فيليب يستقيل وكاستيكس على رأس الحكومة.. ماكرون يبحث عن مخرج؟

فيليب يستقيل وكاستيكس على رأس الحكومة.. ماكرون يبحث عن مخرج؟

استقالة فيليب لم تكن مفاجئة (Getty)

رئيس الحكومة الفرنسية إدوارد فيليب خارج قصر ماتينيون، بعد أن قدّم صباح الجمعة استقالته لرئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون. لم تكن هذه الاستقالة مفاجئة، بل منتظَرة، خصوصًا بعد حصول فيليب على عمودية مدينة لوهافر عبر الانتخابات البلدية الأخيرة، وكثرة الحديث عن خلافات الرجل مع الإيليزيه، وعن تعديل حكومي مرتقب. هذا ولم تلبث فرنسا سوى ساعتي زمن دون رئيس حكومتها، حتى عين ماكرون في منصب وزيره الأول رجلًا لا نعرف عنه إلا القليل، جان كاستيكس، الاسم الذي ارتبط بظل الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.

رئيس الحكومة الفرنسية إدوارد فيليب خارج قصر ماتينيون، بعد أن قدّم صباح الجمعة استقالته لرئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون

استقالة غيرُ واضحة لرئاسة الحكومة

صبيحة الجمعة، 3 تموز/ يوليو 2020، دخلَ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوارد فيليب، الإيليزيه برسالة وداع للكرسي الذي شغله منذ منتصف سنة 2017، ولـ 1145 يومًا. استقالة لم يتوان رئيس الجمهورية في قبولها. في بيان رئاسة الجمهورية، الذي أعلن هذا الخبرَ بالحرف، مع إضافة أن "الوزير المستقيل سيتكلف وفريقه الحكومي بإدارة القضايا الراهنة إلى حين تشكيل حكومة جديدة". لم يذكرُ، أو حتى يلمّح، لقابلية إعادة تكليف فيليب بتشكيل الحكومة الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: ماكرون والشرق الأوسط.. ماذا ترك رجل الوسط لأهل اليمين؟

فيما ظلّت إعادة تكليف إدوارد فيليب احتمالًا قائمًا إلى حدود الساعة الواحدة بعد الظهر بتوقيت باريس، حيث أعلن تعيين جان كاستيكس رئيسًا للحكومة الفرنسية الجديدة. احتمال عززه حديث ماكرون الغامض لصحيفة La montagne، بأن فيليب "شخصٌ جديرٌ بالثقة التي أوكلتها له خلال ثلاث سنوات، وبمعيته حققنا ما حققناه من إصلاحات تاريخية كنّا نطمح إليها. الآن نحن أمام رهانات جديدة، وقرارات جديدة يجب تنزيلها". قال هذا عشية الخميس خلال حوارٍ حصري خصّ به الجريدة، وردًا على سؤال صحفيّها: هل قررتم الاحتفاظَ بإدوارد فيليب خلال التعديل الوزاري القادم؟

في تفاعلٍ مع الحدث، غرَّد جيل بويي، النائب الأوروبي والصديق المقرب لإدوارد فيليب، بأنه "فخور بالأيام الـ 1145 التي قضيتها داخل قصر ماتينيون، شكرًا لك إدوارد فيليب وشكرًا لإيمانًيل ماكرون". كما غرّد نائبٌ أوروبي آخر، ستيفان سيجورن، قائلًا: "تحية خاصة لإدوارد فيليب الذي كان رئيس حكومة عظيمًا لفرنسا، وفي عهده أحسنت الحكومة إدارة مشروع التغيير وتحديث البلاد".

كاستيكس بديلٌ من الظل

أتى تعيين جان كاستيكس خلفًا لإدوارد فيليب بشكلٍ مفاجئ، أولًا للغموض الذي لفّ ما إذا كان سيتم الاحتفاظ بالرئيس المستقيل، وثانيًا لأن اسم كاستيكس ظلّ بعيدًا عن الساحة السياسية الفرنسية لمدة، ولم يتقلّد من قبل أي حقيبة وزارية.

"موظفٌ سامٍ، ذو 54 سنة، مستشارٌ في ديوان المحاسبة الفرنسي، عمدة بلدة صغيرة في منطقة البيرينيه، يلقب بـ "السكينٍ السويسري" من مقربيه، اشتغل بوزارة الصحة تحت قيادة كزافييه بيرتراند، وكان مستشارًا رئاسيًا لساركوزي"، بهذه الكلمات تعرف جريدة Le Parisien، رئيس الحكومة الجديد. فيما تطرح مجلّة L’Obs الفرنسية السؤال "من هو  جان كاستيكس؟". لتجيب على لسان مستشار حكومي بأنه: "منتخبٌ محلّي، يميني، وتكنوقراط جيّد. له جانب مقرّبٌ من الشعب، بنظّاراته القديمة ولكنته الملحنة، ما يجعله بعيدًا عن مثال اليميني المتعجرف".

ويسترسلُ ذات المقال بسرد تاريخ الرّجل الذي تأرجحَ بين عدة مناصب، أكبرها ذاك الذي شغله بالإيليزيه إبان ولاية ساركوزي، كما أنه كان البديلَ المحتملَ لوزير الداخلية السابق جيرارد كولومب قبل أن يأخذ الحقيبة كريستوف كاستانير.

فيما تبقى الإشارة المهمة، والتي يرجحها مراقبون لأن تكون السبب الرئيسي في وقوع الاختيار على كاستيكس، هي لعبه دورَ مهندِسَ مرحلة خروج فرنسا من الحجر الصحي، بعد أن كلّف بتلك المهمة في الثاني من نيسان/ أبريل الماضي. إشارة لم ينفيها بلاغ الرئاسة، التي أثنت على اختيارها، بأنه "رجل الخروج الناجح من الحجر" و" المعروف بانفتاحه على الحوار وروح تجميع الآراء". كما "كونه منتخبًا محليًا قادمًا من هوامش البلاد يجعله أكثرَ دراية بالفوارق المجالية الحاصلة" يقول ذات البيان، خالصًا إلى أن هذا ما يجعله "الرجل المناسبة للمهمة القادمة".

مأزق ماكرون وظلال التعديل الحكومي الجديد

منذ أول اعتلائه سدة رئاسة الحكومة، تاريخَ الـ 15 أيار/مايو 2017، لم تعرف ولاية إدوارد فيليب فترة هدوء إلا خلال أشهرها الأولى. بعدَ ذلك انفجرت انتفاضة السترات الصفراء إثرَ تعديل أسعار المحروقات، وبعدها أتى مشروع إصلاح نظام التقاعد الذي فجّر بدوره إضرابًا عماليًا كبيرًا. وحلّت جائحة كورونا منضافة إلى القلاقل التي كادت في أكثر من مرّة أن تعصف بالحكومة الفرنسية.

ذات مسلسل الأحداث الذي أرخى بظلاله على الانتخابات المحلية، والتي عرفت من جهة مقاطعة كبيرة دعت إليها المعارضة على رأسها النقابات العمالية، محققة نسبة امتناع بلغت 59 في المئة. ومن جهة أخرى اكتساح المد الأخضر، وحصد الخضر وحلفائهم رئاسة غالبية بلديات المدن الكبرى. في إشارة واضحة للانحدار الذي تعرفه شعبية نظام ماكرون. تقول مجلة L’Express، في وصف هذه الوضعية: "يود ماكرون نسيان الانتخابات البلدية، منذ اليوم الذي أيقن فيه فشله في التمركز المجالي لقواعد حزبه الشاب، وفي سعيه إلى حصد المدن الكبيرة. مصطدمًا بنسب امتناع كبيرة، و"موجة خضراء" جارفة

سحبت منه حتى المدن التقليدية لليمين، كبوردو ومارسيليا، كما أخذت منه بيربينيون لصالح التجمع الوطني. هذا ما يواجه ماكرون الآن، ويواجه كذلك الوقت االذي يفر من بين يديه".

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات فرنسا أكثر قوة.. تخبط يضرب خطاب السلطة

هي مشاكل ماكرون وحده، هذا ما توضّح بعدَ حصول إيدوارد فيليب على رئاسة بلدية لوهافر، مؤكدًا الفرقَ الشاسع في الشعبية بين الرجلين. فحسب استطلاع رأي أجرته النسخة الفرنسية لهافينغستون بوست، اندحرت شعبية ماكرون 14 نقطة أقلّ من رئيس حكومته. فيما يعتبر 61 في المئة من الفرنسيين أن التزام ماكرون بمعضلات البيئة كاذب، حسب استطلاع آخر أجرته جريدة Les Echos، و43 في المئة منهم يثقون أكثر في إدوارد فيليب مقابلَ 35 في المئة بالنسبة لرئيس الجمهورية، كما أن 57 في المئة من الشعب يودون بقاء إيدوارد فيليب في رئاسة الحكومة.

هي مشاكل ماكرون وحده، هذا ما توضّح بعدَ حصول إيدوارد فيليب على رئاسة بلدية لوهافر، مؤكدًا الفرقَ الشاسع في الشعبية بين الرجلين

"لقد فعّل رئيس الوزراء الفرنسي موهبته في البيداغوجية أثناء إدارة أزمة كورونا، وجسد كذلك قوته في الإدارة. فيما قد فهمَ ماكرون خطرَ هذا الأمر عليه"، هكذا علقت جريدة Le Temps السويسرية على الأمر، في مقال نشرته قبل شهرين وعنونته بـ "إدوارد فيليب، الرجل الذي يرتعد منه ماكرون". حيث نقلت عن مصدر في قصر الإيليزيه نية ماكرون تغيير فيليب، وبالحرف يقول ذات المصدر "هو مصرّ على أن يتم الأمر بهدوء، لهذا ينتظر حصول فيليب على بلدية لوهافر ليعلن تعديلًا حكوميًا"، بعدَ "أن تزايدت قوة الرجل وخشيَ أن تتمرَد رئاسة الحكومة على الرئيس كما حصل في حقبة ساركوزي وفرانسوا فييون". فيما تؤكّدُ مواقع فرنسية أخرى تجاهلَ كل من ماكرون وفيليب لبعضهما خلال الفترة الأخيرة، كدليل على تشنج العلاقات خلال المرحلة الأخيرية وصولًا إلى التعديل الحكومي صباحَ الجمعة.