احتجاجات فرنسا أكثر قوة.. تخبّط يضرب خطاب السلطة

احتجاجات فرنسا أكثر قوة.. تخبّط يضرب خطاب السلطة

أصبحت حركة الاحتجاجات في فرنسا أكثر قوة (Getty)

رفقة إلقاء الجندرمة الفرنسية القبض على مئات المعتقلين وإسقاط بضع مئات من الجرحى أيضًا، بينهم أفراد من الأجهزة الأمنية، عاشت الأراضي الفرنسية، والأكثر تكثيفًا العاصمة الفرنسية باريس، أيامًا لا يمكن وصفها بمصاف الأحداث العابرة، أو الفوضى غير المؤثرة، من خلال ما شاب "انتفاضة" السترات الصفراء المطلبية، وتدحرجها ككرة الثلج نحو مطالب أكثر تسيسًا، من تطورات فاجأت السلطة كما شكلت مفاجأة للمنتفضين أنفسهم. 

عاشت فرنسا أسبوعًا مشتعلًا، وحط ظل مواجهات السبت الأول بثقله على كل الأيام، بينما وضعت الطبقة السياسية التقليدية في البلاد أمام تناقضات محاولاتها ركوب الموجة المطلبية وإدانة العنف

بينما بدت الحركة الاحتجاجية على غلاء أسعار الوقود، الموسومة بحركة السترات الصفراء، أكثر قوة، وسط تخبط واضح من السلطات ومجمل الطبقة السياسية والفواعل النقابية، ووسط اتهامات متناقضة أطلقتها السلطة، ووجدت ما يبررها وسط موجات من التخريب العام، التي تخللت الأحداث،  أعلن القائمون على "تظاهرات  السترات الصفراء" براءتهم منها، ليعيدوا الكرة إلى ساحة السلطة في اشتقاق شاراة العنف، وللمجوعات اليمينة التي تحاول اختطاف الحركة عملًا بآمال زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، الفاشية المتطرفة، مارين لوبان.

تبتدئ صبيحة يوم الثلاثاء 27 تشرين الثاني/نوفمبر، بنهايتها، بإعلان الحكومة الفرنسية رفض استقبال ممثلين عن حركة السترات الصفراء. دقائق قبيل انطلاق هتاف ماكرون: "لقد فهمتكم!".

القائل هنا هو الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في أول خطاب له بعد اشتعال البلاد بالاحتجاجات، يبدو وكأنه استلهم بعض الأنظمة العربية، فقالها على طريقة بنعلي والقذافي ومبارك. بعد صمت دام لأسبوعين، أتى خطابه المنتظر، الذي كان من المنتظر كذلك أن يخلق الضجة، وقد خلقها فعلًا. جاء ملف الطاقة ليكون محور الجدول الأساسي للخطاب، إلى جانب الانتقال الإيكولوجي، بينما صوت السترات الصفراء يردد: "لكن ليس على حسابنا!". بمعنى إعادة نقاش دور إيمانويل ماكرون في صفقة بيع شركة ألستوم الفرنسية وعقودها الطاقية، خاصة النووية منها، لصالح جنرال موتورز الأمريكية. بشكل خاص ما شاب كل الملف من اتهامات بالفساد والتهرب الضريبي والتهرب من العوقبات نتيجة خرق القوانين ودور ماكرون، حين كان وزيرًا للاقتصاد الفرنسي، في كل هذا المعمعان. أي عدم قبول "السترات الصفراء" أن يكون تبرير إخفاقات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتنظيف ملفه الطاقي على حساب خرجتها الحقوقية ضد رفع الضراب وأسعار المحروقات ومجمل الانتهاكات والانتقاصات الحقوقية العمالية.  

اقرأ/ي أيضًاانتفاضة "السترات الصفراء".. الهامش في مواجهة فرنسا المعولمة

محاولات ماكرون.. احتواء بالعنجهية

خطب ماكرون لما يقارب الستين دقيقة، معرجًا على كل ما يهم ملف ما سماه انتقالًا طاقيًا. والذي يكون قلب الزخم الاحتجاجي في البلاد في هذه الأيام. ابتدأ ماكرون الخطاب قائلًا: "قبل أسابيع خرجت إلى الوجود حركة احتجاجية كبيرة على المستجد من أسعار المحروقات، أنتجت مظاهرات كبيرة، وكذلك عنفًا غير مقبول".

لم ينطلق هذا الوصف من فراغ، أو غرض أدبي دبلوماسي، بل جسد موقفًا سياسيًا أساسيًا عند كل سلطة حديثة، مهما بلغت من ديمقراطية. وتأسس عند ماكرون محاولة أخيرة لاستيعاب الحركة، أي أن الدولة تقبل بشكل ديمقراطي الاحتجاج، في حين تجرم العنف، ما يمنح شرعية كذلك لتواجد الأمن لقمع المتظاهرين. لكن هنا يعود السؤال الأساسي الذي من شانه تفكيك هذا الجدل إلى علله الأساسية، من ابتدأ العنف؟ ولماذا؟ إذ أوردت التقارير الصحفية العيانية، وتصريحات منقولة عن المشاركين في تحركات السترات الصفراء أن قوات الجندرمة هي من بادرت إلى منع المحتجين بالقوة من التواجد في محيط قوس النصر، وعليه كان ما كان من اشتباكات تطورت لاحقًا لأحداث تخريب ما زالت السترات الصفراء تنفي التورط فيها أو التخطيط لها. 

تمارس هذه الثنائية كذلك وصاية على الحركة، من منطلق أنكم تحتجون علينا ضمن النطاق المسموح به عندنا، عدى ذلك فهو مرفوض. إذ أضاف ماكرون أيضًا: "إنني لا أمزج بين العنف والمطالب المشروعة". غير أنه ترك الحدود بينهما غير واضحة، مما يهدد في أي لحظة أن ينقلب المسموح في تعريفه عنفًا مرفوضًا من خلال ذات التعريف، والعكس في الجهة الأخرى، أي أن يعود العنف مشروعًا.

من الغريب أن ماكرون نصب نفسه حكمًا في هذه الحالة، على الرغم من اعتبار الطرف الأساسي في المعادلة، أي السترات الصفراء، أن سياسات ماكرون هي ما دفعت بهم إلى الفضاءات العامة بغية الاعتراض الاحتجاجي. بينما حافظ ماكرون على نبرة الوعيد في خرجاته، سواء في خطابه الأساسي، أو تصريحاته الصحفية التي أعقبت عودته من بوينس أيريس إذ قال "لن يكون عندي أي ضعف اتجاه الذين يتلاعبون، يستغلون، أو يبحثون عن العنف. هنا سيكون الجواب عليهم واضحًا: النظام العام فوق كل شيء". ليختصر الرئيس الفرنسي بذلك، من وجهة نظره، مجمل الحركة الاحتجاجية على أنها محاولة لممارسة العنف لا أكثر، وهو ما اعتبره النقابي المشارك في الاحتجاجات بصفته الشخصية، سيدريك فالسون، في حديثه لـ"ألترا صوت" محاولة التفاف وتضليل تستهدف المطالب الأساسية للحركة، وإبعادًا للنقاش من طرف ماكرون عن الدوافع الحقيقية التي جعلت الناس تؤم الشوارع دفاعًا عن معاشها اليومي.

إذًا، يمكن القول أن محاولة الاحتواء التي مارسها ماكرون جاءت عبر محورين، العصا والجزرة. أي أن ماكرون يحاول ترسيخ  فكرة اقتناعه العميق بما يقول، وهو يدعي همين أساسيين: الهم الإيكولوجي، وهم ضرورة خلق عقد اجتماعي جديد للقرن الواحد والعشرين. هذا العقد، كما يُهم من كلام الرئيس الفرنسي، يقوم على فعاليات أخرى، بدور جديد في نظره. بينما بتقصي طبيعة برامج ماكرون، خاصة تعاطيه مع أي مطالب حقوقية شعبية ورده عليها، يتضح أنه لا يقصد إلا البنى التي يقوم عليها واقع إعادة تدوير الشعارات النيوليبرالية، أي نقابات في حدود مصلحة الشركات الكبرى، الجمعيات في شكلها الإحساني، وأرباب الشغل بما تشترطه التوازنات الماكرو اقتصادية.

هذا ما استوقف الباحث الفرنسي/الأرمني سيرج بارسكيان في حديثه لـ"ألترا صوت" قائلًا: "نشهد في فرنسا اليوم نوعًا من السلطة المتملصة من التزاماتها أولًا، تجاه المشاكل الاقتصادية البنيوية التي ورثتها من مجمل أداء الجمهورية الخامسة. بينما لسخرية الأقدار كانت هذه المشاكل تبدو أنها في طريقها إلى الحل عندما كنا نستمع لدعاية ماكرون الانتخابية". كما أضاف بارسكيان أن "المسألة المعقدة في حالة فرنسا، والتي ينكرها ماكرون من طرفه، ولم يتطور خطاب السترات الصفراء بعد بما يكفي لتناولها، هي شكل علاقة السوق والدولة في فرنسا بالسوق والسياسات الأوروبية، أي الاتحاد الأوروبي. يمكنني القول إن ماكرون ما هو إلا الصديق الوفي للمصالح الألمانية وللاشتراطات البنكية الأوروبية، التي شهدنا آثارها المدمرة في بلدان جنوب القارة". 

يتم تلمس أبعاد حديث بارسكيان، والحالة غير الجادة في نقاش المشكلة من طرف ماكرون عبر مطالعة أبرز شعارات حركة السترات الصفراء، "نريد ضرائب أقل، وخدمة اجتماعية أكبر". "نحن نريد عدالة ضريبية". ما يوضح أن الحراك الحالي لا يهدف بشكل من الأشكال إلى تقويض الدولة، أو مصادرة السلطة، كما ذهب ماكرون في زيارته التفقدية إلى قوس النصر صبيحة الأحد 2 كانون الأول/ديسمبر محاولًا التأكيد أن الدولة استعادت السيطرة على معالمها الرمزية والسياحية من سطوة حركة التمرد. ما يعيد المقاربة إلى سلوك الدكتاتوريات العربية في إجابتها حيال المطالب المعيشية التي شكلت المنطلقات المؤسسة لحراك الربيع العربي. 

فرنسا في أسبوعها الثاني

أسبوع مشتعل عاشته فرنسا، وظل مواجهات السبت الأول يحط بثقله على كل الأيام، والسياسيون يدينون تباعًا ما وصفوه بالعنف التي شهدته المظاهرات. من أقصى اليمين وأقصى اليسار، صوت المتناقضات الشعبوية؛ مارين لو بان وجان لوك ميلانشون لا يخفيان نسقهما المعارض، وتعاملهما مع الحركة "انتهازي" محض. تحت إطار المعارضة الراديكالية لنظام ماكرون، يشكل خطاب تضامنهما مع السترات الصفراء لا من منطلق المطالب، بل لتبيان وجود هذه المطالب مسبقًا في برامجهما السياسية. هذا البحث المضني على الرغم من توظيفه المفترض لصالح التيارين، إلا أنه يثبت فشلها في استيعاب الشعب إلى جانبها، ولولا ذلك لم يكن الشارع الآن حله الوحيد، إضافة إلى الإجابة المترية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أتت بماكرون بشق الأنفس، بعد أن احتدم الصراع البرامجي بينه وبين لوبان وميلانشون في محاولة اللعب على الوتر العمالي.

يمكن القول أن حالة الحياد السياسي التي جسدتها حركة السترات الصفراء لا تمثل فقط اختيارًا استراتيجيًا، بل هو في واقع الحال؛ أن الصراع يدور في معزل عن الأشكال الديمقراطية الجمهورية، وبعيدًا عن ما هو موجود من الشيع السياسية المؤسسية، شيع حيدتها سياسات التقويم الهيكلي بحديد انتهاك متطلبات حياة العمال.

سبت فرنسي ممسوس بسينما هيتشكوك

طوال الأسبوع والحركة في الشارع، سترات صفراء تغلق محاور السير بين المدن الكبرى، تظاهرات من وقت إلى آخر. ليست بحدة ما عرفته باريس عشية السبت السابق، لكن ولإبداء نية جادة للخروج من هذا النفق المسدود، رشحت الحركة لجنة تمثيلية ودعت إلى الحوار مع الحكومة. إدوارد فيليب يرفض بداية، غير أن السخط الذي استفزه خطاب ماكرون، دفعه لطلب لقاء ثاني.

مرور أيام الأسبوع لم يزد السخط إلا نضجًا، إذ كان لخطاب رئيس الجمهورية أثر عكسي. وأثبت استطلاع للرأي أن 84% من الفرنسيين يجدون مطالب حركة السترات الصفراء محقة، و75% منهم يساندون الحركة، أما ميلانشون فصرح للقناة الثانية الفرنسية: محاولة ماكرون لتهدئة الوضع فاشلة!

لا تمثل حالة الحياد السياسي التي جسدتها حركة السترات الصفراء  فقط اختيارًا استراتيجيًا، بل يمثل في واقع الحال؛ أن الصراع يدور في معزل عن القوى السياسية التقليدية

الكل يترقب، أتى يوم السبت الموعود، كريستوف كاستانير يعد بعدم تكرار سيناريو السبت الماضي، بتضييق الخناق على جادة الشانزيليزيه، تأمينه، وفرز المتظاهرين.

مع تعاقب الساعات، تحتشد جموع السترات الصفراء محتلة نصب قوس النصر التاريخي. انفلات أمني وبداية الصدام، عمليات شد وجذب بين قوات الشرطة والمتظاهرين، والمتاريس تضرب على محيط النصب، أما الأمن فيسعى إلى تفريق الجموع بوابل من العصي والقنابل المسيلة للدموع.

اقرأ/ي أيضًافرنسا..موجة احتجاجات جديدة ضد قانون العمل

لم تقف المواجهات عند تلك النقطة، ومع استعار الصدام انبثقت بؤر أخرى للعنف في الأحياء الجانبية، وإصرار المتظاهرين للوصول إلى قصر الإليزيه. دام العنف اليوم كله، مشاهد من دم ونار حضرها العالم، إحراق مباني، إحراق سيارات،  تخريب متاجر ومطاعم، هجمات على البنوك.

كانت الحصيلة حسب كريستوف كاستانير، وزير الداخلية الفرنسي، 412 معتقلًا على خلفية الأحداث، 378 منهم وضعوا رهن الحراسة النظرية، 187 حريق وأضرار تقدر بمليون يورو لقوس النصر وحده، و133 جريحًا منهم 23 من قوات الأمن، و أكثر من 10000 قنبلة مسيلة للدموع استخدمت في قمع الجماهير.

صدى الأحداث

خلقت الأحداث، لهولها وخصوصيتها، ردود فعل كبيرة خاصة في الوسط الفرنسي. وطغى على لغة كل من عبروا عن رأيهم حول القضية خطاب الفصل بين الحركة والمخربين.

بلغ هذا الفصل مداه مع التشكيك بوجود مؤامرة ضد فرنسا، وهو ما قاله وزير الداخلية، الذي استضافته قناة BFM: "إن من قاموا بهذه الأعمال مخربون مدربون، مهنتهم خلق الفوضى". في حين علَّق ماكرون، من بوينس آيرس، أنه يرفض بشدة العنف، ولا شيء بالنسبة له يبرر مهاجمة قوى الأمن، والسطو على المحلات التجارية، وتهديد أمن المارة والصحفيين.

بينما كانت الأحداث في شدة استعارها، نشرت مارين لوبان تغريدة تطالب فيها السترات الصفراء بالانسحاب، وترك المخربين وحدهم في الساحة ليتم اجتثاثهم من طرف الشرطة. بالطبع لم يلق هذا البيان تفاعلًا يذكر، والسبب هنا يفشل نظرية وزير الداخلية حول انتماء السترات الصفراء لليمين المتطرف، ويعزز الافتراض القائل أن لوبان حاولت من جهة ركوب موجة الاحتجاج، ومن جهة أخرى الظهور بمظهر السياسية العقلانية، وكأن حزبها لم يتورط قبلًا، والآن، وفق اتهامات السترات الفراء، بأعمال تخريب شبيهة.

من قلب ميدان النجمة، وبخلفية سينمائية من دخان القنابل المسيلة للدموع، ينطق صوت عاقل، أشيب معتمر بسترة صفراء: "قبل سنوات كنا نعيش ربيعًا عربيًا، وها نحن الآن نعيش شتاء أوروبيًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

 هل فازت مارين لوبان بالانتخابات الأمريكية؟

ترامب يعود بأمريكا إلى أجواء 11سبتمبر