قبائل العالم الأزرق

قبائل العالم الأزرق

مجسم ساخر لمارك زوكربيرغ في إيطاليا (Getty)

تقول إحدى الأساطير إن البشر كانوا ينطقون بلغة واحدة، وقرروا جميعًا بناء برج يستطيعون به الوصول للسماء، فما كان من الله بعد هذا التطاول والتحدي، سوى أن فرقهم وجعل لكل قبيلة لغة خاصة بها، فأصبحوا أممًا متناحرة، وما زالت البشرية تحاول تجميع قواها لبناء برج بابل من جديد، ولعل آخر تجليات هذا البرج وربما إحدى فرصه المتبقية هي ثورة الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي.

تناحر الثقافات والقبائل البشرية وجد له طريقًا للعالم الافتراضي بعد أن كان مقصورًا على الواقع

يرى البعض أن التقدم العلمي والمكتشفات الحديثة سوف تقود البشرية إلى مزيد من التوحد والتضامن، لسبب رئيسي وهو انتقال المعلومات والأفكار بشكل سلس وسريع، بين المجتمعات والشعوب متخطية الحواجز والمسافات، إلا أن هذه المسافات لا تضيق في موضع إلا لتتباعد في موضع آخر.

اقرأ/ي أيضًا: اكتشاف الدهماء

في وقت أصبح فيه حدث ما، بفضل الفيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها، كتفجير في العاصمة الفرنسية باريس، يشعل نقاشًا محتدمًا في الشرق الأوسط على بعد عشرات آلاف الأميال، بين راضٍ عنها أو شاجب لها، كما أصبح بإمكان صورة طفل سوري غرق أثناء محاولة عائلته الهجرة إلى أوروبا، أن تصل إلى مستخدم تويتر وفيسبوك في أقصى قرية في الهند أو أستراليا وتهزه بمعانيها القاسية ودلالتها، وربما تطلق جدلًا بين مستخدمي الإنترنت هناك، عن السبب الذي دفع الملايين من الشعب السوري للهجرة من أرضه.

تناحر الثقافات والقبائل البشرية وجد له طريقًا للعالم الافتراضي بعد أن كان مقصورًا على الواقع، فردود الأفعال لـلقبائل البشرية إزاء النزاعات أو الاعتداءات أو الأحداث السياسية لا تتماثل على الإطلاق، فما يشكل اعتداء بالنسبة لقبيلة، ربما يستدعي التصفيق والتشجيع لدى أفراد هذه القبيلة نفسها، إذا كان موجهًا لقبيلة أخرى، وما يندد به البعض، يبرره أو حتى يصفق به البعض الآخر.

نعم لقد أصبح انتقال الأفكار والمعلومات أمرًا هينًا في ظل ثورة جيل الاتصالات الثالث، التي مازالت تحمل في جعبتها الكثير على ما يبدو، فكل يوم نفاجأ بتطوير أو اكتشاف أو تحديث في هذا المجال، رغم كل ذلك، فإن المسافات بين الشعوب تتباعد، جدران ترتفع في مواجهة الثقافات الأخرى، نعم نرى صورهم وأحاديثهم وأخبارهم على هذه الوسائل، لكنها لن تجد لها مكانًا في عقولنا، قبائل بشرية وجدت وسائل جديدة لجعل هذا العالم عالمًا أصغر بحيث تستطيع الإمساك بزمامه، قبائل أخرى وجدت في هذا الفضاء الإلكتروني فضاء أوسع وأرحب وأكثر أمنًا للتعبير عن ثقافتها، في ظل تغوّل هيمنة قبائل أخرى على أرض الواقع.

اقرأ/ي أيضًا: فيسبوك السوريين.. دفتر لمذكرات الحرب

مقابل كل شخص ينتقل برشاقة من موقع صحفي على الإنترنت في بلده ويعبّر عن ثقافته، إلى موقع صحفي يعبر عن ثقافة أخرى ببقعة بعيدة عنه من الأرض، هناك آلاف لا يتصفحون إلا زوايا صغيرة -تهم أبناء جلدتهم وتطرح همومهم وأفكارهم- من هذا العالم الافتراضي الهائل، والمتاح لأي أحد يمتلك حاسوبًا أو هاتفًا ذكيًا موصولًا بشبكة نت، ولكنهم لا يبحثون إلا على ما يؤكد أفكارهم، ويدحض أفكار الآخرين.

هناك آلاف يتصفحون زوايا صغيرة من الإنترنت، ولا يبحثون إلا على ما يؤكد أفكارهم ويدحض أفكار الآخرين

من الأشياء المعروفة على وسائل الاتصال الاجتماعي (ميزة الحظر أو البلوك)، وبإمكان أي أحد أن لا يرى شخصًا آخر يزعجه على هذه الوسائل بضغطة زر واحدة، ولكن هناك أيضًا إلى جانب هذا الخيار الفردي (حظر جماعي) موجود بعقول غالبية عظمى ممن يستخدمون الإنترنت حول العالم، فتحظر ثقافات أخرى، وترتفع حواجز عالية بين المستخدمين من ثقافات آخرين وبينها، وما كان يراد له أن يكون وسائل اتصال وتواصل إنساني، كان لا يتعدى تجميعًا للقبائل البشرية بثقافاتها وأوهامها عن الآخرين في العالم الافتراضي الهائل.

ما زلنا نكتشف وسائل حديثة تسهل حياتنا وتزيد من راحتنا، ولكن طفرة التقدم العلمي السريعة التي يشهدها العالم، والتي جلبت لنا أيضًا قنابل نووية وهيدروجينية قادرة على تفتيت الأرض، تفرض على البشرية سؤال: إلى أين نذهب جميعًا في خضم منجزات العلم؟

إن فكرة برج بابل لا تزال قابعة في العقل الجمعي للبشرية، ولا شك أنّ هذا البرج ما زال يرتفع نحو السماء، رغم أنه بني من أحجار غير متجانسة وعلى أرضية هشة، فقد تقاربت البشرية على المستوى التكنولوجي والاقتصادي والثقافي ولكن بدرجات مختلفة ومتباينة، ما يهدد بسقوط البرج التقني العظيم الخالي من القيم علينا جميعًا، والذي يشبه "القلاع الخاوية" التي تحدث عنها سارتر يومًا. 

اقرأ/ي أيضًا: 

فيسبوك.. الدولة الأكثر خطرًا في عين إسرائيل

صدام حسين.. حيٌّ في فيسبوك