كوابيس الرجل الفراشة

كوابيس الرجل الفراشة

طبق صيني يعود إلى الفترة بين عامي 1723 - 1735 (Getty)

يد والدي تهزّني بحزم ولكن بلطف، أمرٌ ما ليس على ما يرام، إنّنا في منتصف الليل، صحيح أنّنا عادة ما نستيقظ قبل الفجر للذهاب للعمل، لكن هذا الليل مختلف، سواد مدلهم وعتمة لا تبشّر بالخير. ووالدي يبدو قلقًا جدًا. من مكان نومي رأيت شبّاك المطبخ، ذلك الشباك المغلق الأبدي، أو على الأقل منذ حرب الخليج الثانية حين أُوصد وأُلصقتْ أطرافه بالشريط اللاصق الذي صار اسمه "لزيق صدام". ولم يتزحزح من حينها، أراه درفتيه الآن مفتوحتين على مصراعيهما وتؤولان إلى السقوط كأنّ حافلة دهسته، ولكنها توقّفت قبل أن تجهز عليه تمامًا.

أعود لأتمعّن وجه أبي، القلقُ على جبينه المقطّب بدأ ينتقل إلي: هنالك لص يحاول طردنا من المنزل؟

ماذا؟ كيف؟ على ما أذكر يهرب اللصوص حين يستيقظ أهل المنزل وليس العكس، لكن طرقًا عنيفًا على شباك الغرفة لم يبق لي مجالًا للشك، قفزت من فراشي فزعًا، أبحث عن عصا، ولم أجد أمامي سوى عصا المكنسة كانت تحملها أمي، أعطتني إياها وحملت بدلًا منها سكينًا وهي تكمل تلاوة المعوذات، وأصغيت السمع محاولًا تتبع مصدر الضوضاء في الخارج.

أبي خلفي يواكبني بأنه أستيقظ ليجد اللص قد قام فعلًا بسرقة النقود والمجوهرات المخبأة في الخزانة كأنه يعرف مكانها مسبقًا، وأن اللص يعتقد أن النقود ناقصة وهو يحتاج الباقي (الذي قمنا بصرفه) ولن يترك دون ذلك.

اهجم عبر الشباك المفتوح لأجد نفسي وجهًا لوجه مع شخص لا أعرفه رغم أنه يبدو لي مألوفًا من مكان ما، ربما لأنه يشبهني قليلًا.

أحاول الضرب بالعصا لكن قوة سحرية تثبتني بالهواء، بينما يضرب هو ضرباته التي تصيب مكانًا في روحي وتجعلني أجهش بالبكاء، فيبدأ هو بالضحك.

أبكي ويضحك.. أضحك ويبكي.

أبكي وأبكي ويبدأ هو يكبر ليصبح بحجم المنزل، رجل بحجم منزل غارق في الضحك، بينما بدأت دموعي تصنع بركة صغيرة أغرقت قدمي الحافيتين بالدموع.

وأبي الذي فشل في الخروج من المنزل، كأن هنالك حائطًا من الطاقة يحافظ عليه في أطر محدّدة. ينظر إليّ بقلق، ويصرّ بأسنانه، جعلني أشعر أن هنالك أمرًا ما يمنعه من الكلام.

صوت صغير من الخلف يقول لي، يبدو أنك تحلم، أحقًّا؟ هل أنا ذلك الرجل في حلم جوانغ زي؟

استجمعت طاقاتي لأجبر عقلي على الفرز، استيقظت وأنا أبكي دموعي تبلل المخدّة. أمي تشخر في الغرفة الأخرى، والمنزل على حاله تمامًا، حتّى ذلك الشباك المغلق لا يزال على حاله، عدا الشريط اللاصق الذي لم يصمد أمام الزمن.

والنقود والمجوهرات ما زالت مكانها لم تنقص أو حتى تتحرك قيد أنملة.

وأنا ما زلت أبكي، فهنالك شيء واحد فقط كان ناقصًا، ناقصًا جدًّا: يد والدي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لا أسوأ من كونكَ تشهدُ ما يحدث إلّا أنْ تتخيَّل

شجرة الصلصال