كيف تفوقت البيانات على النفط كأهم مورد في عالم اليوم؟

كيف تفوقت البيانات على النفط كأهم مورد في عالم اليوم؟

على الحكومات أن تتحرك إذا لم تشأ أن يسيطر على السوق حفنة من الشركات العملاقة (دفيد باركينس)

ظهرت سلعة جديدة بمظهر مغر وأصبح لها سوقها الخاص، مما أوعز لمكافحي الاحتكار بالتدخل لكبح جماح أولئك الذين يتحكمون بتداول هذه السلعة النفيسة. قبل قرن من الزمان، كانت السلعة التي نقصدها النفط. أما الآن، باتت هناك مخاوف وتساؤلات تطرحها عمالقة الشركات التي تتاجر بالمعلومات، نفط العصر الرقمي. 

زيادة مشاركة المعلومات قد يهدد خصوصية الأفراد، على الحكومات أن تتحرك إذا لم تشأ أن يسيطر على السوق حفنة من الشركات العملاقة

ولا يبدو أن أحداً يمكنه إيقاف هذه الشركات الجبارة، شركة ألفابت Alphabet (الشركة الأم لشركة جوجل Google) وأمازون وآبل وفيسبوك ومايكروسوفت، عند حدها، فهي مصنفة بأنها الشركات الخمس الأعلى قيمة في العالم، وأرباحها في ازدياد غير مسبوق إذ بلغ صافي أرباحها في الربع الأول من العام 2017 ما يزيد عن 25 مليار دولار. وتحتكر أمازون نصف المال الذي تنفقه الولايات المتحدة في التسوق على الانترنت. بينما عادت تقريباً كل الزيادة في الأرباح في العام الماضي لشركة جوجل وفيسبوك من وراء التسويق الرقمي في أمريكا.

اقرأ/ي أيضًا: جناية الإنترنت.. هل يجعلنا جوجل أغبياء حقًا؟

وتسببت هذه السيطرة في إطلاق نداءات تطالب بحلِّ هذه الشركات، كما حصل مع شركة النفط Standard Oil في أوائل القرن العشرين. ويجب التنبه أن زيادة حجم الشركات ليس جريمة بحد ذاتها، فقد عاد نجاح هذه الشركات بالفائدة على المستهلكين. كما أن قلة منهم يرغبون بالعيش دون محرك بحث جوجل أو ميزة أمازون لإيصال الشحنات خلال يوم واحد أو خدمة (news feed) التي يحصلون عليها من فيسبوك.

كما أن نتائج تطبيق اختبارات مكافحة الاحتكار المعيارية على هذه الشركات لم تنبئ بوجود أي خطر. ولكن فضلًا عن استغلال المستهلكين لدفع مبالغ طائلة، فإن معظم خدمات تلك الشركات مجانية (ومقابل ذلك أيضاً يدفع المستخدم بتقديمه لها المزيد من المعلومات على طبق من ذهب). ولو نظرت إلى الحصة السوقية لمنافسيهم الذين يقدمون الخدمات التي لا تحتاج للإنترنت لوجدت أنها بالمقارنة لا تبعث على القلق أبداً. 

ولكن هناك ما يدعو للقلق في واقع الأمر. فتحكّم شركات الإنترنت بالمعلومات يمنحها قوة هائلة. وتعد طرق التفكير القديمة التي استحدثت في عهد النفط بالية إذا ما قورنت بما بات يسمى الآن "اقتصاد المعلومات". من هنا تبرز الحاجة لمقاربة جديدة.

من المهم الحد ممّا تبيعه الشركات من معلومات وإجبارها على إخبار المستخدمين بالمعلومات التي لديهم ومقدار المال الذي يجنونه منها

الكم له جودة خاصة يتفرد بها

إذًا ما الذي تغير؟ جعلت الهواتف الذكية والإنترنت المعلومات موجودة بوفرة وفي متناول الجميع وذات قيمة أعلى. وسواء كنت ذاهباً للركض أو مشاهدة التلفاز أو عالقاً في زحام السير، فإن كل نشاط تقوم به تقريباً يترك أثراً رقمياً – أي المزيد من المادة الخام لمعامل "تكرير" المعلومات. ومع اتصال الأجهزة الذكية مثل الساعات والسيارات بالإنترنت يزداد كم هذه المعلومات، ويقدر البعض أن يصل حجم المعلومات التي تنتجها السيارة ذاتية القيادة إلى 100 غيغابايت في الثانية. وتقوم التقنيات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) مثل تعليم الآلات في هذه الأثناء باستخلاص المزيد من الفائدة من المعلومات. فالخوارزميات (أو اللوغاريتمات) تستطيع التنبؤ بالوقت الذي يكون فيه الزبون مستعداً للشراء أو عندما يحتاج محرك الطائرة النفاثة إلى إجراء فحص دوري أو عندما يكون شخص معرض للإصابة بمرض ما. وتُسوّق شركات ضخمة مثل "جنرال إلكترك" General Electric وسيمنز Siemens نفسها على أنها شركات معلومات.

هذا الزخم من المعلومات يغير طبيعة المنافسة. ولطالما استفاد عمالقة التكنولوجيا من آثار الشبكة: كلما زاد عدد المسجلين في فيسبوك، زاد عدد المقلدين الذين ينجذبون للتسجيل. ومع دخول المعلومات في الصورة فقد أصبح هناك المزيد من الآثار على الإنترنت؛ بزيادة المعلومات، أصبح بإمكان الشركات أن تطور منتجاتها بناءً عليها مما يعمل على جذب المزيد من الزبائن، ما يعني أيضاً توليد المزيد من المعلومات وهكذا. كلما زادت المعلومات التي تجمعها "تسلا" من سياراتها ذاتية القيادة كلما طورت الشركة من قدرة سياراتها على القيادة الذاتية – وهو جزء من السبب الذي جعل الشركة التي باعت 25000 سيارة في الربع الأول فقط تساوي أكثر من شركة "جنرال موترز" التي باعت 2.5 مليون سيارة. أي يمكن أن يشكل الكم الكبير من المعلومات مصدر حماية لأي شركة.

يحمي الوصول إلى المعلومات الشركات من المنافسين بطريقة أخرى. وينبع التفاؤل حول المنافسة في قطاع التقنية من إمكانية قيام المجموعات الناشئة أو التحول غير المتوقع في التكنولوجيا بمباغتة الشركات الكبيرة. ولكن ذلك أصبح مستبعداً في عصر المعلومات الذي تنتشر فيه أجهزة المراقبة لتلك الشركات في جميع القطاعات: تستطيع جوجل أن ترى ما يبحث الناس عنه، وفيسبوك ما يشاركونه، وأمازون ما يشترونه؛ لديهم متاجر للتطبيقات وأنظمة تشغيل، كما يستأجرون المعدات الحاسوبية المتقدمة لخدمة الشركات الناشئة.

لديهم تلك الإطلالة المطلقة على جميع الأنشطة في أسواقهم بل حتى أبعد من ذلك. فهم يستطيعون شم المنتج أو الخدمة التي بدأت باجتذاب الناس، مما يتيح لهم بتقليدها أو شراء الشركة قبل أن تتطور إلى تهديد حقيقي. ويعتقد الكثير أن شراء فيسبوك لتطبيق واتساب في عام 2014 بقيمة 22 مليار دولار يندرج تحت هذا النوع من "حسم الأمر بالاستحواذ" والذي يقضي على أي منافس محتمل. وهكذا فإن المعلومات تعمل كنظام يحذر الشركات العملاقة من الشركات المستجدة مما يشكل عائقاً للأخيرة ويقضي أي أمل بالمنافسة.

اقرأ/ي أيضًا: ويكيبيديا.. طبيبنا السريع؟

إذاً ما العمل؟

طبيعة المعلومات تجعل حلول الماضي لمكافحة الاحتكار أقل فعالية، يجب على الجهات الرقابية أن تتمكن من البيانات وتحليل ديناميكيات السوق

طبيعة المعلومات تجعل حلول الماضي لمكافحة الاحتكار أقل فعالية. تقسيم شركة مثل جوجل إلى خمس شركات مصغرة – على سبيل المثال – لن يمنع إعادة حدوث ما حصل: لأنه مع الوقت ستتسلق إحداها لتطغى مجدداً. إذاً هناك حاجة إلى إعادة التفكير من الأساس – وحتى تتكشف ملامح النهج الجيد وتصبح واضحة، هناك فكرتان تلوحان في الأفق.

الفكرة الأولى: الانتقال من عصر الصناعة إلى القرن الحادي والعشرين. فعلى سبيل المثال، لا يجب أن يقتصر اندماج الشركات على حجمها فحسب وإنما يجب اعتبار أصول الشركة من المعلومات عند تقييم الصفقات، كما يمكن أن يكون ثمن الشراء مؤشراً على أن الشركة المهيمنة تقوم بشراء الناشئة المُهدِّدَة. وهنا يمكننا رؤية كيف كان شراء فيسبوك لواتساب ليدق ناقوس الخطر. كما يجب على تلك الجهات الرقابية أن تصبح ضليعة في كل ما يتعلق بالبيانات وتحليل ديناميكيات السوق حتى تستفيد من اللوغاريتمات في صيد عمليات الشراء المدبرة على سبيل المثال وتشجيع التنافس.

أما الفكرة الثانية فتتلخص في الحد ممّا تبيعه الشركات من معلومات حول المستخدم وإجبارها على إخبار المستخدمين بالمعلومات التي لديهم ومقدار المال الذي يجنونه منها. كما يمكن للحكومات أن تفرض عدم السماح بمشاركة معلومات محددة إلا بموافقة المستخدم، وهو ما انتهجته أوروبا في خدماتها المالية بإلزام البنوك بإتاحة الوصول إلى معلومات العميل لطرف ثالث.

وأختم بالقول إن إعادة برمجة عمل مكافحة الاحتكار للعمل بآلية جديدة تتوافق مع عصر المعلومات لن يكون سهلاً. وسينطوي ذلك على مخاطر جديدة: زيادة مشاركة المعلومات على سبيل المثال قد يهدد خصوصية الأفراد. ولكن على الحكومات أن تتحرك بسرعة إذا لم تشأ أن يسيطر على السوق حفنة معدودة من الشركات العملاقة.

المصدر

ترجمة بتصرف محدود

 

اقرأ/ي أيضًا:

جوجل.. الشركة الحلم!

معتقدات خاطئة عن فيسبوك