رؤوف رفاعي/ لبنان

دائمًا ما تبدأ المعرفة بالسؤال عن الأشياء التي نجهلها، وقد قال العلماء قديمًا إن الدهشة هي أول باعث على الفلسفة. إن الكون مليء بالألغاز والمتناقضات التي توقظ إحساس الفضول في الإنسان. وسعيه الدائم وراء الحقيقة يشكل مسارًا نحو الرقي والازدهار فهو دائمًا في الظلام يريد الخروج إلى النور الذي يمثل الحقيقة.

العالم الوحيد الذي يملك الحقيقة المطلقة ولا يريد للآخرين أن يبلغوها هوالعالم الإسلامي

في سعينا لا نريد الوصول إلى الشمس ذاتها، لكن نكتفي فقط بأشعتها الدافئة. وكذلك الأمر بالنسبة للحقيقة فبلوغها أمر مستحيل، بل فقط نحاول الاقتراب منها بالأبحاث والاكتشافات، لأن الكمال ليست من صفات هذا العالم. إذا كل محاولة قام بها الإنسان منذ القدم لفهم ما يجري حوله في هذا العالم ما هي إلا محاولات للتقرب من السطح وملامسة الحقيقة من بعيد، لكن الأمر يختلف في عالمنا الإسلامي المحكوم بثوابت تعد حقيقة مطلقة لا يجب الخروج عنها، فالخروج عنها يُعدُّ زندقة وكفرًا يجب المعاقبة عليه. إنه عالم الشريعة والأحكام التي لم تتغير منذ قرون وبقيت حبيسة بعض الكتب والطوائف. التي سنت قوانين مختلفة تحكم الإنسان أينما كان ووقتما وجد، للأسف إنه عالم منغلق لا يزال يقبع تحت بؤس التخلف والانحطاط، بينما العالم كله يتنافس من أجل مصلحة الجنس البشري ومستقبله في رسالة إنسانية سوف تتخطى أقطار كوكبنا الأزرق.

اقرأ/ي أيضًا: أعزّ ما تملك

العالم الوحيد الذي يملك الحقيقة المطلقة ولا يريد للآخرين أن يبلغوها هو العالم الإسلامي، من عليه الله بكتاب منزول فيه كل قوانين الطبيعة وكل علوم الفيزياء والفلك، حتى علم الأحياء والبيولوجيا تقبع هناك، علينا فقط أن نتمعن في معانيه العميقة والمستعصية على العامة، وكأنه لم ينزل للعالمين وإنما لخاصة فقط. فالكتب جعلت للعامة يقرؤونها ويحفظونها ويتدبرون في معانيها. ولأنه أمر كل البشر بالتدبر في معانيه ولم يفرق بآياته التي تدعوإلى التدبر. لكن لماذا أراد الله أن يجعل كل شيء مطموسًا في الكتاب الذي حفظه المسلمون عن ظهر قلب؟ أليس القرآن والإنجيل والتوراة كتبًا دينية؟ لكن هناك بعض الحقائق العلمية تتناقض مع النص الديني، فهل علينا أن ننكص ونقول إننا لم نفهمه بالشكل المطلوب.

عمل شيوخنا على زرع الخوف في عقول أبنائنا، وعوضًا عن دفعهم إلى طرح الأسئلة صرنا نخاف من كل ما هومختلف، فأوهمونا أنهم يملكون كل العلم ولم يتسن للغرب بعد اكتشافه رغم البحوث الجادة في التراث الإسلامي، وفي القرآن نفسه. وفي نفس الوقت، وجد المستشرقون عدة مخططات للقرآن ترجع إلى عهد الصحابة قد تكون أقدم مخطوطة لحد الساعة وستأتي بنتائج مغايرة لم نكن نتوقعها أبدًا.

وعلى الرغم من كل ذلك فإن شيوخنا لا يخرجون عن فتاوى التحريم والتحليل مكتفين بالنزر اليسير مما أتاحه الإعجاز العلمي، الذي أوهمهم لفترة أنهم أمسكوا بالعصا من وسطها، لكنهم في الحقيقة يقفون على أرض متحركة، لأن العلم يتطور والاكتشافات تتوالى، فاكتشاف اليوم قد يبطله اكتشاف الغد، وهكذا سنجد أنفسنا أمام لعبة فك الألغاز المضحكة لمواكبة التطور بطريقة سمجة.

العالم العربي منوّم منذ قرون لا يهمه ما يحدث خارج إطاره الجغرافي فمهمتهم فقط انتظار نتائج علماء الغرب ليبحثوا بما لديهم ليطابقوه مع الاكتشاف الجديد. لا يهمنا إن كان العلم بحد ذاته إلا لبرهنة معرفتنا المسبقة به قبل قرون من اكتشافه. لا يهم إن كانت الشمس في طريقها نحو الخمود، أو أن البشر يتطورون باستمرار مع مرور الزمن، بجانب كل المخلوقات على وجه هذه المعمورة. ما يزال الفرد العربي مغمورًا بالحقيقة الوحيدة التي يدعي أنه يملكها. بل الأدهى أنه مصرٌّ على جهله بالحقائق ضاربًا إياها عرض الحائط، مبررًا أنه يملك كل شيء، وأفضل شيء يهتدي به ولا حاجة به إلى طلاسم الغرب الكافر. إن من سمات العالم الإسلامي التي يتفق عليها الجميع هي الكسل. فلو كانت الديانات تحمل أجوبة علمية عن كل أسئلتنا الوجودية والغيبية لماذا لا يوجه العالم المتحضر كل تركيزه إلى الكتب السماوية مدخرًا بذلك الأموال الطائلة التي تسرف على البحث العلمي والفلسفي. المتخلف لا يطرح على نفسه السؤال: لماذا وكيف؟ ولا يريد للآخر أن يفعل ذلك وإلا عُدَّ كافرًا خارجًا عن الملة.

التسامح الذي ينادون به لم يكن سوى تضليلًا للآخر، فالشواهد كثيرة عن ما لاقاه ابن رشد من تهجير، وابن سينا وابن الفارض من اتهام بالزندقة، والنهاية المأساوية لكل من ابن المقفع والحلاج ولسان الدين الخطيب، ولا ننسى معاصرينا من الكتاب مثل الطاهر جاووت والسبتي، والكثير من العلماء والمفكرين المعاصرين اتهموا بالكفر، بل قتلوا بسبب أفكارهم الجريئة.

إلى حد الساعة، لا نزال نرفض مناقشة نظرية التطور، ولا نزال نعتقد أن النبي يوسف رآى العدد الصحيح للكواكب التي تدور حول الشمس، ولا نزال نعتقد بانشقاق القمر كمعجزة غير آبهين بانعكاس ذلك على الأرض من أضرار. إننا ننساق بفخر إلى الهاوية تطمسنا الحقائق المزيفة مكتفين بالأوهام والزيف الذي ارتحنا له واستكنا لقراره منذ قرون.

نحن العارفين بكل الأمور لا نريد التعلم، ولا نريد الاعتراف أن سبب جهلنا هو البعد عن الواقع وليس البعد عن الدين، فلا يزال شيوخنا يتلفظون بالاكتشافات العلمية غير معترفين بالفضل للغرب الكافر الذين يدعون عليه كل يوم. الحمد لله أن دعاءهم لا يستجاب له كل جمعة. فتخيلوا معي لو أن دعاء المسلمين استجيب له مع العلم أنهم يدعون منذ مئات السنين؛ لتوقفت الاختراعات ولما تمكن نيوتن وآينشتاين من الوصول إلى الاكتشافات التي بفضلها ننعم اليوم بالراحة. بل لما استطعتم قراءة هذا المقال الآن بفضل الكفار الذين منحونا بركتهم في التكنولوجيا. الحمد لله أن دعاءهم لا يستجاب له. وإلا كان العالم أسود ومظلمًا.

كل باحث صارم نشكك في ولائه للقبيلة، وكل سؤال نقوم بوأده في بداية تشكله حتى نستبدله بالأوهام والخرافات

إذا كان العلم من نور فإن الجهل هو الجانب المظلم للإنسان. الأمور لا تبشّر بالخير في مجتمعاتنا الإسلامية، فكل باحث صارم نشكك في ولائه للقبيلة، وكل سؤال نقوم بوأده في بدايةَ تشكله حتى نستبدله بالأوهام والخرافات. فالخرافات والأوهام جُعلت للكسالى.

اقرأ/ي أيضًا: المانيفستو في ضيافة القرن 21

إذا كانت الأسئلة هي عماد المعرفة فإن السؤال والتفكير في بعض الأمور غير متاح في مجالات معينة كالفلسفة والتاريخ، وإلا فسيعتبر السائل زنديقًا. هل يمكن أن تفكر بصوت مرتفع في إمكانية تزوير التاريخ، وأن القرآن مليء بالكلمات السريانية، هل طرحنا على أنفسنا لماذا حذفت صور من القرآن ولم تحذف أخرى؟ هل سألنا أنفسنا عن إمكانية أن البشر ليسوا لوحدهم في هذا الكون، وأن هناك أكوانًا متعددة، وأن الحياة بعد الموت لا دليل عليها وربما لا تكون موجودة، أو أن أصل الإنسان ليس كما تخيلناه في السابق، طالما هناك أصنام في عقولنا فلن نتقدم قيد أنملة إلى الأمام. فنحن نعبد ما وجدنا آباءنا عليه عاكفين. ورثنا كل شيء عنهم.

إن كان هناك حاجز يمنعنا من الوصول إلى المعرفة فإنه يكمن في عقولنا لا في شيء آخر. علينا تحطيم هذه الأصنام والبحث عن الحقائق مع العلم أنه من المستحيل إيجادها، فقط التقرب منها وهذا جل ما بلغه الإنسان إلى يومنا هذا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

محمد صلاح.. طريق المجد فينا

الجزائريون يخافون الطّائرات