منذ سنوات، لازمتني حالة أشبه بالوسواس القهري "اللذيذ" عند استلقائي للنوم كل ليلة. أتعرفون تلك النصيحة الشهيرة بعدّ الخراف من أجل إجبار النفس على الاستسلام لسلطان النوم، في حال عاندها النعاس؟ شيء مثل ذلك، وإن كان مختلفًا لكونه للمفارقة قد يسبب انتباه النفس أكثر، عوض تهدئتها وإغرائها بعدّ الخراف الوادعة. ما كنت أفعله ببساطة بعد تلاوة أدعية النوم، هو الاستغراق في تخيل نفسي كـ"دوق فليد"، قائد الآلة الأسطورية "جريندايزر" التي عرفتها أجيال عربية كثيرة في طفولتها في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات. بدأ "الحلم" كذلك، ثم أخذ يتطور مع مرور السنوات وتدحرج الأحداث السياسية من حولنا، ولا يزال حلم ما قبل النوم هذا ملازمًا لي إلى اليوم. في بعض الليالي، أذهب إلى فراشي مشحونًا بأخبار العرب، وخاصة في فلسطين وسوريا. أتخيل نفسي قادرًا على التوجه كل ليلة من أوروبا إلى شرق المتوسط على متن جريندايزر العنيد، لأضع لمساتي التي تغير مسار الأحداث وأعود قبل طلوع نهار اليوم التالي، كي أذهب إلى مكتبي في العمل كما لو أن شيئًا لم يكن.

كرمًا لهذا الحلم الوردي، صار خيالي يضرب بالمنطق، أي منطق بما فيه منطق مسلسلات الأطفال، عرض الحائط ويمزج بين مسلسلات "الإنيمي" المختلفة من أجل تحقيق غاياته الطوباوية، فجريناديزر في أحلامي لا يحتاج للانطلاق إلى كل تلك الطرق العديدة المُرقّمة، ذات البنية التحتية باهظة الإنشاء، التي كان يمرّ بعضها في بطون جبال حُبلى بسيول المعادن المصهورة، فهو يغدو في حالات الهبوط والإقلاع صغيرًا جدًا بحجم كرة "بوكيمون" حينما أرغب في ضمه إلى علاقة مفاتيحي في انتظار جولة "قتال" جديدة، أو بحجم أكبر من ذلك يجعله بالكاد كافيًا لاستيعاب جِلستي فيه، حتى يتمكن بذلك من الهبوط والٌإقلاع في حديقة منزلي الخلفية، دون أن يُثير شكوك الجيران وانتباههم، قبل أن يتعملق بالطبع ويغدو جبّارًا لا يُقهر حالما يصعد إلى السماء، خاصة وأنّ الأعداء لا يملكون الوحش "زاري زاري" ليستغل نقطة ضعفه المتمثلة بانعدام قدرته على الطيران حال انفصاله عن "سبيزر"، أو بسبب الوقت الميت الذي يستغرقه في نقل كرسي قيادته بين قمرتي "سبيزر" و"دايزر"، قبل كل انفصال وبعد كل التحام!

أتخيل نفسي لحظة وصولي لفلسطين ومواجهتي بطائرات الإف 16، التي ستغدو تافهة في نظري مع وجود جريندايزر، الذي سيكتفي فقط بالتقاطها بقبضتيه العظيمتين وعصرها

أتخيل نفسي في الطريق إلى بلاد الشام، وجريندايزر يطير فوق المتوسط وفق برنامج "القيادة الآلية"، مع بثه لغيمة تشويشية من حوله تحجبه عن رادارات الدول المحيطة، فيما أذهب أنا إلى السرير الوثير المُعدّ لي في قمرة القيادة، وأضبط منبهي على ساعة الوصول إلى هدف جولتي القتالية، وهذا يُظهر بالطبع نزوعًا "كارثيًا" إلى الدعة والراحة لا يليق بفلّاح فخور بأصوله الريفية!

اقرأ/ أيضًا: حفلة التفاهة

أتخيل نفسي لحظة وصولي لفلسطين ومواجهتي بطائرات الإف 16، التي ستغدو تافهة في نظري مع وجود جريندايزر، الذي سيكتفي فقط بالتقاطها بقبضتيه العظيمتين وعصرها بمن فيها كفلقة ليمون فوق طبق ملوخية. أفكر من الآن في المنشورات التي سيلقيها "دايزر" فوق الجليل، بالتزامن مع فعل "سبيزر" للشيء ذاته بعد أن آمرها بالتوجه إلى الجنوب الفلسطيني، مطالبًا "السكان" هناك أن يحزموا حقائبهم ويتجهوا للمرة الأخيرة إلى مطار اللد إن أرادوا الحفاظ على حياتهم، كما أخطط لكتابتها بلغة مخالفة تمامًا للغة التي عُرفت بها، خشية افتضاح أمر "دوق فليد" الذي في داخلي، على طريقة تخفي "باتمان" "وسوبرمان"، وجمعهما لتلك الحياة المزدوجة. كما أجهز قائمة أهدافي الاستراتيجية، وخطتي لسحق تلك المستوطنة الجليلية الصغيرة لو لزم الأمر، لأستخدمها لإرعاب من حولها، ولأدلل للأعداء على جدية نواياي، في حال لم تكن منشوراتي مقنعة كفاية.

أتخيل تصفيتي لحساباتي مع أعدائي الكثر من الأشرار، ليس أعدائي الشخصيين بالطبع، في كل مكان، وخاصة في كل أنحاء فلسطين وسوريا، مهما اختلفت اللغة التي نطقوا بها. أتخيل دهشة الناس وتساؤلاتهم في فلسطين وسواها عن منفذ هذه العمليات الموجعة، ومرسل هذه البيانات المجلجلة صادقة الوعد، التي تُعطي مواعيد دقيقة لتنفيذ تهديداتها بكل ثقة، مع تأخير بهامش دقائق قضيتها أسرح شعري في مرآة قمرة جريندايزر، وأنا أُحلّق فوق جزيرة قبرص باتجاه الشرق!

أتخيل إصدار بعض الفصائل الفلسطينية الكريهة لبيانات "تتبنى" عمليات جريندايزر، سعيًا منها لشيء من الشعبية أو طلبًا لستر إحدى مخازيها الكثيرة، أو في سبيل الفوز بانتخابات تضمن به الحفاظ على مكتسباتها غير ذات العلاقة أصلًا بكل ما هو وطني. كما أضع خططًا إعلامية من الآن، عبر بياناتي غامضة المصدر وحاسمة اللغة، لفضح زيف ادعاءاتها وخسة مساعيها.

أتخيل نفسي أوزع مخزوني من العنف الأخلاقي المبثوث في أسلحة جريندايزر، على احتياجات فلسطين وسوريا الظامئتين للحرية، فأجعل ليلة لفلسطين وليلة لسوريا، كزوج "غير موحّد" ينشد "العدل" الذي لن يستطيع له طلبًا. أتخيل نفسي أُساند الثوار السوريين في كل أماكن تواجدهم، كي أُغنيهم عن كل ذلك الدعم الخارجي الذي لا يبتغي وجه الحرية التي تقود إلى الله، كما أخطط لاستخدام جريندايزر في غارة نهارية استثنائية على قصر الطاغية في دمشق، كي أضمن وجوده وقادة عصابته فيه. أتخيل فرحة الناس حد البكاء بهلاكه، ودعاءهم المخلص لفاعل تلك الفعلة الشريفة مجهول الهوية، كما أتخيل خروج مشايخ الدروشة على الفضائيات والسوشيال ميديا، يصفون الأمر بالقصف الإلهي، جهلًا بسنن الكون وقوانين الرب في هذا العالم!

أتخيل نفسي بعد أن أخليت الجليل من غاصبيه أهبط بجريندايزر، بحجمه الطبيعي هذه المرة، كي أغرف بكفه بعضًا من ماء بحيرة طبريا، ثم أخرج من قمرته وأغمس نفسي في كفه المملوءة بماء المسيح المقدس، وأدعه يحتفل بطريقته الخاصة مطلقًا لـ"رعد فضاء" بهيج، قبل أن آمر سبيزر، حبييتي الأخرى، بأن تنثر ألوان الفرح والاحتفال على طول الساحل، من رأس الناقورة، مرورًا بحيفا، إلى رفح!

أتخيل كل هذا وقد ألقيت بجثتي المثقلة بالعجز فوق سريري، في انتظار انقطاع حلم ما قبل النوم هذا، باستسلامي لحاجة جسدي لحالة خفض استهلاك الطاقة لبضع ساعات. أستيقظ في اليوم التالي، وأتصفح أخبار الصباح في حاسوبي أثناء تناولي لفطوري، لأجد أن بعض حلمي قد تحقق، حتى لو كان الجزء الكابوسي منه! فها هو "فيغا الكبير" قد غادر قاعدته في النصف المتواري من القمر، وقبع في "تل أبيب" منذ عقود، وله في كل بلاد العرب "بلاكي" و"جاندال" و"زوريل"! ما ينقص حلمي ليكتمل هو جريندايزر، ولا جريندايزر في الأفق!

اقرأ/ أيضًا:
سنوات في المعتقل
الرمادي يليق بك: غامض و"بين البينين"