نابلس وأشياؤها

نابلس وأشياؤها

نابلس- المدينة القديمة

أعيش في نابلس وكلما عرفني أحد من أصدقائي على الناس بأني كاتب أشعر بالعار، في الحقيقة لا شيء جيد في أن تكون كاتبًا، أو بالأحرى كاتبًا يعيش في مدينة ريفية مثل هذه، لا مرارة مثل هذه المرارة على الإطلاق. حين أفكر في علاقتي المتوترة مع المكان، أرجع السبب لأني أعيش فيه ومحاصر بصهيله وبتفاصيله الحميمية التي لا توجد في أمكنة أخرى، ثم أقول لنفسي إن كل كاتب حتى لو كان يعيش في نيويورك أو باريس أو بيروت.. لديه مثل هذه العلاقة الجدلية مع المكان، مع اختلاف القصص والعناوين والتفاصيل.

لا يوجد مكان على هذه الأرض إلا ويقول لأصحابه إنه الأفضل في العالم

لا يوجد مكان على هذه الأرض إلا ويقول لأصحابه إنه الأفضل في العالم، وأهل هذه المدينة مثل سكان نيويورك وإن كانوا أكثر بلاغة، يظنون أنهم يعيشون في أفضل مكان، فلا يوجد حلويات مثل هذه التي تصنع في نابلس، ولا يوجد بيوت قديمة مثل الموجودة في بلدتها القديمة، ولا يوجد مثل جمال نسائها، ولا صابون في العالم يضاهي صابونها، ولا زعتر مثل زعترها رغم أني أجد الزعتر القادم من حلب أشهى وألذ، بطبيعة الحال لا يوجد هواء مثل هذا الهواء النابلسي البارد. وقبل أن أقول أني أكرهها أو أحبها: نابلس أفضل مكان على الأرض، لأنها ببساطة المكان الذي ولدت فيه، في المستشفى الإنجيلي قبل اثنين وثلاثين سنة وفي صبيحة الخامس من كانون الثاني لعام 1984، أما الأسباب الأخرى التي تقال وتساق عند مديح المدينة فهي محض مجاملات لا أستطيع تقديمها.

يكمن جمال المدن في نشاطها الإنساني، في قدرتها على خلق البهجة وحملها في الهواء ومنحها في سياق الحب والعمل والحياة للناس والعابرين، في ذلك تقاس المدن وتتميز في هويتها وطابعها عن باقي المدن، وإن كانت نابلس أقدم مدن العالم وأروعها لكل من عرفها إلا أنها تبقى، بالنسبة لي على الأقل، الأكثر إثارة للأسى في العالم، ودائمًا ما أشعر بذلك النقص أمام جمال المدن الأخرى، النقص الذي يجعلك غريبًا أينما ذهبت، النقص الذي يجعلك تظن نفسك أقل من المرأة الجميلة التي تقف أمامك، أقل من أن تفهم اللوحة التي أرسلها لك صديقك من معرضه الأخير، أقل من أن تتصالح مع جمال العالم والمدن الأخرى، لأن درس الجمال الذي تنتظر من المكان أن يمنحك إياه أو يعطيك إياه لدقيقة واحدة غير موجود، ويحجبه عنك الكثيرون في المدينة التي أصبحت بين ليلة وضحاها معجبة بنفسها جدًا، إلى درجة أن ذاتك ككاتب أو شاعر أو إنسان تتلاشى أمام سطوة المدينة وجمالها المفترض، والتي باتت بحكم العرف الاجتماعي، عائلتك الكبيرة التي ترفض اختلافك، أو خروجك من البيت بتاكسي إلى العمل في الثانية فجرًا.

يكمن جمال المدن في نشاطها الإنساني وقدرتها على خلق البهجة 

أقل ما يمكن أن أقوله عن المدينة أنها لم تمنحني هذه القصة وتلك الذكريات التي من الممكن أن أرويها، لم تمنحني تلك التفاصيل التي تكتب القصيدة وتشكلها، لم تعطني تلك الصداقات التي تنبغي، بالنسبة لكاتب يكتب بحواسه الخمس ويحب دون بلاغة، لم يعلق بي أي شيء من رائحتها.

معظم أصدقائي تركوني في المدينة، هاجروا إلى السويد وكندا، أو ذهبوا إلى رام الله، فيما بقيت أنا هنا أبحث عن هذه القصة التي تليق بحاجتي المستمرة للتعثر والنهوض وارتكاب الأخطاء، هذه الأخطاء بالذات، الأخطاء الحميمة سر الجمال الإنساني ومكمنه، بالتأكيد لا تحدث معي ولا تتقاطع مع حياتي، وسأعلل الأمر في عدم التقاطي للتفاصيل الصغيرة التي تشكل في اجتماعها سحر المدينة ولسعتها، إذ أمشي في شوارعها بحذر الغرباء وخوفهم دون أن أصافح أحدًا، أو أفكر في عدم الخروج من البيت.

اقرأ/ي أيضًا:

المقاطعة والبحث عن جبهة أخلاقية

سوريا خطيئة أصلية