لماذا أدانت ألمانيا الحركة الدولية لمقاطعة إسرائيل

لماذا أدانت ألمانيا الحركة الدولية لمقاطعة إسرائيل "BDS"؟

تشهد دول أوروبية عديدة مساعيًا لإدانة "بي دي أس" (الأناضول)

تتتابع الخطوات التي تتخذها دول غربية، في الهجوم على حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل، سواء من خلال حظر نشاطاتها أو ملاحقتها قانونيًا، وإلقاء تهم من قبيل معاداة السامية عليها. في هذا المقال المترجم عن موقع "ميديل إيست آي" البريطاني، تقدم ندى إيليا مجموعة من التفسيرات التي يمكن من خلالها فهم الخطوة الألمانية الأخيرة في هذا المسار.


في 17 أيار/مايو، وفي تحرك خفي فاجأ العديد من المراقبين، مرر البرلمان الألماني البوندستاغ، قرارًا بإدانة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل BDS، باعتبارها حركة معادية للسامية. 

حتى لو أصبحت حركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات على إسرائيل غير قانونية، وجرمت، لن تنتفي بذلك أخلاقيتها. فعندما يتخذ القانون جانب المستبد، يصبح لمن يقاومونه ويسعون لتغييره اليد الأخلاقية العليا

نال القرار غير الملزم الذي اقترحه حزب يمين الوسط، الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم، تأييد أحزاب ألمانية عدة من بينها الليبراليون وحزب الخضر. وقدم حزب أقصى اليمين، حزب البديل من أجل ألمانيا AfD اقتراحه الخاص ودعا لفرض حظر كامل على حركة BDS، في حين لم يدعم الحزب اليساري الألماني Die Linke، قرار الحكومة، مقدمًا اقتراحه الخاص بإدانة أي تصريح معاد للسامية يصدر من الحركة.

اقرأ/ي أيضًا: دماء "الهنود الحمر" من أجل غسل ذنوب إسرائيل

تفسير مقنع

لم يمض وقت طويل على القرار، حتى بدأت مقالات مثيرة للقلق بالظهور، بعضها يدعي أن ألمانيا هي "أول دولة في العالم تجرم حركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات". وفي هذا السياق، جاءت افتتاحية مقابلة أجريت مع عالم الاقتصاد السياسي شير هيفر لتقول: "مرر البرلمان الألماني، البوندستاغ، قرارًا تشريعيًا غير مسبوق، يدين حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات المعروفة بـ BDS. فقد عدت الحركة معادية للسامية وغير قانونية. مما يجعل ألمانيا أول دولة في العالم تجرم حركة BDS".

يقدم هيفر تفسيرًا مثيرًا (وإن لم يكن مقنعًا) لإدانة ألمانيا للحركة. يذّكر بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد مرتين سابقًا على أن الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، كان أول من اقترح فكرة إبادة اليهود، وليس هتلر. ويرى هيفر بأن نتنياهو كان يمنح بذلك ألمانيا مهربًا من شعورها بالذنب إزاء الهولوكوست.

يشرح قائلًا: "بدلًا من الشعور بالذنب عن الهولوكوست وبدلًا من الشعور بالحاجة للاعتذار وتحمل المسؤولية عن تلك الجرائم التي ارتكبت قبل أعوام كثيرة، بإمكانهم في الحقيقة أن يلقوا بالذنب على كاهل الفلسطينيين. وبالطبع هذه رسالة موجهة لليمين في ألمانيا. لكن من الواضح أن اليسار، أو قطاعات من اليسار، أعربت عن رغبتها في تخليص نفسها من ذنب الهولوكوست عبر اتهام حركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات، وهي حركة فلسطينية خالصة، بمعاداة السامية، وهي ليست معادية للسامية بالطبع. لكن بفعلهم ذلك، فهم يقولون عمليًا إننا نحارب معاداة السامية عبر دعم إسرائيل، دولة إسرائيل، بدلًا من تحمل مسؤولية الدفاع عن اليهود". ووفقًا لهيفر فإن الهرولة نحو تجريم  الحركة نابعة من الرغبة في التخلص من عبء الذنب تجاه الهولوكوست.

اليسار الألماني

يقدم روني باركان وهو ناشط يساري مقيم في برلين، يعارض إسرائيل ويدعم حركة BDS، تفسيرًا أكثر إقناعًا، حول سبب دعم قطاعات من اليسار الألماني للتشريع المعادي للحركة، عبر وصفه لهذا القانون بأنه عنصري.

يشبه باركان التشريع الألماني المعادي لحركة المقاطعة بقانون الدولة القومية الإسرائيلي. فقانون الدولة القومية هو مجرد تقنين للعنصرية الإسرائيلية الكامنة، دون تغيير أي شيء فيها. فحقيقة أنها صيغت أخيرًا في كلمات بسيطة مجردة من اللغة الأورويلية الصهيو-ليبرالية، أيقظت آخر المؤمنين "بديمقراطية إسرائيل" من أوهامهم.

على نفس المنوال، يرى باركان، أن القرار الألماني المعادي لحركة BDS، لا يعدو أن يرفع الغطاء عن  الطبيعة الحقيقية للشعب الألماني، الذي ما زالت العنصرية تتجذر فيه عميقًا. مع ذلك فإن غضب باركان موجه نحو اليسار الألماني تحديدًا، ويتهمه بالتورط عميقًا في إخراس أية معارضة أو دفاع عن حقوق الفلسطينيين.

بالفعل، لاحظ في مقال نشر على جاكوبين قبل سنوات قليلة بعنوان "اليسار الألماني والمشكلة الفلسطينية"، إقلاع مجموعات من اليسار الأوروبي عن دعم فلسطين. نوه المقال إلى أن أحد الأمثلة على الخيانات العديدة لليسار، هو إلقاء رئيس حزب اليسار في برلين كلاوس ليدرر، كلمة في تجمع مؤيد لإسرائيل خلال الحرب على غزة عام 2008-2009.

لم يكن هذا حدثًا منعزلًا.  فمن منصبه كنائب ثقافي، سعى ليدرر أيضًا لإلغاء فعاليات مؤيدة لفلسطين، مثل فعالية كان من المقرر إقامتها العام الماضي بعنوان "تحدث مع منال تميمي" التي نظمتها مجموعة "نساء تحت الاحتلال".

واجه باركان إلى جانب ستافيت سينا وماجد أبو سلامة، وهم أعضاء "هومبولت 3"، تهمة تعطيل خطاب في جامعة هومبولت يلقيه عضو في الكنيست الإسرائيلي داعم لهجوم إسرائيل على غزة عام 2014.   

قال أبو سلامة في مرافعته في المحكمة "لا يشعر آلاف من المسلمين والفلسطينيين في ألمانيا بالأمان للتعبير عن آرائهم. يشعرون أنهم قد يتعرضون للمحاكمة في أي وقت، لمجرد هتافهم بتحرير فلسطين، أو حلمهم بالعودة إلى وطنهم، وفقًا لحقهم في العودة المعترف به من قبل الأمم المتحدة. يخشون من المحاكمة إذا طالبوا بالمساواة والكرامة والحرية والعدالة في غزة".

مواجهة الأكاذيب

مهما كانت الأسباب المعقدة التي دفعت اليسار بعيدًا عن الدعم الشعبي لحقوق الفلسطينيين، هناك بعض الأكاذيب المحيطة بهذا القرار الأخير يجب تفنيدها. أولًا كما أفاد موقع Middle East Eye فإن هذا القرار غير ملزم، أي أنه قرار رمزي محض. 

بعبارة أخرى، لم تجرم ألمانيا حركة BDS، بل مررت قرارًا يدين (زورًا) معاداتها للسامية. ثانيًا، القرار لم يكن الأول من نوعه، بل نحا نحو قرارات مشابهة صدرت سابقًا في فرنسا وإنجلترا. 

في 2015، غرمت فرنسا مجموعة من نشطاء BDS، مبلغ 14500 دولار بالإضافة إلى تكاليف المحاكمة، لترويجهم للحركة في أحد المتاجر، بحجة أن حركة BDS في جوهرها تمارس "الإقصاء" على أساس قومي، لذا يعد الترويج لها جريمة في حد ذاته.

وفي 2016، مررت إنجلترا تشريعًا يحظر الكيانات العامة التي تقاطع المنتجات الإسرائيلية. أي أن الحركة  لم تجرم، حتى الآن، إلا في فرنسا، حيث فرضت غرامات على النشطاء.

لكن على الرغم من وصم النظام القضائي الفرنسي للحركة بأنها إقصائية في جوهرها، يجب أن نفهم، كما ذكرت الحركة الناس مؤخرًا أن "حملة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات تستهدف من تورطوا في الجرائم ولا تختار أهدافها على أساس الهوية".

والدليل على ذلك أن العديد من الشركات المستهدفة مثل Caterpillar وHP وG4S ليست إسرائيلية بالأساس.

في الولايات المتحدة، قوبلت كل محاولة لفرض حظر من الدولة على حركة BDS بالمجابهة القضائية، وكما وصف مقال في جريدة واشنطن بوست الأمر بدقة "فإن القوانين المعادية لحركة BDS قد تحظى بالشعبية، لكن لا يعني هذا أنها دستورية".

آخر الأمثلة على هذه المجابهات القانونية الناجحة لحظر الحركة من قبل الدولة، شهدته مدينة بفلوغرفيل في تكساس، حيث أقامت المعلمة باهيا أماوي دعوى قضائية ضد الإدارة التعليمية بالمقاطعة، لعدم تجديد عقدها، عندما رفضت التوقيع على بند ينص على أنها لن تنخرط في حركة BDS.

في نيسان/أبريل من هذا العام، حققت أماوي نصرًا مهمًا في المحكمة عندما أصدر القاضي أمراً قضائيًا ضد قانون حظر BDS الذي يجردها من حقوقها المدنية ومن وظيفتها.   

أهداف حركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات

ومع ذلك، ونحن نتوقع اليوم مناقشة وتمرير قوانين معادية لحركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات في دول أوروبية وشمال أمريكية عدة (أدانت الحكومة الكندية كذلك حركة BDS) هناك بعض النقاط التي تستحق التكرار والتوضيح.

أهداف الحركة بالتحديد هي: إنهاء الاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية، وتفكيك جدار الفصل العنصري، ومنح المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل حقوقًا متساوية، والاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين.

مما يعني أن الادعاء بأن حركة BDS معادية للسامية، يساوي الادعاء بأن السامية (وهي فنيًا عائلة لغوية تتشاركها العديد من الأمم والأعراق، لكن لغرض المقال فلنعتبرها عرقًا) هي في الحقيقة مجموعة عرقية من المستوطنين الكولونياليين الذين يؤمنون بتفوقهم ويخرقون القانون الدولي.

ومن الواضح أن منطق هذا الادعاء معيب على مستويات عدة.

أما فيما يخص الادعاء بأن حركة BDS تحاول نزع الشرعية عن إسرائيل، عبر إجبارها على الخضوع للعدالة الدولية، على المرء أن يسأل نفسه، لمَ قد تشعر دولة بالتهديد من مطالبتها باحترام حقوق الإنسان.

فالعدالة لا تمثل تهديدًا إلا للظلم. إذا شعرت إسرائيل بالتهديد وانتفاء شرعيتها إذا طولبت بالامتثال للقانون الدولي، وهو ما تحاول الحركة تحقيقه، يعني ذلك أن تلك الدولة تخرق القانون الدولي خرقًا فاضحًا.

اقرأ/ي أيضًا: "قاطعوا اليوروفيجن".. فنّانو العالم في وجه إسرائيل

في النهاية، سواء جرمت الحركة أو لم تجرم، فإن قانونية أي حركة أو أيديولوجيا أو سياسة أو ممارسة ليست دليلًا على صوابها الأخلاقي. فقد كان الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قانونًا ساريًا حتى إلغائه.

الادعاء بأن حركة BDS معادية للسامية، يساوي الادعاء بأن السامية مجموعة عرقية من المستوطنين الكولونياليين الذين يؤمنون بتفوقهم ويخرقون القانون الدولي

وكذلك كانت العبودية. وبالعودة إلى السياق الألماني، فقد كان الهولوكوست قانونيًا كذلك. وحتى لو أصبحت حركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات غير قانونية، وجرمت، لن تنتفي بذلك أخلاقيتها. فعندما يتخذ القانون جانب المستبد، يصبح لمن يقاومونه ويسعون لتغييره اليد الأخلاقية العليا.