كيف فشلت

كيف فشلت "السياسة الواقعية" الأمريكية في سوريا؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما (Getty)

منذ اندلاع الثورة السورية والحرب التي تلتها، كان حجم الانتقادات التي وُجهت إلى تعاطي الإدارة الأمريكية مع الأزمة السورية أكبر دائمًا من أي تأييد حصلت عليه. ما بين سياسيين وأكاديميين أمريكيين وغربيين إلى حلفاء ودول إقليمية وصوًلا إلى أعضاء سابقين في إدارة أوباما نفسها يرى الجميع تقريبًا أن تعامل الولايات المتحدة مع الأزمة لم يكن أبدًا على المستوى المطلوب، لكن هل تقوم جميع تلك الانتقادات على أسسٍ سليمة وتصوراتٍ حقيقية عن الأزمة؟ في المقال التالي يتناول محمد إدريس أحمد موقف وتعاطي رواد "المدرسة الواقعية" مع الأزمة وأوجه الخلل التي تشوبها. ومحمد إدريس أحمد هو محاضر في الصحافة الرقمية بجامعة ستيرلنج. هو أيضا مؤلف كتاب "الطريق إلى العراق: صنع الحرب عند المحافظين الجدد".

 بغياب أي رادع، قصف الأسد معارضيه مسبّبًا القمع والذبح والهجرةً الجماعية؛ وبوقوف الولايات المتحدة موقف المتفرج، تدخلت روسيا وإيران لدعم حليفهما

_____________________________

التفكير بالتمني هو جوهر سياسة باراك أوباما بشأن سوريا. بدًلا من الأفعال الحاسمة، اختار الرئيس الكلمات الشجاعة. رسم أوباما خطوطًا حمراء لم يكن مستعدًا لفرضها. مع عدم وجود مصالح استراتيجية على المحك، لم ير أوباما سببًا لإنفاق موارد على شؤون إنسانية بحتة. وفي قطعٍ واضح مع تدخلية المحافظين الجدد التي ميزت العقد الماضي، اختار أوباما سياسة ضبط نفس "واقعي".

تلك السياسة اللا أخلاقية ذات المبادئ المطواعة والرصيد غير المتعاطف ينبغي أن تثلج صدر أي "واقعي". لكن العدد الأخير من صحيفة النيويورك تايمز حمل اتهامًا مثيرًا من قِبل شخصين لامعين من المدرسة "الواقعية": ستيفن والت من هارفارد وجوردون آدامز من الجامعة الأمريكية. يهاجم الكاتبان أوباما لأنه بنى سياسته بشأن سوريا على أمنية وصلاة : "أمنية بأن الرئيس بشار الأسد سوف يغادر، وصلاةً كي تصبح المعارضة السورية "المعتدلة" أكثر مما هي عليه".

سوف تكون شجاعة من قِبل "الواقعيين" أن يعترفوا بأن روشتتهم أسفرت عن كارثة: بغياب أي رادع، قصف الأسد معارضيه محصنًا من أي رد فعل؛ سبّب القمع والذبح هجرةً جماعية؛ وبوقوف الولايات المتحدة موقف المتفرج، تدخلت روسيا وإيران لدعم حليفهما، في تلك الأثناء ظلت داعش متخندقة ووصلت ضرباتها إلى قلب العواصم الغربية، لكن "الواقعيين"، تمامًا مثل نظرائهم المحافظين الجدد، نادرًا ما يعترفون بالخطأ، وإنما يمكن، بدلًا من ذلك، الاعتماد عليهم لمفاقمة الأخطاء.

والت وآدامز ليسا مهتمَين بأن أفعال أوباما فشلت في أن تتسق مع خطابه، وإنما في أن كلماته فشلت في أن تكون في مستوى غياب أفعاله. لكنهم يبدون غير واثقين ممَّا إذا كان أوباما هاملتًا مترددًا أم كوريولانوسًا عنيدًا. بعد قليل من مهاجمة ضعفه، ينصح والت وآدامز أوباما بعدم السعي نحو "نصرٍ حاسم". ثم يصفون التدخل الروسي الإجرامي في سوريا بأنه "أول بارقة أمل لإنهاء المستنقع".

لكننا نعرف فيما بعد أن الأمل قائم على أمنية وصلاة: أمنية بأن بوتين سوف يصلح الأسد، وصلاةً كي يقود التحالف نحو الانتصار على داعش.

تمثل تلك الأفكار الميول "الواقعية" الصاعدة في واشنطن اليوم، وهي تستحق وضعها تحت المجهر. إن لها العديد من المزودين، لكن لا أحد منهم أكبر من ستيفن والت: أستاذ العلاقات الدولية بمركز روبرت رينيه بلفر بجامعة هارفارد، ومؤلف كتبٍ تحظى بتقديرٍ كبير في مجال السياسة الخارجية، والكاتب الدوري بصحف المؤسسة مثل فورين بوليسي وفورين أفيرز. كان كتابه "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الإسرائيلية"، والذي تشارك تأليفه مع كاهن معبد الواقعية الآخر، جون ميرشيمر، مساهمةً جريئة وضرورية للمناقشة حول سياسة الولايات المتحدة بشأن الشرق الأوسط. كلّف الجدل الذي دار حول كتاب اللوبي الإسرائيلي والت بعض جمهوره داخل المؤسسة الحاكمة. لكن بصمته الثقافية على واقعيي السياسة الخارجية تظل ملموسة. والت، باختصار، هو تجسيد واقعية السياسة الخارجية: أن تشتبك معه هو أن تشتبك مع الواقعية المعاصرة.

باختصار، الواقعية هي نموذج للعلاقات الدولية يرى الدول كوحدات التحليل الرئيسية، ويفترض أن كل الدول لها مصالحها، ويؤكد على الحالة الفوضوية (في مقابل التراتبية) للنظام الدولي، والتي، حسب الواقعيين، تحفز الدول على الوصول بقوتها إلى أقصاها حتى لا يصبح بقاؤها معتمدًا على الدعم غير المضمون من قِبل آخرين.

تماثل زائف

يؤدي الثقب الضيق لـ"المصلحة القومية" الذي ينظر منه الواقعيون إلى الشؤون الدولية إلى مزيجٍ من فقدان الذاكرة وقصر النظر. كان يمكن للواقعيين التفاخر بحقيقة معارضتهم لحرب العراق وأنهم تنبؤوا بالكارثة التي أعقبته. لكن حقيقة أنهم يستخدمون سابقة العراق للجدال ضد التدخل في سوريا يشير إلى أنهم كانوا محقّين للأسباب الخطأ. لم تكن العراق في حالة حرب عند الغزو في 2003؛ كانت أسوأ فظاعات صدام قد انتهت منذ أكثر من عقد، كان قد تم نزع سلاح صدام واحتواؤه، وبالتالي لم يكن هناك دافعًا إنسانيًا ملحًا. أما في سوريا، فإن الدولة في حالة هياج؛ إنها تستخدم أسلحةً تقليدية وغير تقليدية في حملة إرهاب ممنهجة؛ لقد استخدمت التعذيب والاغتصاب على نطاقٍ واسع. (بخلاف "المعادون الغربيون للإمبريالية"، لا ينكر الواقعيون حجم الأزمة الإنسانية في سوريا).

السؤال في سوريا ليس ما إذا كان يجب أن نشعل حربًا، وإنما كيف ننهي حربًا قائمة بالفعل. النظير المناسب هو البوسنة، لا العراق

السؤال في سوريا ليس ما إذا كان يجب أن نشعل حربًا، وإنما كيف ننهي حربًا قائمة بالفعل. النظير المناسب هو البوسنة، لا العراق. باستثناء أن الموقف الواقعي من البوسنة كان هو ذاته الموقف الواقعي من العراق، تمامًا مثل الموقف الواقعي من سوريا. الموقف مسبق، أيًا كان السياق.

يؤكد والت ذلك في مقالٍ أخير لفورين بوليسي، تم تقديمه على نحوٍ فخم بعنوان: "واقعي يصارع شكوكه بشأن التدخل في سوريا. كمعجبٍ بمعرفة والت، قرأت المقال بآمال عريضة. في مناقشةٍ معي في فبراير 2014، عارض والت منطقة حظر طيران واقترح أن فرض الأسد لسلطته واحتواء الصراع داخل سوريا لن يكون الناتج الأسوأ. فشل الأسد، لكن في سعيه المحموم لاستعادة السيطرة، استخدم القوات الجوية لقتل عشرات الآلاف. هرب الملايين. عبر الصراع الحدود واقتحمت داعش المعمعة بوقاحة. وبالتالي فإن إعادة التقييم منطقية.

لكن والت سريعًا ما يحطم تلك الآمال بإعلانه أن "حكمه من البداية" -والذي توصل إليه في فبراير 2012، قبل المذابح في الحولا وداريا والبيضا وبانياس؛ قبل قصف الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيماوية؛ قبل حصار اليرموك؛ قبل البراميل المتفجرة؛ قبل التعذيب واسع النطاق؛ قبل داعش- "كان صحيحًا". تنازله الوحيد لربع المليون من القتلى وأحد عشر مليونًا من النازحين هو تكرار حكمه "على نحوٍ غير مريح".

لا منطق ضيق الأفق

مشكلة الواقعية ليست فقط في ترفعها اللا أخلاقي عن الشؤون الإنسانية، ولكن أيضا في ضيق أفقها ولامنطقها الدوجماتي. يقول والت إن منطقة حظر طيران في سوريا لم تكن لتكون في مصلحة الولايات المتحدة. لكن بالتأكيد فإن عدم الاستقرار الزاحف في منطقةٍ ذات أهمية استراتيجية، ونمو نفوذ روسيا وإيران، وغضب الحلفاء الإقليميين المتفاقم، وأزمة اللاجئين الهائلة، ورد الفعل المتسم برهاب الأجانب، وصعود اليمين المتطرف -وكل ذلك تم التنبؤ به- لا يمكن أن يكون في مصلحة الولايات المتحدة أيضا؟

يقول والت إن منطقة حظر طيران لم تكن لتكون فعالة لأنها "لم تكن لتزيح الأسد عن السلطة سريعًا". لكن هدف منطقة حظر الطيران كان دومًا حماية المدنيين، لا تغيير النظام. يعترف والت بأهميتها الإنسانية، لكنه يرفضها بناءً على عدم احتمالية أن تقود إلى غاية سياسية ألصقها هو نفسه بها. يخطأ والت هنا أيضا لأنه يتجاهل احتمالية أنه بدون قوة جوية، سوف يفقد الأسد حصانته وسوف يصبح أكثر استعدادًا للتفاوض.

إلى أحكامه الخاطئة، يضيف والت آخر عبر استخدام البعبع الجهادي كحجّة ضد منطقة حظر الطيران. يردد والت الكليشيه (المألوف لدى الصحفيين الغربيين الذين يعيدون تدوير بروباجندا النظام) أن الأسد يقف في وجه حشود الإسلاميين، ويقترح، بالمخالفة للأدلة، أنه ليس هناك معتدلون ضمن خصوم الأسد. يذكر والت برنامج التدريب والتسليح الأمريكي الفاشل كمثال ليهاجم فكرة أنه، بوجود دعم أمريكي، كان الجيش الحر ليغير مسار الحرب.

لكن والت يبدو غير مدرك أنه ناهيك عن أن يخدم كحائط صد في وجه الجهاديين، تفادى النظام مواجهة داعش في جميع اشتباكاته العسكرية عدا 6% منها. ليس ذلك فحسب، وإنما ساعد النظام داعش موضوعيًا بقصف خصومها بين المتمردين السوريين القوميين. هو أيضا يتجاهل حقيقية أن خطة الولايات المتحدة لصنع قوة سورية وكيلة فشلت لأنها كانت تستهدف داعش والنصرة بنحوٍ رئيسي؛ للتأهل إلى البرنامج، كان على المجندين ضمان أنهم لن يستخدموا تدريبهم أو معداتهم ضد النظام.

يرفض والت تسليح المتمردين السوريين لأنه يعتقد أنه ليس من المحتمل أن يحاربوا أكثر من الجيش العراقي أو الجيش الأفغاني. لكنه يتجاهل حقيقة أن أداء الجيشين العراقي والأفغاني كان سيئًا لأنهم يحاربون متمردَين ذوي حماسة شديدة. نظيرهما في سوريا ليس الجيش الحر وإنما جيش النظام. قام المتمردون بتحقيق تقدماتٍ كبيرة ضد النظام العام الماضي رغم حظر السلاح وعدم تكافؤ القوى. بالفعل، مع الإمداد الأخير بصواريخ التاو من حلفاءٍ إقليميين، كان المتمردون قادرين على صد هجومٍ كبير من قِبل القوات المشتركة للنظام وحزب الله والحرس الثوري الإيراني والقوات الجوية الروسية.

لكن إذا كانت الواقعية العقائدية محصنة ضد الحقائق، فإن حسها بالنسب أسوأ. في أكثر العبارات المثيرة للدهشة في "إعادة تقييمه"، يرى والت أن وضع سوريا أفضل من ليبيا، والتي، في تقديره، أثبتت أن "الشيء الوحيد الأسوأ من حكومة بشعة هو لا حكومة على الإطلاق". المشاكل في ليبيا، حسب والت، كانت "التدخل الأمريكي المبكر". صحيح، ليبيا في حالة فوضى، لكنها ليست كارثة بحجم سوريا. الحماقة في سوريا لم تكن التدخل المبكر -والذي دعمه 75 بالمئة من الليبيين حتى بعد عام- وإنما الانسحاب المتسرع، والذي ترك دولة وليدة معرضة للتدخل المحلي والأجنبي. بوجود قوة فرض استقرار تابعة للأمم المتحدة، ربما كانت الأمور لتأخذ مسارًا آخر؛ بدون التدخل، كانت ليبيا لتبدو أكثر مثل سوريا.

قوة خارقة

"عندما تتغير الحقائق" -قال الاقتصادي العظيم جون ماينارد كينيس- "أغير رأيي. ماذا تفعل أنت يا سيدي؟" لا نحتاج إلى سؤال واقعي: الإجابة تسبق المشكلة. لعدم تغيير آرائهم، يغير الواقعيون الحقائق بدًلا من ذلك. بالنسبة للواقعيين (كما هو الحال بالنسبة لـ"معادو الإمبريالية") وصلت القوة الخارقة في هيئة داعش. إذا بدأت مقاربة الواقعيين تبدو مضحكة، تجلب داعش فرصًا جديدة للتشخيص الخاطئ؛ إذا كانت الروشيتات الحالية سيئة، فإن هناك دائمًا مجالًا للأسوأ.

ينهي والت وآدامز منشورهما سابق الذكر بإخبار أوباما بأن "يبدأ في إدارة الدولة بحرفية". ينبغي أن ينضم إلى روسيا ويضغط على الحلفاء الإقليميين من أجل "التركيز على تنظيم الدولة الإسلامية اليوم وترك المخاوف الأخرى إلى وقتٍ لاحق". لكن في السطر التالي يعترفون: "الهدف الأساسي لروسيا في الوقت الحالي هو دعم السيد الأسد عبر مهاجمة قواتٍ عديدة معادية للنظام". بعبارةٍ أخرى، إن لم تكن روسيا على ما هي عليه، وإن لم تكن المخاوف على ما هي عليه، كانت لتكون حليفًا مثاليًا.

يتماشى الافتتان الغريب بفلاديمير بوتين مع الميول المعادية للديمقراطية للواقعية. يتم رؤية روسيا اليوم كقاطرةٍ للحل الذي فشل أوباما في تطبيقه: استعادة الأسد. كلمات مثل الدبلوماسية تُستخدم لتشتيت الانتباه عن حقيقة أنه بينما تظل الولايات المتحدة غير مهتمة بمصير السوريين، فيما تشكّل روسيا المجال لصالحها بفاعلية. بإعطائها الوقت الكافي، سوف تكون روسيا قد أضعفت أو دمرت التمرد، ضامنةً نتائج في صالح الأسد. رغم كل شيء: يذكِّر الكاتبان الرئيس، والذي يصر على رؤية روسيا على ما هي عليه بدلًا مما يمكن أن تكون عليه: "لقد انتهت الحرب الباردة".

يبدو السياسيون الواقعيون غير مدركين أنه إذا اختفت داعش غدًا، فإن الطرف المسؤول عن 95% من القتلى المدنيين سوف يظل في السلطة – مسلحًا، خطيرًا، وغير قابل للمحاسبة

لكن من غير الواضح ما إذا كانت الحرب الباردة قد انتهت بالنسبة إلى الواقعيين. في مكانٍ آخر استخدم والت أزمة اللاجئين على نحوٍ غير مفهوم لدعم وجهة نظره في التودد للأسد؛ في غضون ذلك طرح والت وجهة نظر غريبة ترى معاملة داعش كدولة ثورية حقيقية (وإن كانت صغيرة) يمكن احتواؤها. تتجاهل وجهة النظر الأولى حقيقة أن ما يصل إلى 70% من اللاجئين هم هاربون من الأسد، المسؤولة قواته عن أكثر من 95% من جميع القتلى المدنيين في سوريا؛ بينما تبدو الثانية مستعدة للتنازل لداعش، الحركة الشمولية القاتلة، عن حقوق دولة حتى تصبح فقط مناسبة لقرارٍ واقعي. هناك فرصة ضعيفة في أن ينجح أيٌ من المنهجين؛ هناك احتمالية كبيرة في أن يجعلا الأمور أسوأ.

يتجذر الفشل التحليلي لوالت وآدامز في نفس الإغفال: بالنسبة لهم السوريون إما غير موجودين أو غير مهمين. الأمر كله لعبة عروش. 

يمثل فيليب جوردون، أحد مستشاري أوباما الرئيسيين السابقين والذي يشيد والت بآرائه، نموذجًا لكيف يمكن أن تقود الواقعية العقائدية إلى ذلك النوع من النهايات المسدودة. في مقالٍ حديث لصحيفة بوليتيكو -وهو مزيج عجيب من الادعاءات الزائفة ورجال القش والمنطق الملتو وفقدان الذاكرة التاريخي- يجادل جوردون ضد منطقة حظر طيران، ولا يفرق بين داعش و"المعارضة السورية"، ويتجاهل التنسيق الناجح مع الأكراد والجيش السوري الحر في كوباني، ويستخدم سابقة البوسنة ليرفض الضغط على الأسد. يجب أن تسمح الولايات المتحدة لروسيا وإيران بالحفاظ على مصالحهم الحيوية. يجب أن تتفادى القيام بما لا تقوم به بالفعل: إعطاء السوريين الوسائل للدفاع عن أنفسهم. مثل والت وآدامز، يصف جوردون "المفاوضات" كعلاج، لكنه يبدو بريئًا غير مدرك لمبدأ النفوذ؛ ومثلهم، هو أيضا يبدو غير مدرك لوجود الشعب السوري.

عندما كانت سوريا شأنًا سياسيًا، كان موقف الواقعيين مفتقرًا للخيال؛ الآن وقد أصبحت شأنًا "أمنيًا"، هم يرونها على ضوء مصابيح ذات ضوءٍ متقطع. لأن داعش هي مصدر القلق الرئيسي للولايات المتحدة، هم يفترضون أنها يجب أن تكون كذلك بالنسبة للسوريين أيضا. حلهم البراجماتي للمعضلة السورية هو التودد نحو الأسد لهزيمة أو احتواء داعش -وهم يبدون متفاجئين عندما لا يقفز السوريون منتهزين فرصة التحالف مع جلادهم الرئيسي ضد ما يرونه تهديدًا قبيحًا لكنه يمكن مواجهته.

هم يبدون غير مدركين أنه إذا اختفت داعش غدًا، فإن الطرف المسؤول عن 95% من القتلى المدنيين سوف يظل في السلطة مسلحًا، خطيرًا، وغير قابل للمحاسبة. كما لا يفهمون أنه بجعل بقاء الأسد مرتبطًا بفائدته في مواجهة داعش، هم يعطونه حافزًا للإبقاء على التنظيم، بدلاً من تدميره وجعل نفسه قابلًا للاستغناء عنه. ولأنهم لم يتعلموا شيئا من دعم أمريكا للدكتاتوريات القمعية خلال الحرب الباردة، هم يريدون أن يرتدوا إلى عالم ساكني الكهوف الذي يملأه الدكتاتوريون والزنازين المظلمة تحت الأرض، مسلِّمين السوريين مجددًا للحكم الشمولي (وإن كان الآن عبر أيدي روسية).

روى جور فيدال يومًا طرفة عن صديقٍ ماركسي، ردًا على تشكيكٍ في معتقداته السياسية، قال: أنا أعلم كل الإجابات، لكنني نسيت ماذا كانت الأسئلة. يصف ذلك أيضا المنهج الواقعي. ما يعتبرونه أفكارًا خالدة هي في الحقيقة عَقاراتٍ للتحول إلى موتى أحياء محصنين ضد التخطيء، يسير الواقعيون متغافلين عن ضربات الواقع المميتة.

ربما كان لدى الواقعية شيء مفيد تخبرنا إياه عن الصراعات بين الدول، لكنها غير مناسبة لمهمة معالجة الصراعات الأهلية أو العابرة للحدود في حقبة ما بعد الحرب الباردة. لكن بدلًا من إدراك أوجه القصور تلك، يشيد الواقعيون نسخًا من الواقع تستجيب للحلول الواقعية. هم يتجاهلون أي حقيقة تعقد تحليلهم أو تقاوم وصفتهم. في ضوء، لا تعد الواقعية جريمة ضد الأخلاقية (بالفعل، يتباهى الواقعيون ببراجماتيتهم اللا أخلاقية) بقدر ما هي جريمة ضد المنطق. بالنظر إلى مداها المحدود، اهتماماتها ضيقة الأفق، وترفعها عن الواقع، فقد انتهت مدة صلاحيتها تمامًا مثل النظام الوستفالي الذي تجذرت فيه. الحق المقدس للملوك لا يوجد اليوم إلا في كتب التاريخ وقصص الخيال؛ ربما يمكن للواقعية أن تأخذ مكانها بجانبهم، كأثرٍ من العالم القديم أو سريالية نوستالجية. 

المصدر: Syria and Surrealism

____

اقرأ أيضًا: 

ترامب..المرشح الرئاسي ضمن السياق الذي أنتجه

الجارديان..داعش عدو والأسد هو المشكلة