في الفارق بين شياطين الجزائر وملائكته..

في الفارق بين شياطين الجزائر وملائكته..

الجزائر العاصمة

قبل فترة قصيرة تحالفت المؤسستان الأمنية والقضائية في الجزائر، عن طريق الإعلام الحكومي وغيره، من أجل تسويد صورة وزير الطاقة السابق شكيب خليل، حتى بات رمزًا للفساد لدى الرأي العام، وصدرت بحقه مذكرة توقيف دولية، بتهمة تشكيل عصابة أشرار عابرة للحدود نهبت المال العام، في إشارة إلى بعض رؤوس الشركات البترولية العالمية التي كانت تتعامل مع شركة "سوناطراك" البترولية الحكومية في عهده.

قال رئيس الحزب الحاكم في الجزائر عمار سعداني إن جهاز المخابرات ظلم المئات من الكفاءات الوطنية

فجأة نسمع أن الوزير المتهم يغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي يحمل وزوجته جنسيتها أيضًا، بشكل سلس عن طريق المطار، ثم نسمع بسحب مذكرة التوقيف، من دون أي توضيح من وزارة العدل التي أقالت القاضي الذي أصدر حكم الاتهام، ليلحقه وزير العدل نفسُه.

اقرأ/ي أيضًا: تفجيرات بروكسل.. طريق اليمين الأوروبي إلى الحكم

قبل شهر صدم رئيس الحزب الحاكم عمار سعداني الجزائريين بالقول إن جهاز المخابرات في عهد رئيسه المخلوع من طرف الرئيس بوتفليقة الجنرال مدين، قد ظلم المئات من الكفاءات الوطنية، ومن الغبن عدم إعادة الاعتبار لها، ذكر على رأسها السيد شكيب خليل الذي وصفه بالوطني المخلص.

هذا التصريح من رئيس الحزب الحاكم منذ نصف قرن كان تمهيدًا لعودة خليل إلى البلاد بعد ثلاث سنوات من مغادرتها، حيث استقبل رسميًا من طرف والي وهران، وحين سئل وزير الداخلية السيد نور الدين بدوي، إن كان قد أعطى الإذن بالاستقبال، لرجل كان مطلوبًا للعدالة، اكتفى بالقول إن الجزائر لا تتنكر لإطاراتها المحترمة.

الانقلاب في موقف السلطة من الوزير الذي بات رمزًا لنهب أموال الشعب، حتى أنه ظهر في القاموس الشعبي مصطلح "الشكب" كناية عن السرقة الشاملة، أحدث بلبلة في المشهد الجزائري، خاصة بعد أن تداولت مصادر إمكانية أن يكون مرشح النظام في رئاسيات 2019، بين موال يقول إنه رجل المرحلة، بالنظر إلى خبرته في حقول الطاقة والمال، في ظل أزمة مالية أفرزها هبوط أسعار النفط الذي يشكل مصدر الدخل الوحيد تقريبًا، ومعارض بالنظر إلى ما يقول إنها أدلة مادية على فساد الرجل الذي كاد أن يُفلس "بيت مال الجزائريين".

اقرأ/ي أيضًا: تجميل داعش في الصحف المصرية

في ظل هذه البلبلة تطرح هذه الأسئلة نفسها: إلى أي مدى كان اتهام خليل من طرف العدالة ثمرة للصراع الذي كان حاصلًا بين محيط الرئيس الذي يُعد الوزير من أبرز وجوهه، ومدير جهاز المخابرات المخلوع؟ لنفرض أن الأمر كذلك، لماذا لم تكن عودته ثمرة لتبرئة العدالة له، إذ لم نسمع منها تصريحًا أو نقرأ بيانًا، رغم مطالبة أحزاب المعارضة بذلك؟ هل عودة الرجل بهذه الطريقة الغامضة، والتي أقل ما يقال عنها إنها جاءت رغم أنوف الشعب والعدالة والأمن، هي تتويج لاستحواذ محيط الرئيس المريض على مفاصل الحكم، عسكرية ومدنية، ليكون خليل مرشحَه الذي يضمن له مصالحه من جهة وعدم المحاسبة على الملفات السابقة من جهة ثانية؟

يبدو أن المنطق بات الغائبَ الأكبرَ في المشهد السياسي الجزائري موالاةً ومعارضةً

أين الرئيس من هذا كله؟ لماذا يسمح بمثل هذه الخطوات باسمه، وهو يعلم كيف ينظر الجزائريون إلى صديق طفولته؟ فقد حاولت قنوات الإعلام الموالي أن تجد مواطنين يثمّنون عودته فلم تُقابلْ إلا بالازدراء؟ هذه العودة تزامنت مع عودة الوضع الأمني إلى التردي من جديد، إذ أفلح الجيش قبل أيام قليلة في إحباط عمليات من النوع الثقيل، إحداها كانت تستهدف منشأة للغاز الطبيعي، واحتمال عودة الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو، لكن هذه الأحداث الثقيلة في المنطق الجزائري لم تستطع أن تلهي الجزائريين عن التعاطي بحرارة افتقدوها منذ سنوات، مع تبييض السلطة لصورة من يعتبرونه سارقَهم الأكبر.

المثير للغرابة أيضًا أن واحدًا من أكبر الأحزاب الإسلامية، هو حركة مجتمع السلم أقام محاكمة خاصة لشكيب خليل، حضرها وزراء ورؤساء حكومات سابقون، ووجْهُ الغرابة أن هذا الحزب كان شريكًا في الحكومة التي كان الوزير المتهم عضوًا فيها، في إطار ما كان يُسمّى بالتحالف الرئاسي من جهة أولى، ومن جهة ثانية فقد بادر رئيسه السابق أبو جرة سلطاني بالقول أيامًا قبل هذه المحاكمة إن السيد خليل هو رجل المرحلة وقد عاد في الوقت المناسب.

يبدو أن المنطق بات الغائبَ الأكبرَ في المشهد السياسي الجزائري موالاةً ومعارضةً، ليبقى الشعب يمضغ أيامه وأحكامه في صمت أو في العلن الذي هو في حكم الصمت، خائفًا أن يتجاوز إلى مرحلة أخرى قد تشكل منزلقًا أمنيًا جرّب ويلاته قبل أن يجرّبه العرب جميعًا بعقد كامل.

اقرأ/ي أيضًا:

الدونجوان محسن مرزوق

الصومال بين حزم ورعد وغياب