كائنات نابلس التي لا تحتمل خفتها

كائنات نابلس التي لا تحتمل خفتها

تعقيم السيارات في نابلس (تصوير: محمد طيباوي)

مضى أسبوعان على إعلان شبه حظر للتجوال في المدن الفلسطينية. في هذا الوقت، تحولت نابلس إلى سوق كبير. بسطات صغيرة منتشرة في كل شوارع المدينة، تبيع الخضار والفواكه بعد أن وجد أصحابها أنفسهم بلا عمل. حلاقون وأصحاب محلات الملابس وموظفون وعمال بلا عمل، وجدوا في بيع الخضار والفواكه وسيلة لتمضية الوقت.

خلل فترة الحظر، تحولت نابلس إلى سوق كبير. بسطات صغيرة منتشرة في كل شوارع المدينة، تبيع الخضار والفواكه 

المشكلة في ذلك أن السوق، ومع حظر التجوال هذا، أو قل حتى بدونه، تحول مع الوقت إلى مكان يجمع داخل أسواره كل الكائنات التي لا تحتمل خفتها.

اقرأ/ي أيضًا: أيام في نابلس.. هذا جيد سوف ننجو

مساء السبت الماضي مثلًا، جاء زبون من قرية خربثا المبتلاة بأكثر من حالة مرضية، بعد رجوع العمال من فلسطين المحتلة عام 1948. طلبت منه عدم الاقتراب والحفاظ على مسافة أمان كافية، لكنه عن لامبالاة اقترب مسافة الخطر. زبون آخر كان على مسافة خمسة أمتار منا وهو من قضاء رام الله، بعد أن سمع الحديث، أخذ يكحّ بشكل متعمد. ثالث من نابلس، وهو بالأصل متطفل جديد على هذه المهنة التي بلا أصول، نتيجة الإغلاق كان يأتي إلى السوق كل يوم منذ بداية الحظر، تبين فيما بعد أنه من المخالطين للحالة الوحيدة المصابة في نابلس.

قلت في السري إن هذه كائنات غير محتملة خفتها وتذكرت كونديرا. ثم فكرت أن أحد أكثر الأشياء صعوبة على الإنسان هو تغيير سلوكه، وفي لحظات حرجة مثل هذه بلا مستقبل ولا أية شيء، يصير سلوكه أشد تطرفًا وسفالة.

لم يكن كونديرا يرمي في روايته "كائن لا تحتمل خفته" إلى ذلك. لكن بالتأكيد أنه كان من بين مقاصده، ضعف الكائنات التي تأتي كل يوم إلى عملها متسلحة بإرادة الحياة أمام الموت وسفالته "الإنسان"، خصوصًا في اللحظات التي يكون فيها مصيره على المحك.

لكن الموت ليس خيارًا، ولا مرة كان كذلك، يأتي فجأة وعندما يأتي يأخذ أصحابه بكل الأثقال التي حملوها، كما لو لم يكونوا هنا قبل قليل، لم يفتح الباب ولم يحب ويتزوج أو ينجب أطفالًا، لم يكونوا شيئًا.

في اللحظة هذه، كان آخر رابعٌ أحبه، مع ذلك اختار أن يكون مع هذه الكائنات، إذ وجد في الدين وفتاوى ابن تيمية ملاذه من الجانحة. إذ قال على صفحته على الفيسبوك أنه لا يجوز بالمطلق للمسلم الدعاء لدول الغرب الكافر بالنجاة، مستندًا في ذلك إلى فتاوى لعلماء، من بينهم ابن تيمية بالطبع، وتفسيرات لآيات قرآنية حددت في وقت نزولها على الأرجح طبيعة علاقة الدولة الإسلامية الناشئة في حينه مع محيطها. وعلى الأغلب عندما نشر ما نشره على الفيسبوك لم يكن يفكر سوى بنجاته ونجاة جماعته من المؤمنين، متناسيًا بذلك أوقات النزول والآيات الأخرى في القرآن الكريم التي تنفي ذلك، خصوصًا أوقات الشدة هذه، التي لا تميز بين أحد. إنما لا بأس، فابن تيمية عند البعض سند وملاذ في كل الأوقات.

في العودة إلى رواية كونديرا، يقترح البطل توماس على بيرنز، خليلته، الذهاب إلى أعلى التلة يوم الأحد، حيث يلتقي من يريدون التخلص من أعباء حياتهم ويقتل كل واحد فيهم الآخر، وحينما يأتي الدور على بيرنز تذهب وتختار الشجرة التي ستشهد إعدامها، ثم تقرر فجأة أنها لا تريد ذلك، وتقول للقاتل المحتمل: لا، لا أرغب في ذلك.

مع الخوف باتت الفكرة في أن أصير قاتلًا محتملًا أو قتيلًا محتملًا، يحمل من الثقل ما يجعل من كوفيد التاسع عشر في هذه الأيام أثقل أحمال الأرض على الإطلاق

بالطبع لا ينفع أن تقول للفايروس: لا لا أرغب في الموت، ولا أرغب بك في جسدي، أو شيئًا مثل هذا. لكنك تملك خيار الابتعاد مسافة أمان كافية عن هؤلاء، ثم خيار التفكير.

اقرأ/ي أيضًا: العمى و"كورونا" والفقر.. رسائل الخوف

لكن هذا مع كائنات مثل هذه لا ينفع لا خيار التفكير ولا الابتعاد، هم بيننا خفيفون، وبلا أثقال تقريبًا، بحيث يدخلون من الأبواب إلى أمكنة العمل، في الطرقات وعلى الفيسبوك، دون أية شعور بالثقل أو قل دون أن يثيروا الانتباه إلى أن وجدوهم في الحياة كان خطأً كبيرًا.

باتت اللحظات التي أقضيها، تحمل من الثقل ما يكفي لأفكر في كل احتماليات لأصاب بالفايروس، ومع الخوف باتت الفكرة في أن أصير قاتلًا محتملًا أو قتيلًا محتملًا، يحمل من الثقل ما يجعل من كوفيد التاسع عشر في هذه الأيام أثقل أحمال الأرض على الإطلاق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نابلس وأشياؤها

عن مقال عارف حجاوي.. نابلس وعقدها الثلاث