغذائية سمانًا: العواقب غير المقصودة لهوسنا بفقدان الوزن"، الأسباب التي تجعل فقدان الوزن عن طريق اتباع حميةٍ غذائية غير مستدام والحل لمواجهة ذلك.

مقارنة بالذين يتبعون دومًا حمية غذائية، فإن الأشخاص الذين يأكلون عندما يكونون جائعين ويتوقفون عندما يشبعون هم أقل عرضة لأن يصبحوا زائدي الوزن

في بداية المقال تشير الكاتبة إلى أنه بعد ست سنوات من فقدان الوزن بمتوسط 59 كيلوجرامًا، وجدت دراسة صدرت مؤخرًا أن المشاركين بالبرنامج التليفزيوني الأمريكي "الخاسر الأكبر The Biggest Loser" يحرقون سعراتٍ حرارية أقل بمعدل 500 سعر حراري يوميًا مقارنةً بالأشخاص من نفس العمر والحجم، وهو ما جعلهم يستعيدون 70 بالمائة من الوزن الذي فقدوه منذ انتهاء البرنامج. كان رد فعل صناعة الحميات الغذائية دفاعيًا مجادلين بأن المشاركين إما خسروا الوزن بسرعة شديدة أو أنهم يأكلون الأنواع الخطأ من الطعام – أن الحميات الغذائية ناجحة، إذا اخترت الحمية الصحيحة.

تضيف الكاتبة أن هذه الدراسة ليست سوى المثال الأخير الذي يظهر أن الحميات الغذائية نادرًا ما تكون فعالة على المدى الطويل وأنها لا تؤدي إلى تحسن الصحة بالضرورة وتضر أكثر مما تنفع.

جذور المشكلة

تقول آموت إن جذور المشكلة لا تكمن في قوة الإرادة، وإنما في علم الأعصاب. إخماد الأيض هو أحد الأدوات القوية المهمة التي يستعملها المخ للإبقاء على الجسم داخل مدى وزن معين، يدعى نقطة الضبط Set Point. ذلك المدى، والذي يختلف من شخصٍ إلى آخر، تحدده الجينات والخبرات الحياتية. عندما ينخفض وزن من يتبعون حميةً غذائية إلى مستوىً أقل منه فإنهم لا يحرقون فقط كميةً أقل من السعرات الحرارية وإنما يجدون تناول الطعام أكثر جاذبية.

يعتبر نظام تنظيم الوزن بالمخ نقطة الضبط لما هو الوزن الصحيح بالنسبة لك، سواء وافق طبيبك الخاص أم لا. إذا بدأ شخصٌ ما بوزن 54 كيلوجرامًا وأنقصه حتى وصل إلى 36، فإن المخ يعلن حالة جوع طارئة، مستخدمًا جميع السبل المتاحة لاستعادة الوزن إلى مستواه الطبيعي. يحدث نفس الشيء لشخصٍ يبدأ بوزن 136 كيلوجرامًا ويستخدم حمية غذائية حتى يصل إلى وزن 90، وهو ما اكتشفه المشاركون ببرنامج الخاسر الأكبر.

تلك الاستجابة المنسقة للمخ هي سبب رئيسي لكون متبعي الحميات الغذائية يجدون فقدان الوزن والحفاظ عليه أمرًا شديد الصعوبة. على سبيل المثال، فرصة الرجال المصابين بالسمنة المفرطة في الوصول إلى الوزن الطبيعي خلال سنة هي 1 في 1,290؛ بينما فرصة النساء المصابين هي 1 في 677. غالبًا ما ينتهي الأمر بهؤلاء الذين يتغلبون على الصعاب باستعادة وزنهم خلال السنوات الخمس التالية. في الغرف المغلقة، حتى صناعة الحميات الغذائية تدرك أن فقدان الوزن نادرًا ما يكون مستدامًا. وجد تقرير لأعضاءٍ من الصناعة أنه "في عام 2002، جرّب 231 مليون أوروبي نوعًا من أنواع الحميات الغذائية. من بين هؤلاء نجح 1 في المائة فقط في تحقيق فقدان وزن دائم".

ليست المشكلة في حمية الخاسر الأكبر بحد ذاتها، حيث وجدت دراسة سابقة إخماد أيض مماثل لدى الأشخاص الذين فقدوًا وزنًا وحافظوا على ذلك الفقد لما يصل إلى ست سنوات. سواء تم فقدان الوزن سريعًا أو ببطء فإن ذلك ليس له تأثير على استعادة الوزن لاحقًا. بالمثل، ورغم الجدل الذي لا ينتهي بشأن القيمة النسبية للمقاربتين المختلفتين، فإن الحميات الغذائية التي توفر نفس كمية السعرات الحرارية من خلال أنواع مختلفة من الطعام تؤدي إلى فقدانٍ واستعادةٍ للوزن مماثلتين.

يجادل بعض الخبراء بأن الأمر لا يتعلق بأن اتباع حمية غذائية يقود إلى زيادة الوزن على المدى الطويل، وإنما تتخذ العلاقة اتجاهًا معاكسًا: الأشخاص المعرضون جينيًا لفقدان الوزن تزيد احتمالية اتباعهم حمية غذائية. لاختبار تلك الفكرة، قام الباحثون في دراسةً صدرت عام 2012 بمتابعة 4,000 توأم تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عامًا. كانت احتمالية زيادة الوزن لدى الذين يتبعون حمياتٍ غذائية أعلى من توائمهم المتماثلة الذين لا يفعلون، ما يشير إلى أن اتباع حمية غذائية يؤدي بالفعل إلى زيادة الوزن حتى بعد أخذ الخلفية الجينية في الاعتبار. كان الفرق في زيادة الوزن أكبر في التوائم غير المتماثلة، لذا فقد يكون لدى الذين يتبعون حمية غذائية أيضًا ميل جيني أكبر إلى اكتساب الوزن. وجدت الدراسة أن حمية غذائية واحدة زادت من احتمالية زيادة الوزن بمعدل الضعف في الرجال وضعفين في النساء. زادت احتمالية زيادة وزن النساء الذين اتبعوا حميتين أو أكثر خلال مدى الدراسة بمعدل خمسة أضعاف.

يمكن اختبار العلاقة السببية بين الحميات الغذائية وزيادة الوزن أيضًا من خلال دراسة الأشخاص الذين لديهم محفزات خارجية تدفعهم لفقدان الوزن. يفترض أن الملاكمين والمصارعين الذين يتبعون حمياتٍ غذائية للتأهل إلى فئات الوزن المختلفة الخاصة بهم ليس لديهم ميل وراثي نحو السمنة. لكن دراسةً صدرت عام 2006 وجدت أن احتمالية زيادة وزن نخبة الرياضيين الذين كانوا يلعبون لصالح فنلندا في مثل هذه الرياضات المراعية للوزن بحلول الستين من العمر كانت أكبر من أقرانهم الذين كانوا ينافسون في رياضاتٍ أخرى.

لاختبار هذه الفكرة على نحوٍ صارم، يمكن للعلماء أن يوجهوا عشوائيًا أشخاصًا للقلق بشأن وزنهم، لكن من الصعب تحقيق ذلك. لكن أحد البرامج قام باتباع نهجٍٍ معاكس، حيث ساعد المراهقات اللاتي كن غير سعيدات بأجسادهن كي يصبحوا أقل قلقًا بشأن وزنهم. في تجربةٍ معشاة، ساعد eBody Project، وهو برنامج على الإنترنت لمكافحة اضطرابات الأكل عبر تخفيض رغبة الفتيات في أن تصبحن نحافًا، في اتباع حمياتٍ غذائية أقل كما منع زيادة الوزن مستقبلًا. شهدت الفتيات اللاتي شاركن في البرنامج ثبات وزنهن طوال العامين التاليين، بينما زاد وزن قريناتهن بدون التدخل كيلوجرامًا أو أكثر.

لماذا يقود اتباع حمية غذائية إلى زيادة الوزن؟ أولًا، يسبب اتباع حمية غذائية ضغطًا عصبيًا. تنتج القيود على السعرات الحرارية هرمونات ضغط، والتي تعمل على خلايا الدهون لزيادة كمية دهون البطن. ترتبط هذه الدهون بمشكلاتٍ صحية مثل داء السكري وأمراض القلب، بغض النظر عن الوزن الكلي.

ثانيًا، يتنبأ القلق بشأن الوزن والحمية الغذائية بشراهة الأكل لاحقًا، جنبًا إلى جنب مع زيادة الوزن. كانت احتمالية زيادة وزن الفتيات اللاتي اعتبرن أنفسهن متبعاتٍ لحمية غذائية في أوائل المراهقة أكبر بثلاثة أضعاف على مدى السنوات الأربع التالية. وجدت دراسة أخرى أن احتمالية أن تصبح الفتيات المراهقات اللاتي اتبعن حميةً غذائية شرهات تزيد بمقدار 12 ضعفًا عن اللاتي لم يتبعن حميةً غذائية.

يأتي أغلب ما نفهمه عن ضبط الوزن من الدراسات على القوارض، التي تماثل عاداتها الغذائية عاداتنا. تستمتع الفئران بنفس المجموعة الواسعة من الأطعمة التي نستمتع بها. عندما يكون الطعام اللذيذ وفيرًا، تكتسب الفئران كمياتٍ مختلفة من الوزن، وللجينات التي تؤثر على الوزن في البشر تأثيراتٍ مماثلة في الفئران. تحت الضغط العصبي، تأكل الفئران المزيد من الأطعمة الحلوة والدسمة. ومثلنا، أصبحت القوارض المعملية والبرية أكثر سمنة على مدار العقود القليلة الماضية.

اقرأ/ي أيضًا: هل عليك التوقف عن تناول الغلوتين؟

يساعد الأكل بوعي الأشخاص الذين لديهم أحد اضطرابات الأكل مثل اضطراب الشراهة في تعلم الأكل بشكل طبيعي

في المعمل، تتعلم القوارض الشراهة عندما يحدث تبادل للحرمان من الطعام مع الطعام اللذيذ – وهو موقف مألوف للكثير من متبعي الحميات الغذائية. تصبح الفئران شرهة بعد عدة أسابيع تتكون من خمسة أيام من تقييد الطعام يعقبها يومين من حرية الوصول لقطع الأوريو. بعد أربعة أيام، يقودها عامل ضاغط (مادة كيميائية تسبب ضغطًا عصبيًا) تتعرض له لفترةٍ وجيزة إلى تناول ضعف كمية قطع الأوريو التي تتناولها الحيوانات التي تلقت عامل الضغط لكن لم يتم تقييد تناولها للطعام. تستطيع كمية صغيرة من قطع الأورويو تحفيز الحيوانات التي تم حرمانها من الطعام أن تكون شرهة للطعام العادي إذا لم يكن هناك شيء آخر متاح. يغير الحرمان المتكرر من الطعام الدوبامين والناقلات العصبية في الدماغ التي تتحكم في استجابة الحيوانات للمحفزات، ما يزيد من حماسها في البحث عن الطعام وتناوله. قد يشرح هذا لماذا تصبح الحيوانات شرهة، خاصةً أن هذه التغيرات في الدماغ يمكنها أن تستمر بعد وقتٍ طويل من انتهاء الحمية الغذائية.

في البشر، يقلل اتباع حمية غذائي تأثير نظام ضبط الوزن بالدماغ عبر تعليمنا الاعتماد على القواعد بدلًا من الجوع للسيطرة على الأكل. يصبح الأشخاص الذين يأكلون بتلك الطريقة أكثر عرضة للمنبهات الخارجية التي تخبرهم ماذا يأكلون. في البيئة الحديثة، اخترعت الكثير من هذه المنبهات من قِبل المسوقين لجعلنا نأكل أكثر، مثل الإعلانات والبوفيه المفتوح. تظهر الدراسات أن متبعي الحميات الغذائية لوقتٍ طويل أكثر ميلًا لتناول الطعام لأسبابٍ عاطفية أو لمجرد توافر الطعام. عندما يستهلك متبعو الحميات الغذائية الذين تجاهلوا جوعهم طويلًا قوة إرادتهم في النهاية فإنهم يميلون إلى الإكثار من الطعام ما يقود إلى زيادة الوزن.

حتى الأشخاص الذين يفهمون صعوبة فقدان الوزن على المدى الطويل يتجهون عادةً إلى اتباع حمية غذائية بسبب قلقهم من المشاكل الصحية المصاحبة للسمنة مثل أمراض القلب وداء السكري. لكن رؤية ثقافتنا للسمنة باعتبارها مميتة على نحوٍ فريد خاطئة. انخفاض اللياقة البدنية والتدخين وارتفاع ضغط الدم وانخفاض الدخل والوحدة جميعها مؤشراتٍ أفضل للموت المبكر من السمنة. ممارسة الرياضة مهمة على نحوٍ خاص: أظهرت نتائج دراسة أجريت عام 2009 أن انخفاض اللياقة البدنية مسؤول عن 16 إلى 17 بالمائة من الوفيات في الولايات المتحدة، بينما السمنة مسؤولة عن ما يتراوح بين 2 إلى 3 بالمائة فقط، بعد استبعاد عامل اللياقة البدنية. تقلل ممارسة الرياضة دهون البطن وتحسن الصحة، حتى بدون فقدان الوزن. يشير هذا إلى أنه ينبغي على الأشخاص زائدي الوزن التركيز أكثر على ممارسة الرياضة من تقييد السعرات الحرارية.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأدلة على أن اتباع حمية غذائية يحسن الصحة ضعيفة للغاية. جزء من المشكلة هو أن لا أحد يعلم كيفية جعل مجموعة أكبر من الأشخاص تحافظ على فقدان الوزن لسنوات. الدراسات القليلة التي تمكنت من تجاوز تلك العقبة ليست مشجعة. في دراسةٍ أجريت عام 2013 على الأشخاص زائدي الوزن والمصابين بالسمنة الذين لديهم داء السكري، حافظ متبعو الحميات الغذائية على فقدان وزنٍ بنسبة 6% في المتوسط لما يزيد على تسع سنوات، لكنهم كان لديهم عددًا مماثلًا لمجموعة التحكم من النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفيات نتيجة المرض خلال ذلك الوقت. في وقتٍ سابق من هذا العام، وجد الباحثون أن فقدان الوزن المتعمد ليس له تأثير على معدل وفيات مرضى السكري الذين تم متابعتهم طوال 19 عامًا.

عادةً ما تحسن الحميات الغذائية المؤشرات الصحية مثل الكوليسترول وسكر الدم وغيرها على المدى القصير، لكن تلك المكتسبات قد تنتج من تغيراتٍ في السلوك مثل ممارسة الرياضة وتناول المزيد من الخضراوات. لا تزيد احتمالية الموت المبكر للأشخاص الذين يعانون السمنة لكنهم يمارسون الرياضة ويأكلون ما يكفي من الخضراوات ولا يدخنون عن أصحاب الوزن الطبيعي الذين يمارسون نفس العادات. وجد تحليل تلوي (تحليل يقوم بجمع نتائج عدة دراسات) صدر عام 2013 أن التحسنات الصحية لدى الذين يتبعون الحميات الغذائية ليس لها علاقة بمقدار الوزن الذي يخسروه.

الحل؟

إذا كانت اتباع حمية غذائية ليس وسيلةً ناجحة، فما الذي يجب فعله كبديل؟ توصي آموت بالأكل بوعي Mindful Eating، أي الانتباه لإشارات الجوع والشبع، دون إصدار أحكام، لإعادة تعلم كيفية الأكل حسبما يأمر نظام ضبط الوزن بالدماغ.

وتتابع أنه مقارنةً بالذين يدامون على اتباع حميةٍ غذائية فإن الأشخاص الذين يأكلون عندما يكونون جائعين ويتوقفون عندما يشبعون هم أقل عرضة لأن يصبحوا زائدي الوزن، كما يحافظون على أوزانٍ أكثر استقرارًا بمرور الوقت ويقضون وقتًا أقل في التفكير بشأن الطعام. أيضًا يساعد الأكل بوعي الأشخاص الذين لديهم أحد اضطرابات الأكل مثل اضطراب الشراهة في تعلم الأكل بشكل طبيعي. حسب نقطة الضبط الخاصة بكل فرد، ربما يؤدي الأكل بوعي إلى فقدان الوزن وربما لا يفعل، لكنه في الحالتين أداةً مهمة للحفاظ على استقرار الوزن دون الحرمان من الطعام.

اقرأ/ي أيضًا: 

6 عادات للأشخاص السعيدين

8 عادات سيئة تقتل الزواج