كأن أحدهم نسيَ حياته في أيامي

كأن أحدهم نسيَ حياته في أيامي

غلاف الكتاب

قصائد من مجموعة "أكلتني الشجرة" ستصدر قريبا عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت، وهي الثانية بعد مجموعة "أرملُ السّكينة" الصادرة عن الدار نفسها 2010.


أكلتني الشجرة

في الليالي الموحشة/ 
يختبئُ القمر في جزّةِ العشب، يغلقُ الجارُ على أطفالهِ الباب، تكسلُ زوجتي، تسدلُ قلبي عليها وتنام/ تتدحرجُ الجماجم من باب الخزانةِ، تعبث بالقبعات وقناني الكحول/ معارف يتجمهرون مثل دمى محشوة بالهول، يجذّفون في برَكِ الدموع، يرفعون الدفوف إلى فوق عيونهم، يملؤون فمي أحذية وعصافير ميتة/ كأن أحدهم نسيَ حياته في أيامي. في الليالي الموحشة/ تزحفُ الغاباتُ بأشجارها الجائعة إليّ، فأسي واقفة على أنفِها في الحديقةِ/ أكلتني.. أكلتني الشجرة.

كوابيس مؤجلة

لأضع غطرسة الشِّعر جانبًا.
أنا قليل وهيّن
أتنصت على ثغاء الحملان 
وأرتعد.
*
الحملان خرجت عن صمتها
وأنا أكمم أطفالي بالحلوى والصلوات
وأقنعهم أن السلامة في القيد
ثم أحدق في غِلظة البسطار
أمام الصابون الذي دلقته زوجتي 
في شارع الحي
وأرتعد.
*
أمزّقُ الوقت على دراجة هوائيةٍ
وأنا أعدُّ تمامَ أبنائي: 
ثلاثة، اثنان، واحد
ثم أدوسُ بعجلاتها حناجرَهم
وأتبجحُ بالدموع على شهدائي
أمام زوجةٍ ثكلى
نجت بحياتها لكونها ليست ابنتي!.
*
لنضع غطرسة الشِّعر جانبًا.
الريشُ حشو وسادتي يرتعد
وُحوشيَ حشوَ كهوف محاطة بالعصافير 
ترتعد
جسدي في قصرِهِ/ جـُــــثّتي على رصيفها
حتى العتمة/
حتى الضوء
في غرف البيتِ يرتعدان
والسلاح أيضًا
يرتعد.
 
يدايَ بلا قيدٍ المعدن في دمي
* إلى كفار قريش

لن يقفزَ النبضُ 
أعلى من السّورِ 
وسأركضُ في الشِّبرِ 
الذي بيننا.

1

مثلَ أداةِ اللصّ.. 
دعي عطركِ يستديرُ 
في فُتحَةِ القفل/ 
سأخلعُ عنّي المدينة 
وأرتديكِ
سأضعُ الكلبشة في أيدي 
الملاك 
وأطلقُ سراح الرجيم 
في مجرى الدم.

تعالي نجرّبُ 
في دفترِ الرسمِ 
طالما القصائد صلاة نافلة 
في ليلِ المدينةِ وسريركِ.
سأرسمنا معًا 
دونَ ذاك الشّبرِ 
قربَ سروَةٍ محاطةٍ 
بزجاجات البيرة الفارغة
فالمدينةُ تتبعني بسياطِ 
الأخلاقِ الحسنةِ
سأنامُ الليلة في دفترِ الرسمِ 
وأنجو برذيلتي.

احفري في قميصي عميقًا 
هناك.. وأدوا عورتي 
بعثري أشباحها
ثمّ ادفني القميص 
في عينِ الرغبةِ 
ونامي معي في دفترِ الرّسمِ 
لتنجو القصيدة.. 
ستحملُ قفاها وتركضُ 
في الطريقِ 
إلى الصحراء.

لم أخدع الورقة بقصيدتي 
كما لم أخدعك ذاتَ 
خريفٍ بها..
أنا شاعرٌ جاهليٌّ فضتُ 
على القافيةِ 
وقادت "فعولن" الذئب
إلى قصيدتي 
من أذنه.. 
وداستني الناقة في طريقها بي 
إلى الفندُقْ..

سأركضُ 
إلى أن يفرغَ الحذاء 
من قدميّ 
فالبئرُ فارغةٌ من الأسرار
كما أنّ النجوم ثآليل 
تقطفها عيني حينما تصل 
إلى أعلى الدرج.

2

المدينة
تهدي الوردة حيثُ تقطع 
يد عامل
تتّسِعُ كلما ضاقَ مكتَبُ الوظيفةِ
بربطةِ العُنُق.. 
رأيتها تبولُ في الحدائقِ 
ورأيتهم ذقونَ وقلنسوات 
يصفقون إلى جانب 
رجال الأمن
وحدهُ الشاعِرُ من بصقَ 
وتابع سيرهُ 
إلى الصحراء.
أبناءُ سفاحِها
يغرسون على جانبيها 
أعمدة النور 
وتظل معتمة.
كلما لحقتها بالقصيدة 
عضّني كلبها 
وكلما استملتها بوردةٍ 
لاحت لي بوجهٍ 
دون أنف/
سأركضُ إلى أن يفرغ الحذاء 
من قدميّ.

3

لن يقفزَ النبضُ أعلى 
من السورِ 
فقصيدتي تخرجُ نهدها 
لتلطمَ الكون 
ولساني..

يدايَ بلا قيدٍ 
والمعدنُ في دمي قد تحرر 
فوقَ هراواتهم/
سأحفِرُ في الشِّبرِ الذي بيننا 
قبر هذي المدينة
وأقفُ كالشاهدة.

النادِلُ السكران

حينَ يسرقُ المساء الشمس
أنفقُ جَمَلًا آخر في سبيلِ 
نصيحةٍ
تنهضُ بالمعنوياتِ 
تجمعني، بركة وحْل، في بنطالٍ 
وقميص.

ينوسُ الكونُ من خلف النافذة 
كببغاءٍ تقلّدُ الأمس 
الحذاءُ اللامِع، ضَجِرٌ في الزاويةِ
لا شيء يتحرّشُ باكتراثي 
سوى الأصواتِ والروائحِ 
وفكرةٍ تبالغُ في تأنيبِ الكون 
وأبي. 
*

هنالك 
من يبكي في هذه الساعة
وهنالك 
من يغلقون صناديق سياراتهم
على نزهةٍ مشجرَةٍ 
ويمضونَ إلى الفرح
وآخرون يغلقون سيارات الإسعاف
على أرواحٍ تتألُم
نحو حُفرها الكئيبة.
*

لن أسير تحتَ سماءٍ خائنةٍ 
ولن أقبضَ على يد حبيبةٍ 
تخفي خاتم زواجها 
عن شهوتي
لن أحب أمّي كما كنتُ 
من قبل 
سأنامُ مع عاهرةٍ 
لا شأن لها بالقصيدةِ 
ووسامتي..

لن أتنصَّت 
على ما في الوسادةِ 
من كوابيس
ولن آبه بفنجانِ متعجرف 
يرسم الغد بفضْلتهِ 
لن أنامَ قبل أن أضيف 
كلمة جديدة
أو أستيقظ على رائحةِ 
قصيدةٍ في طبق
وسأرسمُ صديقًا أو اثنينِ 
على الجدارِ 
لستُ بحاجةٍ إلى معاونينَ 
يروضون معي 
نهاية الأسبوع.

سأغطسُ صحوي 
في بركةِ 
ويسكي 
وسأخفي النافذة 
خلف كومةِ أثاثٍ قاتم
وسأخفي الباب 
خلفَ ظهري
وأحطّم جمجمتي 
بمطرقةِ العدالةِ.

اقرأ/ أيضًا:

نهاية الحفلة

من أجل رغبة صغيرة