كيف تريد إسرائيل الاستفادة من هجمات باريس؟

كيف تريد إسرائيل الاستفادة من هجمات باريس؟

أحد ضحايا الهجوم على مسرح باتلاكان في باريس 13/11/2015 (Getty)

دعوات إسرائيلية لحرب عالمية ثالثة على الأراضي السورية، تشارك فيها أعظم جيوش العالم برًا وبحرًا وجوًا، تحت ذريعة محاربة الإرهاب واستئصال الإسلام المتطرف.

حان الوقت لنعترف بذلك: نحن في خضم حرب عالمية ثالثة. حرب ستكون مختلفة عن سابقتيها إلا أن رحاها ستدور على امتداد المعمورة أيضًا

فقد نشرت صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية، عشية هجمات باريس الدامية، مقالًا مطولًا لأبرز محلليها للشؤون الأمنية والعسكرية (رون بن يشاي) تحت عنوان "حرب عالمية ثالثة" يصف فيه هذه الحرب المفترضة بين الحضارة الغربية وبين الإسلام الراديكالي، وشكل هذه الحرب وأسبابها وخلفيات وتبعات العمليات الإرهابية في القارة العجوز.

داعيًا الغرب، عقب هجمات باريس، إلى اعتماد التجربة الإسرائيلية في قتل الشباب الفلسطيني في إشارة منه لربط ما حدث في قلب أوروبا بما يحدث في المشرق العربي ورمي كل ذلك في سلة داعش (الدجاجة التي تبيض ذهبًا).

ويقول بن يشاي في بداية مقاله: "نحن في خضم حرب عالمية"، ويستطرد أن الحرب العالمية بين الإسلام الدموي – الأصولي وبين الحضارة الغربية، وبالأحرى كل من ليس بمسلم، يجب أن تكون بلا هوادة، برًا وبحرًا وجوًا.

ويحذر الكاتب الإسرائيلي الغرب من مغبة التراجع عندما يختم قائلًا: ربما في بروكسل لا يودون ذلك – لكن جميعنا على ذات القارب. ولا مجال لإنكار أن موجة الإرهاب هذه ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يسمى "احتلال فلسطين".


حرب عالمية ثالثة

رون بن يشاي_* المحلل العسكري والأمني لصحيفة "يديعوت أحرونوت"

هجمات داعش الإرهابية في باريس ترتبط بشكل مباشر بما يحدث في سوريا وفي العراق. هذا الأمر لا يعتبر فشلًا استخباراتيًا وإنما فشل في إدراك الغرب ورؤيته، ويجب عليه خوض حرب حقيقية ضد الإسلام المتطرف – على الأرض وفي الجو والبحر. ولماذا تعرضت باريس بالتحديد للهجمات؟

حان الوقت لنعترف بذلك: نحن في خضم حرب عالمية ثالثة. حرب ستكون مختلفة عن سابقتيها إلا إنها ستدور رحاها على امتداد المعمورة أيضًا. على الأرض وفي الجو والبحر. هي حرب بين الإسلام الجهادي وبين الحضارة الغربية؛ حرب بين الإسلام المتطرف وبين كل من لا يخضع لمبادئه ولسلطته السياسية.

هذه الحرب ستكون، كما قلنا، برية عبر المدفعيات والدبابات الأمريكية والفرنسية والبريطانية التي ستعمل على الأراضي السورية والعراقية، وعبر عمليات أمنية يتم إدارتها من خارج الحدود من قبل وحدات خاصة ووكالات استخباراتية في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وكذلك في الفلبين والصين وروسيا.

كما سيُدار جزء منها على مياه البحر المتوسط وكذلك عبر الجو من خلال طائرات حربية تقوم بقصف تجمعات داعش والقاعدة في أنحاء آسيا وأفريقيا، وسيتم اتخاذ تدابير أمنية صارمة في المطارات وتفتيش طائرات الركاب في جميع أنحاء العالم. هكذا ستكون صورة الحرب العالمية الثالثة، التي نحن جزء منها، وليس من هذا اليوم.

أصابع الاتهام اتجهت على الفور نحو داعش، وبعد تبني الأخير المسؤولية – يمكننا أن نستجلي الاستراتيجية الثابتة لهذا التنظيم: توجيه ضربات إرهابية موجعة في أماكن يسهل وصوله إليها ويستطيع من خلال هذه الضربات تحقيق انتصار لفكره الأيديولوجي بأقل جهد وأقل مخاطرة.

من الواضح هذه الخطة (الهجمات) بدأت بتفجير الطائرة الروسية في أجواء سيناء المصرية قبل ثلاثة أسابيع. وهجمات باريس تمت وفق ذات الاستراتيجية. ولكن من المفترض أن هذه الخطة استغرق التحضير لها أشهر عدة، بينما اتضحت الصورة مع تفجير الطائرة: فالتنظيم يتلقى ضربات قاسية في كل من سوريا والعراق ويخسر مناطق مهمة في قلب الخلافة الإسلامية التي يتطلع لإقامتها.

لذلك يقوم التنظيم بضرب الخطوط الخلفية لأعدائه، وأوروبا كالعادة أول المستهدَفين. فداعش والقاعدة يفضلون ضرب أوروبا كونها تعتبر عرش المسيحية فلا تزال المنظمات الأصولية تنظر إليها كمعقل للصليبين -كما في الماضي وأيضًا في الحاضر- الذين يقدسون الحرب الدينية والحضارية ضد الإسلام. تم اختيار فرنسا وباريس بالتحديد كهدف للهجمات باعتبار فرنسا تقود جبهة الصراع الثقافي والديني ضد الإسلام المتطرف. ولسهولة تنفيذ هكذا هجمات داخلها.

لماذا فرنسا؟

هناك سبب آخر يجعل من فرنسا هدفًا كون باريس تعتبر مركزًا ومنبعًا للثقافة الأوروبية وهي إحدى أهم العواصم العالمية من الدرجة الأولى

لم تكن فرنسا هدفًا لهجمات منظمة من قبل الإسلام الراديكالي لأنها تطبق مبادئ حقوق الإنسان وحرية الحركة فحسب، بل لأن فرنسا والثقافة الفرنسية تمثل مصدر خوف للإسلام المتطرف الذي يعطي صفة القداسة لحرب إبادة ضدها. فقد سنّت السلطات الفرنسية قوانين تمنع النساء من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، كما أجازت المحكمة العليا الفرنسية لمجلة "شارلي إبدو" نشر رسوم كاريكاتيرية عن النبي محمد. وفي الآونة الأخيرة رفض الرئيس الفرنسي "فرانسو أولاند" طلب نظيره الإيراني "روحاني" المسلم عدم تقديم الكحول خلال مأدبة العشاء التي ستُقام على شرفه. كل هذه الأمور تعتبر تحديات بالنسبة للجهاديين وإلى غاية اللحظة لا يجرؤ أحد في العالم الغربي على محاكاتها (فرنسا). هذا هو السبب الأول والأهم الذي أفقد فرنسا نحو مائة وخمسين من الضحايا الأبرياء.

أما السبب الثاني يعود إلى وجود شريحة من السكان المسلمين في فرنسا تعتبر الأكبر والأقدم على مستوى القارة الأوروبية تعيش في المدن الكبرى، حيث يقطن قسم من المسلمين في الأحياء الفقيرة. ويتلقون الأفكار والوعظ الديني من المساجد في أحيائهم. فقد كان المخربون (يوم الجمعة) يتكلمون الفرنسية بطلاقة ومن المتوقع أن يكون قسم منهم على الأقل مواطنين فرنسيين من أصول شمال-أفريقيا أو من دول إسلامية أخرى في أفريقيا وآسيا. من هذا الباب يتم الاستفادة من السكان لانتقاء الأهداف وجمع المعلومات عنها إضافة لسهولة الهرب بعد تنفيذ العمليات.

ليس من المؤكد بعد أن جميع الانتحاريين تمت تصفيتهم وربما قسم منهم تمكن من الفرار. الأمر الذي دفع السلطات الفرنسية إلى فرض حصار جزئي ونشر أعداد كبيرة من عناصر الجيش في شوارع المدن، واتخاذ ذات الوسائل والطرق التي اتخذتها إسرائيل عندما بدأت موجة الإرهاب (الهبة الفلسطينية الحالية). والهدف من الانتشار الأمني منع "هجمات التقليد" أو استكمال الهجمات؛ سواء من قبل المخربين الذين نجوا بعد التنفيذ أو من قبل مجموعات إسلامية أخرى منفصلة.

السبب الثالث يتعلق بأهمية هذه العملية كون فرنسا تقع في قلب أوروبا الغربية وتحيط بها دول تحتوي جماعات كبيرة من المهاجرين المسلمين. وبحسب اتفاقية "شنغن" التي تسمح لهذه الجموع بحرية الحركة بين الدول الأوروبية الأمر الذي ساعد المقاتلين الإرهابيين بالانتقال كـ "كرة اللهب" من الشرق الأوسط، وتهريب السلاح المطلوب لتنفيذ الهجمات الإرهابية.

كميات ضخمة من السلاح والذخيرة تصل إلى أوروبا من ليبيا عبر صقليا ومالطا اليونان ومن أماكن أخرى كثيرة. هذا السلاح الليبي ينتقل مثل موجات قاتلة في كل أنحاء أوروبا ومتوفر لمن يريد وعملية نقله من دولة إلى أخرى سهلة للغاية من دون أي عناء كما رأينا في هجمات سابقة. ذات الشيء ينطبق على المواد المتفجرة، لذا من السهل بالنسبة للمخربين صناعة القنابل محليًا من مادتي الأسيتون والبيروكسيد على سبيل المثال. فالمعلومات بهذا الخصوص متوفرة ومتاحة لمن يريد ذلك، ورأينا في أيام الانتفاضة الثانية حركة حماس كيف تشرح للمخربين عن كيفية تجهيز الأحزمة الناسفة تحوي بداخلها متفجرات ذات صناعة منزلية قاتلة. وفي العراق حدث أمر مشابه، وها هي فرنسا تذوق اليوم أيضًا من نفس الكأس.

وهناك سبب آخر يجعل من فرنسا هدفًا كون باريس تعتبر مركزًا ومنبعًا للثقافة الأوروبية وهي إحدى أهم العواصم العالمية من الدرجة الأولى. لهذا يحمل تنفيذ ضربات فيها بعدًا أيديولوجيًا كبيرًا. فالرعب تناثر وانتشر بفعالية. ويبدو أن المهاجمين أيضًا أعدّوا أنفسهم جيدًا من خلال الرسائل التي أرادوا إيصالها كي يقتبسها ويتناقلها ضحاياهم الأحياء (مستهدَفوهم)عبر وسائل الإعلام المتعطشة لكل تفصيل. اسمعوا: "أنتم تقصفوننا في سوريا ونحن نقصفكم في باريس".

كانوا يرتدون لباس يلقي الرعب في النفوس ويشبهون الممثلين الذين يظهرون في أفلام الرعب الهوليودية ولكن هؤلاء يحملون سلاحًا ومتفجرات حقيقية. فتنظيم داعش يمزج بين عدم الاعتراف بالعالم الافتراضي مع العالم الواقعي، وهذا هو سر نجاحه وجذبه للشباب المسلم في الغرب.

تغيّر المفاهيم

إلى هذه اللحظة لا تزال دول الاتحاد الأوروبي -ولا مجال للومها- تعطي أولوية للحرية الفردية لمواطنيها على حساب قضية محاربة الإرهاب.

كي تُنفذ عملية إرهابية ضد سبعة أهداف (نقاط) مختلفة تحتاج زمنًا أطول وتنظيمًا محكمًا، وتحتاج تخطيطًا، وتحتاج مخزنًا للسلاح والمتفجرات، وتحتاج انتقاءً للأهداف وتجميع المعلومات حولها قبل التنفيذ، وتحتاج إلى تجنيد منفذين يكون من بينهم انتحاريون مستعدون للموت، وتحتاج لإجراء دوريات استطلاع للمواقع المستهدَفة والاستعداد للجاهزية بالقرب منها قبل البدء. لذا يُعتقد أن هجمات باريس تم الإعداد والتخطيط لها قبل عدة أشهر بانتظار اللحظة الحاسمة والاستراتيجية.

على ما يبدو ليس هناك علاقة تربط بين موجات الهجرة إلى أوروبا وبين الهجمات الأخيرة. المهاجرون الذين فروا بجلودهم حتى وإن اندس بينهم مسلمون متشددون، ليسوا مستعدين بعد لتنفيذ عمليات إرهابية لقلة خبرتهم بالأرض جيدًا مثل مواطني فرنسا (كاملي الجنسية).

هذا ويُعتقد استمرار العمليات الإرهابية ليس في فرنسا وحدها بل في كل أنحاء أوروبا، الأمر الذي يدفع أوروبا نحو تحديث أنظمة المراقبة الكاملة على حدودها، ومعالجة شجاعة للتضارب الناجم بين تطبيق مبادئ حقوق الإنسان وضرورة إرساء الأمن.

إلى هذه اللحظة لا تزال دول الاتحاد الأوروبي -ولا مجال للومها- تعطي أولوية للحرية الفردية لمواطنيها على حساب قضية محاربة الإرهاب. ولكن يبدو حان الوقت لتدرك أوروبا وبالتحديد فرنسا خلاصة مفادها أن حق الحرية الفردية الأهم هو حق الحياة.

ما حدث في باريس لا يعدّ فشلًا استخباراتيًا بحتًا بقدر ما هو فشل في الرؤية يستلزم تغييرًا فكريًا. فالغرب بات بحاجة ملحة إلى تشكيل منظومة استخباراتية مشتركة لتقديم التقديرات والتقييمات ولإصدار التنبيهات المستعجلة. هذا الأمر لا يتعلق بفرنسا والدول الأوروبية فحسب، وإنما روسيا والصين ودول أخرى معنية أيضًا. لذا على الدول الأوروبية تشكيل قوات خاصة لنشرها داخل المدن الكبيرة والمتوسطة وحتى الصغيرة منها، للرد بسرعة والتفاعل مع المعلومات الاستخباراتية.

يجب عليها محاكاة التجربة (النموذج) الإسرائيلية الناجحة في جمع المعلومات الاستخباراتية والعمل وفقها بسرعة من قبل وحدات الشرطة الخاصة ووحدة العمليات في "الشاباك" وكوماندوز الجيش. ولكن من المعلوم أن البيروقراطيين الأوروبيين ومسؤولي الاتحاد سيعارضون هذا النموذج، إلا أن الواقع سيفرض عليهم سنّ قوانين وتشريعات تُجيز للأجهزة المكلفة بجمع المعلومات ووحدات الرد السريع التدخل بشكل فوري وحاسم لإحباط العمليات الإرهابية قبل حدوثها أو التعامل معها بسرعة في حال حدوثها.

إذاً الحرب العالمية بين الإسلام الدموي – الأصولي وبين الحضارة الغربية، وبالأحرى كل من ليس بمسلم، يجب أن تكون بلا هوادة وحاسمة، برًا وبحرًا وجوًا. ولكن ربما في بروكسل لا يودون ذلك – إلا أن جميعنا على ذات القارب. و كلا، لمن يقول إن موجة الإرهاب هذه لا علاقة تربطها بـ "احتلال فلسطين"*.

___________

* يقصد الكاتب الإسرائيلي بـ"احتلال فلسطين"، نضال الفلسطينين من أجل تحرير فلسطين، ولكنه لإسرائيليته بالتأكيد لا يستعمل كلمة تحرير

اقرأ/ي أيضًا:

فرنسا التي تنتقم من نفسها

عن الهجمات الأكثر دموية في تاريخ فرنسا