كيف ساهم التبغ في تشكيل الذاكرة الجمعية لجنوب لبنان؟

كيف ساهم التبغ في تشكيل الذاكرة الجمعية لجنوب لبنان؟

حتى سبعينات القرن الماضي كان الدخل الأساسي لمعظم سكان جنوب لبنان، هو زراعة التبغ (عباس سلمان)

حتى سبعينات القرن الماضي، كانت زراعة التبغ تشكّل الدخل الرئيسي للسواد الأعظم من عائلات الجنوب اللبناني. وانحسرت هذه الزراعة بشكل كبير مع مرور الوقت، في ظل نزوح عدد كبير من العائلات إلى ضواحي بيروت، فيما بحث الأهالي عن مصادر جديدة للدخل والمعيشة، تؤمن لهم مدخولًا أكبر من زراعة التبغ، ولا تتطلب الجهد الكبير الذي يكابده كافة أعضاء الأسرة في زراعة وقطاف وتسليم الشتلات إلى إدارة حصر التبغ والتنباك.

تتحكم إدارة "الريجي" في لبنان، في تجارة التبغ، فهي التي تشتريه من المزارعين، بعد أن تحدد هي أسعاره دون الرجوع للمزارعين

ودخلت زراعة التبغ إلى لبنان في القرن السادس عشر، إبان الحكم العثماني، حيث وضع السلطان إبراهيم الأسس التي تنظّم هذه الزراعة، مع آلية لتحصيل الضرائب التي اشتهرت السلطنة في فرضها على مواطني البلاد الخاضعة لسيطرتها.

اقرأ/ي أيضًا: كيف انتعشت شركات التبغ الأمريكية في مناطق النزاعات؟

"الريجي" تحتكر تجارة التبغ

أُنشئت إدارة حصر التبغ والتنباك، في لبنان، والمعروفة باسم "الريجي"، عام 1935، وهي تتبع لوزارة المالية، وتتولى إدارة زراعة التبغ وتصنيعه وتجارته في مختلف الأراضي اللبنانية.

ويتوجب على المزارع أن يستخرج رخصة من الريجي لقاء بدلٍ مالي، ولمدة زمنية، وبمساحة محددة من الأرض لزراعة التبغ. وتشتري الريجي المحصول كله بعد تحديدها للسعر سنويًا دون الرجوع إلى المزارعين، فيما تُعتبر من الحالات النادرة التي يحدد فيها المشتري السعر، وليس البائع!

زراعة التبغ في لبنان

وتشرف الريجي بشكل مباشر على العملية الزراعية، وتراقب من خلال خبرائها ومندوبيها عمل المزارعين للتأكد من سير العملية وعدم بيع المزارعين لأي كمية من منتجاتهم في السوق السوداء أو بطرق "غير قانونية".

نضالات فلاحي التبغ

يمكن القول اختصارًا، إن المُزارع يخضع بشكل كامل لسلطة الريجي، فيما يتحمّل بنفسه أي مرض أو ضرر يصيب شتلاته، ولا يحصل على أي تعويض في حال تعرّض المحصول للتلف جراء عوامل الطبيعة.

وشهد النصف الثاني من القرن الماضي العديد من التحركات والنضالات لفلاحي التبغ، للمطالبة بحقوقهم وحمايتهم وتحسين أوضاعهم. وأبرز مطالبهم كانت تحديد سقف رخصة المساحة بـ25 دونمًا، على اعتبار أن أكثر من ثلثي الفلاحين كانوا يزرعون أقل من خمس دونمات، فيما تصل بعض الرخص إلى 400 دونمًا، يقوم أصحابها بتأجيرها إلى عدد كبير من المزارعين، وهو ما اعتبره المزارعون نوعًا من الإقطاع المُقنّع.

وبلغت النضالات الفلاحية ذروتها في عام 1973، يوم كان لبنان يشهد الكثير من المظاهرات العمالية والنقابية في كافة المناطق والقطاعات، حيث شارك آلاف مزارعي التبغ في التظاهرات، وقام المزارعون باحتلال مبنى الريجي في النبطية، مطالبين برفع الأسعار بنسبة 20%.

مراحل وخطوات زراعة وتسليم التبغ

مع حلول فصل الشتاء، ينصب المزارعون بذور التبغ في مساكب تُغطّى بالنايلون لحمايتها من الندى. ومع نهاية شهر آذار/مارس تُقطف الشتلات الصغيرة من المساكب، وتُغرس في الأراضي الزراعية في خطوط طولية متوازية، بعد أن تكون الأرض قد فُلحت وقسُمت إلى خطوط مستقيمة ومتجاورة.

زراعة التبغ في لبنان

بينما تحتاج عملية الغرس أربعة أشخاص على الأقل في العادة، يكونون في الغالب من أسرة واحدة، حيث يشارك كل أفراد الأسرة في العمل.

أما في فصل الصيف تبدأ الشتلات تباعًا بالنضوج، وتُقطف بشكل تدريجي من أسفل إلى أعلى، وتتم عمليات القطاف غالبًا في ساعات الفجر الأولى، تجنبًا لحرارة شمس الصيف اللاذعة.

لم تكن السيارات متوفرة في العقود الماضية، فكان القريون يستخدمون الحمير لنقل المحصول إلى المنازل، حيث يتم شك الشتلات في خيوط سميكة خلال فترة الصباح، ثم توضع في الشمس لتجفيفها، ويتم نقلها في الليل إلى غرفة رطبة تحت الأرض تسمى "الباسمة"، وذلك كي تلين من جديد وتصبح جاهزة لتوضيبها في صناديق خشبية، تسمى أطراد، وذلك في صباح اليوم التالي.

كما ينقل المزارعون أطرادهم إلى مراكز مؤقتة تنشئها الريجي، بمعدل مركز واحد لكل ست أو سبع قرى. ويعمل الخبراء في المركز على تصنيف الشتلات وتحديد جودتها، وبالتالي تحديد السعر الذي يرون أن المزارع يستحقه، بدون أن يكون له أي دور في المساومة.

ورغم أن الغالبية من الأسر الجنوبية لم تعد اليوم تزاول زراعة التبغ أو تعتاش على ريعه، ولجأت إلى مهن بديلة أقل تعبًا وأكثر مردودًا؛ فإن مواسم الزراعة والحصاد والحكايات المرتبطة بها لا تزال حتى اليوم تشكل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية للجنوبيين.

زراعة التبغ في لبنان

كما ارتبطت شتلة التبغ في وعي سكان الجنوب اللبناني بكونها المردود المالي الأساسي، فكان المزارعون ينتظرون الحصول على بدل محاصيلهم لتسديد ديونهم للمرابين ولأصحاب الدكاكين والمتاجر وما إلى ذلك. كما كانت حفلات الزفاف تقام غالبًا بعد موسم القطاف، حيث تتوفر النقود بين أيديهم.

رغم أن غالبية أسر جنوب لبنان لم تعد تعمل في زراعة التبغ، لكن الحكايات المرتبطة بها لا زالت تشكل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجمعية للجنوبيين

مشاركة أفراد الأسرة جميعًا في العمل، ومساعدة الجيران بعضهم بعضًا في العمل، وسهرات ليالي الصيف الطويلة لشك الشتلات ورصّها على أنغام موسيقى عبد الوهاب وأغاني أم كلثوم، حيث يلتقي العشاق ويتساعدون في العمل؛ هي أيام ينظر إليها على أنها زمن جميل انقضى ولن يعود، رغم شظف العيش والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانوا يعانونا آنذاك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بائعات التبغ في موريتانيا تحت الشمس الحارقة

"التمباك".. هاوية سودانية أخرى