قصة مختصرة عن أخلاق بلاد الفرنجة المحتضرة

قصة مختصرة عن أخلاق بلاد الفرنجة المحتضرة

مهند صبري/ مصر

اعلم أخي الكريم أن الحياة الفاضلة للمسلم هي ما يشفع له يوم النشور، وأن الأخلاق الحسنة هي ما يُحتسب عند الله عز وجل؛ فاحذرنّ المعصية، واجتنبنّ الكبائر. لكل امرئ أجل مكتوب، ومال مقدور؛ لا يستأخر العبد ولا يستقدم ما كتب الله له في كتاب مصون. فوالله ما أطاح بهذه الأمّة إلا بعدها عما هو في التنزيل الحكيم، وما ذلّت إلا بسبب اتباعها النصارى واليهود والزنادقة.

أما بعد، فسنقص عليك شيئًا مما عانينا ورأينا في بلاد الفرنجة، علّ عقلك يتعظ، وقلبك يخشع؛ وما الأدب إلا عظة ودعوة للتفكر في أحوال الرعية؛ فههنا عبرة لك كي تعتبر؛ نكسب منها صدقة إن أصبنا، ونروّح عنك إن لم نصب.

وصلنا هذه البلاد في زيارة ابن عمنا محمد؛ وبلونا فيها الخير والشر وما بينهما، فوجدنا الخيرة فيما اختاره الله، وراحة النفس فيما اعتدنا عليه من كثرة الاستذكار والاستغفار في كل حين. ما سنرويه لك حصل لنا في اليوم الثالث من زيارتنا التي امتدت شهرين كاملين بحمد الله. بعد أن تجوّلنا في المباني الحديثة لجامعته الغرّاء الشهيرة، ودخلنا المخابر العلمية الفخمة، وتجوّلنا في حدائق خضراء، وجنائن ورقاء، قررنا أن نذهب إلى محاضرة في العلوم الإنسانية، وهناك استمعنا إلى باحث في علوم اللغة والعقل، يحاجج أن البشر كلهم متشابهون ومتماثلون. لم يقل المسكين إن كان الله سبحانه خلق الناس متشابهين أم مختلفين، فهؤلاء لا يؤمنون بالخلق، بل بما يدعونه نظرية التطور.

في المساء البارد ذهبنا مع ابن العم وصحبه من أساتذة وطلاب علم إلى وليمة العشاء. طلبنا مقبلات ووجبة الدجاج. احذر أخي المسلم طلب اللحم هنا لأنه حرام، أما الدجاج فحلال لنا. شرب الفرنجة المنكر، وطلب مني ابن العم ألا أعلّق وألا أنصحهم بالإقلاع عنه. صمتّ وأنا أفكر في أن الجلوس مع شارب الخمر حرام. اغفر لي يا الله فما أنا بمرتكب معصية، ولكن الظروف غلبتنا وأذلتنا. كل المسلمين هنا يجالسون السكارى. لا نعرف كيف نخبر هؤلاء الأجانب بما ينفعهم في دنياهم، إن لم يكن في دينهم الذي لم يبق منه شيء. 

شرب القوم كثيرًا من الجعة، وبعض المشروبات الروحية الأخرى. كانوا يتحدثون بأدب جم مع بعضهم البعض، ولا يقاطع أحدهم الآخر إلا ويعتذر كثيرًا. تكلموا في العلوم الإنسانية وفي الشؤون السياسية لبلدهم. يقول بعضهم هذه فكرة ممتازة، ولكن ربما نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر أخرى؛ أجل، أتفهّم تمامًا ما تقوله وأتعاطف معه، ولكن هناك اعتراض صغير أفكر فيه؛ وما إلى ذلك من هذه الآداب التي نفتقدها اليوم بين المسلمين، لابتعادنا عن الدين الصحيح والأخلاق القويمة.

أنهوا الأكل وقرروا الذهاب إلى حانة ليشربوا قليلًا. أصر ابن العم على أننا يجب أن نرافقهم، فهو يجب أن يختلط اجتماعيًا بهم، وأنا يجب أن أفهم كيف يحيا هؤلاء. لم أجد بدًا من مرافقتهم رغم امتعاضي الشديد. غادر بعضهم ولم يتابع الرحلة إلى الحانة.

في الحانة ابتدأ الشرب كما لم أره من قبل. شربوا بكؤوس كبيرة الجعة بأنواعها المختلفة، كما شربوا بكاسات صغيرة ككاسات الشاي خمرًا لا لون له دفعة واحدة؛ بعضهم شرب الويسكي، ويأتي قليل منه في كأس صغيرة مع ثلج، آخرون شربوا النبيذ الذي يأتي بكؤوس خاصة مقعرة لها قاعدة طويلة. شرب القوم وثملوا واحتفلوا طويلًا. 

مع مرور الوقت، احمرّت وجوههم وزاغت أعينهم. أصبح كلامهم ثقيلًا كمرضى المشافي تحت التخدير. كنت أردد لنفسي بخوف، الحمد لله على نعمة الإسلام، الحمد لله على نعمة الإسلام. كان جون، زميل محمد ابن عمي، يقول إنهم ظلموه في توزيع الحصص التدريسية، وأن رئيس القسم يحابي طلابه اللذين يشرف على رسالاتهم؛ أما مسؤول الشؤون التعليمية فيعطي الحصص للطالبة الجديدة لأنه يريد أن ينكحها. ابن عمي كان ثملًا قليلًا، وأصبح وجهه أحمر كوجوه الفرنجة المسودة والعياذ بالله. قال إن جيني ومايا لا يصحّحون أوراق الامتحانات بجدية، بل يقرؤون الأوراق بسرعة ويقدّرون الدرجات بين الخمسين والسبعين. لم يتوقف الثملان عن وصف أجساد زميلاتهم وطالباتهم وموظفات الجامعة. أنا بقيت صامتًا أستغفر ربي مذعورًا. أبتعد عنهما لأجد المدرّسين غارقين في النميمة؛ كل ما يكتبه مايك خراء في خراء؛ لينا غير قادرة على التفكير؛ باميلا تتكلم عن كتب لم تقرأ منها حرفًا... إلخ. على طرف الطاولة الأبعد يتكلمون، والعياذ بالله، عن الجنس بين ثلاثة ومن يتقبّله أو يريد تجريبه.  أغادر الحانة علّي أجد بعض السكينة، ولكنني لا أجد إلا المزيد من السكارى. فتاة تقيء أمام باب المحل، وأخرى تبكي وصديقاتها يواسينها. 

رجل ثمل يقول لي إن زوجته تخونه مع ابن عمه. يصرخ وحده بصوت عال. أعود إلى الحانة لأطلب من ابن العم الذهاب. أجده يقبّل فتاة في الزاوية. أتراجع وأجلس وحيدًا. الضجة غير محتملة والموسيقا الشيطانية تجعلني أخشى جهنم أكثر مما كنت أخشاها سابقًا.

بعد فترة قرر الجمع الذهاب إلى منزل جون. تجاوزت الساعة منتصف الليل، وأنا بين الصحو والنوم. أشعل أحدهم سيجارة حشيش على الطريق، وتبادلوها بينهم. ابن العم يدخن معهم، يدخن ويضحك. أغمي على أحدهم، فحملوه على الأكتاف. سيجارة أخرى يتبادلونها. اقتربت إحدى السافرات مني ووضعت يدها في يدي. يا الله ماذا أفعل؟ حاولت ألا أرتجف. أخذت تسألني عن دراستي وعملي وعائلتي. سألتني، والعياذ بالله، عن علاقاتي. تعوذت بالله، وشرحت لها أنني لا أقرب النساء في الحرام. ضحكت طويلًا، ثم سألتني هل أدخن أو أشرب. حين قلت لا، تركتني وذهبت إليهم.

وصلنا إلى البيت والقوم منهكون. ابتدؤوا جولة جديدة من الخمر بحمية ونشاط. نام أحدهم جالسًا. الألحان الغريبة الشيطانية عادت بصوت أعلى، والقوم يرقصون كأن الجن ركبهم. في الزاوية تشاجر اثنان حول حجة أحدهم في مقاله الأخير. أصر الثمل تمامًا على إهانة كاتب المقال بأبشع الصفات: لم يستطع تعريف المفهوم الذي يناقشه أولًا، لم يفهم الرأي الذي ينتقده ثانيًا، أما ثالثًا فالحجة ضعيفة جدًا، ومستهلكة، ومعروفة منذ زمن؛ كل ما فعله الكاتب هو استخدام مصطلحات جديدة للحجة القديمة؛ المقال فارغ تمامًا إذن. ضحك البعض، والبعض الآخر أخذ يصرخ على الثمل كي يتوقف. ضربات على الباب. الجارة تصرخ بهم جميعًا أن يتوقفوا عن الرقص لأنها تريد أن تنام.

يضحك بعضهم ويقلدون صوتها. تنفجر بشتائم مقرفة عن صاحب البيت وعن حياته الشخصية وزوجته السابقة. يحاول تهدئتها، ولكنها تنهار وتبكي بحرقة. تسأله لماذا انفصل عنها، ولماذا لا يريد أن يكلّمها. تقول إن زوجها السابق انفصل عنها دون أسباب، تعتقد أنه وجد امرأة أصغر بالسن منها. يصرخ صاحب البيت بها أن تغادر حالًا، ولكنها ترفض. يضمها ويقبلها. نغادر البيت جميعًا. 

ما أن وصلنا الشارع، حتى عادوا إلى صخبهم وهزلهم. ابن العم يلهو مع إحداهن، وأنا أمشي وحيدًا في مؤخرة المسيرة. أقترب منه وأقول إننا يجب أن نسرع الآن. يلعنني بالإنجليزية، ثم بالعربية. يتكلم عن المتديّنين المتخلفين؛ تضحك صديقته. يهمس شيئًا ما في أذنها. ثم يتقدّم إلي ويخبرني أنه سينام معها، وأن لا مكان لي في البيت. يجب أن أكون صديقًا مهذّبًا وأن أجد مكانًا ما كي أستريح ريثما ينهي الأمر. يغمزني ويعود إليها. 

أمشي وحيدًا في المقدمة وأحدّث نفسي: "هذا ما تفعله الخمر في الناس. حتى أولاد العمومة تحولهم إلى أناس بدون أخلاق. ألا يستطيع الانتظار؟ وأين سأذهب في هذا الليل والمدينة كلها مقفلة؟ إنها الخمر؛ لعن الله شاربها وحاملها وناظرها. أستغفر الله".

اعلم أيها القارئ أن الجو كان باردًا، بالرغم من أننا في نيسان. لا محالَ أو مقاهيَ على مد النظر. وأنا العبد الفقير لله لا أعلم ما أفعل في هذه المدينة. فتاة بشعر أحمر صديقة لابن عمي وصاحبته تفهم الأمر، وتدعوني إلى بيتها كي أمضي الليل على الديوان. أرتجف من الخوف. أنا يا صديقي القارئ في الثلاثين، ولم أقرب امرأة قط. الحمد لله لن أقرب الحرام ما حييت. يشجّعني ابن العم، ويقول إن مشاكلنا حُلّت. تقول إن الديوان كبير وأن أصدقاءها ناموا عليه عدة مرات. صديقة ابن عمي ثملة، تشجعنا على أن نرتكب الفحشاء. ودّعنا ابن العم على مفترق طريق، وبقينا أنا وهذه الفتاة ذات الشعر الأحمر وحدنا.

قالت لي الفتاة "لا تخف، لن آكلك." 
"لست خائفًا، أنا مرتبك من غرابة الموقف فقط. لست خائفًا أبدًا". 
ضحكت مني، وأنا لم أعرف بماذا أجيب. هل حقًا لا تريد مني شيئًا؟ مشينا وهي تثرثر وتحكي لي عن طفولتها، عن طلاق والديها. الانحلال الأخلاقي في الغرب كبير أيها القارئ، نسب الطلاق عالية جدًا، والأطفال يعانون من كل ذلك. الخمر والمخدرات والحشيش في كل مكان. لا دين ولا أخلاق ولا غيره في هذه البلاد. نحمد الله على ما نحن فيه من نعم في عالمنا الإسلامي. الفتاة شبه الثملة تثرثر عن أبيها وعن زوجته وإخوتها من أبيها وعن أمها وزوج أمها ولماذا لا يحبها أبوها، تقول إنه أخبرها أنها يجب ألا تنام مع الزنجي؛ وأن أمها تحبها حقًا، إلا أن زوج أمها يخرب العلاقة. قالت إنها تود لو تستطيع الهروب من كل شيء في هذا البلد الفاسد القبيح. ثم قالت إنها لا تريد الذهاب إلى أي بلد مسلم. تشعر بالأسى على النساء في البلاد المسلمة. أهمس لنفسي غبية، ولا أجرؤ على قول شيء. الفتاة شبه ثملة ولا نعرف ما ردة فعلها. تقول إنهن مسكينات معذبات، لا يمارسن الجنس قبل الزواج، ثم تضحك طويلًا. حمقاء تافهة منحطة فاسقة. تقول إن النساء مساوون للرجال، وإن كل الأديان اضطهدت المرأة. مخطئة بالطبع، الإسلام كرّم المرأة.

تدخل البيت وهي تغني شيئًا ما. تضع موسيقا جميلة، وتهمس في أذني، "توم وايتس". تشرب بعض الجعة، وتجلس على ديوان صغير مفرد؛ تغني بسعادة. شعرها المفرود الأحمر الطويل، وغمازاتها اللطيفة، وساقاها بالجوارب الرياضية الطويلة، ويداها البيضاوان الغضتان، كل هذا كان أشبه بحلم جميل.

قلت لها أن تتوقف عن الشرب وأنها يجب أن تنام وترتاح. سألتني هل أحببت في حياتي، وما الذي أريده من الحياة. ارتبكت بشدة. رفضت الإجابة عن السؤال الأول. أصرت على أن تسمع، ثم قالت إنني أبدو كإنسان لطيف حقًا، ولو كنت أقل تعصبًا وغباءً لربما كانت ستحبني. ثم أصرت أن تعرف ما الذي أريده من الحياة. قلت أريد أن أرضي الله ورسوله. ضحكت وقالت كيف؟ قلت أن أتزوج بالحلال وأؤسس عائلة وأن يكون لي أولاد ثلاثة وأجد عملًا أحبه. صمتت طويلًا. ثم قالت هيا نرقص.

ضممتها، ثم بكت قليلًا. قالت إنها تريد نفس الشيء. 
نامت وهي تضمني. ولكنني لم أنم طيلة الليل وأنا أراقب شفتيها وأنفاسها وعينيها. 
غادرت صباحًا قبل أن تستيقظ.
أحيانًا، ترسل لي إيميلات تحية وتسألني عن أحوالي. 
أرد دائمًا بحمد الله، وبشوق لا أستطيع كتمانه أحيانًا.

هذه قصتنا في بلاد الفرنجة، وفيها أخبرناك عن شرب الخمر الذي يفسد الدين والدنيا. أرجو يا قارئي أن قصتي لم تصبك بالملالة، وأتمنى أن تكون قد فهمت العبرة فيها. اعلم أن تلك البلاد فيها فسوق وفجور كثير، واعلم أن علينا أن نحافظ على ديننا وأخلاقنا وألا نتشبّه بهم. الحياة قاسية وصعبة في بلاد الفرنجة. أعانهم الله وفرّج عنهم وعنا وعن المسلمين أجمعين. 

اقرأ/ي أيضًا:

نصف بطيخة

نظرية نيوتن السوري