لا تسرع فـ

لا تسرع فـ"القضاء العسكري" أسرع!

لم تعتد السلطة مواجهة حراك بلا طوائف (رتيب الصفدي/الأناضول/Getty)

"السرعة تقتل" يقول أحد إعلانات التوعية من مخاطر قيادة السيارة بسرعة. السرعة أيضًا قد تخضعك للمحاكمة العسكرية في لبنان، كيف؟ هنا المتعة. في لبنان قضاء عسكري وقضاء مدني، وبخلاف الأعراف والقوانين الطبيعية، لا تعنى المحكمة العسكرية بمحاكمة العسكريين فحسب. لنفترض أن مدنيًا لبنانيًا، سيئ الحظ تخطى السرعة المفروضة بحسب قوانين السير، وشاءت الصدفة التعيسة أن ارتطمت عجلة السيارة بحفرة مفاجأة لعينة هي أيضًا، نظرًا لتخلف إحدى البلديات عن تزفيتها لعدم وجود مواسم انتخابية تفرض ذلك. وشاءت الصدف أيضًا أنها في المكان الذي فقد هذا المدني اللبناني السيطرة على قيادة السيارة، وجد حاجز عسكري لبناني وارتطم به. الحادثة هذه تحديدًا قد تضع هذا المدني تحت المحاكمة العسكرية بتهمة الاعتداء على القوى الأمنية.

في التظاهرات الأخيرة التي يشهدها لبنان أخيرًا ألقي القبض على عدد من المتظاهرين، وأحيلت قضيتهم إلى القضاء العسكري، التهم التي وجهت إليهم تتراوح بين الاعتداء على القوى الأمنية لتصل إلى حد شتم هذه القوى. يا لطيف.

 يبدو أن السلطة من مناصري "ايتكيت التظاهر". والمحاكم العسكرية هذه يترأسها ضباط عسكريون، قد لا يفقهون شيئًا في القانون سواء المدني أو العسكري. والأحكام التي سيصدرونها لا تخضع للتعليل، أي أن جناب القاضي أو حضرة الضابط غير ملزمين بتفسير الأسباب التي دفعت بهم إلى الوصول للأحكام التي اتخذوها. في لبنان أيضًا من يمكن أن يختطف على أيدي عناصر أمنية بلباس مدنية يطلق عليهم هنا اسم "تحري". هذا الكائن اللطيف هو عنصر أمني مموه أي لا يضطر إلى ارتداء زي عسكري يكشف صفته الأمنية، وباستطاعته اقتياد أي مواطن مدني، واعتقاله من دون حاجة التعريف عن نفسه. ولنفترض أيضًا أن مدنيًا اعتقد أن هذا الكائن الظريف ما هو إلا مجرد لص أو بلطجي يحاول الاعتداء عليه وحاول الدفاع عن نفسه، فمن الممكن إحالته إلى القضاء العسكري بتهمة التعرض للقوى الأمنية.

اقرأ/ي أيضًا:  لبنان.. دولة بوليسية تحت الطبع

على أن أعجوبة الأنظمة القضائية في لبنان لا تختصر فحسب بقضاء عسكري يجوز له محاكمة مدنيين. في الآونة الأخيرة وضمن سلسلة التظاهرات التي تجتاح البلاد أقدم أحد قيادات الحراك المدني ويدعى أسعد ذبيان على رش حائط أسمنتي تابع لوزارة الداخلية بشعار الحملة التي ينتمي إليها. اعتقل ذبيان على الفور على أيدي عناصر أمنية ببزات عسكرية وعناصر أمنية بلباس مدني. أما التهمة التي وجهت إليه فهي تحقير العلم اللبناني، لماذا؟ لأن الجدار الإسمنتي الذي يقطع نصف الطريق المحاذية للوزارة والذي يتسبب بزحمة خانقة اختير له ديكور تجميلي مبدع تمثل بطلائه بالعلم اللبناني.

تحاول السلطة منذ انطلاق الحراك المدني تطويع الحراك واحتوائه بكافة السبل

اتهم ذبيان بتحقير علم تتوسطه أرزة تبقى منها فقط 12 في المئة في لبنان، فرمز العلم والوطن أيضاً أي الأرزة باتت فحمًا للنراجيل في المقاهي وتسخدم للشواء أيضًا في حال تعذر فحم السنديان.على هذا المنوال قد تصل السلطة إلى حد تجريم كل "مأرجل" أو ذويق لحم بتحقير العلم. لكم في في التهمة الموجهة لذبيان، وإحالة ملف المعتقلين الآخرين إلى القضاء العسكري، ما هو أبعد من مجرد تهم قضائية.
هكذا، تحاول السلطة منذ انطلاق الحراك المدني، تطويع الحراك واحتوائه بكافة السبل، فبعد أن سارعت معظم القيادات التقليدية بالترحيب به والتضامن معه، في محاولة لنسفه قبل أن ينطلق، عادت لتستخدم كافة الوسائل المتوفرة لقمعه بعد أن عجزت عن احتوائه.

قمع المتظاهرين في الشوارع على يد القوى الأمنية الرسمية، فتحت عليهم خراطيم المياه، وانهالت عليهم أعقاب البنادق والهروات، وضُربوا بالقنابل المسيلة للدموع وبالرصاص المطاطي واستمر الحراك. أرسل للمتظاهرين شبيحة وبلطجية بعد أن تجرأ بعض المتظاهرين على المسّ بإله سياسي يدعى نبيه بري (رئيس البرلمان اللبناني منذ أكثر من عشرين عامًا)، واستمر الحراك. باتت السلطة مضطرة إلى اللجوء إلى كافة الوسائل المتوفرة بيدها. القضاء كان إحدى هذه الوسائل.

بات لكل متظاهر دعوى قضائية تفصّل على قياسه. وفي غمرة الدعاوى المنهالة على عدد من رموز الحراك، صدر حكم قضائي بحق الصحافي محمد نزال بسجنه ستة أشهر عقابًا لتعليق كتبه على صفحته الشخصية على فايسبوك. كانت الرسالة واضحة، القمع بالقانون وحسب المسار القضائي المتبع. سلوك "حضاري" وكأن القضاء منزّه، ولا يعد جزءًا من منظومة الفساد الحاكمة في البلاد، بات القضاء مشرعًا لهذا النظام ويؤمن له الشرعية القانونية بدلًا من تأمينها للمواطنين.

على أن الأحداث المتسارعة لا تقود إلا إلى خلاصة واحدة. السلطة فقدت صوابها. وباتت تستخدم كافة الوسائل المتاحة من القمع عبر مؤسساتها إلى القمع بواسطة أزلامها وبلطجيتهم وصولًا إلى القمع بقضائها. لكن جنون السلطة لا يعني بالضرورة تهديدًا لها أو مؤشرًا لتفككها كما يتوهم البعض. لكن تفكيك الصورة نفسها، لسلطة لم تواجه يومًا احتجاجًا بلا رأس وبلا حزب وبلا طائفة وبلا أجندة موضوعة سلفًا، هو الخطر الأكبر عليها حتى الآن.

اقرأ/ي أيضًا:
الأمن اللبناني يكشّر عن أنيابه.. بلطجية وسحل!

شاهد/ي أيضًا:
جدار الفصل اللبناني