فيلم

فيلم "The Great Hack".. هكذا يتم التلاعب بك

من الفيلم (IMDB)

عندما نقوم بإنشاء حسابات جديدة على مواقع التواصل، لا يقرأ معظمنا الشروط والقوانين التي يضعها المسؤولون عن هذه المواقع ونقوم بالموافقة عليها مباشرةً، وتمنح هذه الشروط والأحكام هذ المواقع الحقّ لهذه المواقع باستخدام بياناتنا ومعلوماتنا الشخصية في أمور تسويقية وإعلانية وما إلى ذلك. ولكن هل يكفي تنازلنا هذا لكي يجعل عملية استخدام بياناتنا أمرًا قانونيًا؟

تحتفظ مواقع التواصل العملاقة بمليارات البيانات عن مستخدميها، وتستطيع بناء تصوّر واضح عن كل مستخدم

تحتفظ مواقع التواصل العملاقة بمليارات البيانات عن مستخدميها، وتستطيع بناء تصوّر واضح عن كل مستخدم، من أنظمة وخوارزميات تلاحِق ما يكتبه وما يعجب به وما يشاهده. وتقومُ الشركات الكبرى بشراء هذه البيانات والاستفادة منها للترويج لمنتجاتها، لما لها من أهمية كبيرة في مساعدة الشركة على فهم طبيعة السوق وتوقّع حاجات ومتطلبات كل مجتمع. كذلك يستفيد القادة السياسيون من هذه البيانات لإجراء دراسات وإحصاءات لتحديد ميول المواطنين وتطلعاتهم. وقد فاقت قيمة البيانات التي بيعت في العام 2018 قيمة النفط المباع حول العالم في السنة نفسها!

كامبريدج أناليتيكا توصل ترامب إلى البيت الأبيض

يتناول الفيلم الوثائقي "The Great Hack"، الذي ُنتج في العام 2019 ويُعرض على نيتفليكس، قضية الحريات الرقمية، وقانونية استخدام بيانات المشتركين لأسباب مختلفة. يسلّط الوثائقي الضوء بشكل أساسي على عمل شركة Cambridge analytica البريطانية المتخصصة في مجال الإستشارات السياسية، والتي لعبت دورًا كبيرًا في دعم حملة بريكست المطالبة بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. النجاح الذي حققته الشركة مع بريكست دفع دونالد ترامب للاستعانة بخدمات الشركة في معركته لرئاسة الولايات المتحدة في العام 2016.

اقرأ/ي أيضًا: ضمن سلسلة "Nova".. في زمن ذاكرة الجيب

كانت كل استطلاعات الرأي وشركات الإحصاء ترجح فوز هيلاري كلينتون بسباق الرئاسة إلى البيت الأبيض، لكن ترامب فاجأ الجميع وظفر بكرسي الرئاسة. لعبت كامبريدج أتلانتا دورًا كبيرًا وساعدت ترامب على الفوز، من خلال آلاف البيانات التي جمعتها حول الناخبين الأميركيين، فهمت من خلالها توجهات الناس ومخاوفهم. حصلت الشركة على معلوماتها بشكل اساسي من موقع فيسبوك، إضافة إلى مواقع أخرى كغوغل ويوتيوب وحددت الشركة مجموعات الناخبين القادرة على تحديد هوية الفائز بالاعتماد على توزعهم على الولايات، وركزت بشكل خاص على الناخبين المترددين الذين لم يحددوا موقفهم بعد. أٌغرِقت صفحات المجموعات الناخبة بآلاف الفيديوهات والإعلانات قبيل الانتخابات، والتي صبت كلها في دعم أفكار ترامب، والتحذير من خطر المهاجرين والتأكيد على أهمية بناء الجدار على الحدود مع المكسيك، أو في التقليل من قيمة هيلاري كلينتون والتشكيك بقدرتها على قيادة البلاد، والغمز من قضية مونيكا لوينكسي أواخر التسعينات للقول بأن امرأة عاجزة عن التحكم بمنزلها لا يمكنها التحكم بمصير بلد كأمريكا. 70 ألف صوت فقط رجحت فوز ترامب في النهاية، عرفت كامبريدج أنالاتيكا تمامًا أين ترمي شباكها.

بالإضافة إلى أميركا وبريطانيا، عملت كامبريدج أناليتيكا في عدد من الدول النامية ككينيا، غانا، ليتوانيا وغيرها. وكان للشركة تجربة كبيرة ناجحة في ترينداد وتوباغو حيث يتنافس في انتخاباتها حزبا السود والهنود. لجأ حزب الهنود للشركة لرفع فرص فوزه بالانتخابات. فهمت كامبدريدج سلوك المجتمع التريندادي جيدًا من خلال دراسة آلاف البيانات التي حصلت عليها من فيسبوك، ما ساعدها في خلق خوارزميات وأنظمة تشرح الطريقة التي يتحرك فيها الناخبون. انشأت كامبريدج صفحات على فيسبوك تشجع على تشكيل فرق للرقص في الشوارع والتعبير عن سخطها ورفضها للأحزاب كافة. تأثر الفئات الشبابية كثيرًا بهذه الفرق التي انتشرت بشكل مخيف وانخرطوا بها. قرر الشبان مقاطعة الانتخابات، ولكن مجتمع الهنود الحمر في ترينداد يتميز بالتماسك العائلي، وقدرة الأب على التحكم بكل القرارات الأمر الذي قلب النتيجة. في يوم الانتخابات انتخب الشبان الهنود حزب الهنود بأمر من آبائهم، فيما قاطع الشبان السود الانتخابات، وفاز الهنود في الانتخابات. حقتت الخطة التي وضعتها كامبريدج نجاحًا باهرًا.

استدعى القضاء الأمريكي مطلع العام 2018 مارك زوبركرغ مؤسس فايسبوك للاستمتاع إلى إفادته بشأن تسريب موقعه لبيانات أكثر من 87 مليون مستخدم لشركة كامبريدج أنالاتيكا. اعتذر زوكربرغ علنًا عن التقصير الحاصل في حماية معلومات المستخدمين وتعهد بعدم حصول هذا مرة أخرى.

ظهر الرئيس التنفيذي لشركة كامبريدج اناليتيكا وهو يتفاخر في جلسة خاصة بدوره الكبير في إيصال ترامب إلى رئاسة أمريكا

قرّر دايفيد كارول، وهو استاذ جامعي، متخصص بعلم البيانات، مقاضاة كامبريدج أنالتيكا بتهمة التلاعب بالناخبين، واستخدام بياناتهم بطريقة لا تضمن حسن سير العملية الديموقراطية. كما طالب كارول إدارة فيسبوك التوقف عن استخدام بياناته ومعلوماته الخصية في أي عملية تقوم بها المستبقل، وبدأ بالعمل على حشد مؤيديين له يطالبون باستعادة بياناتهم.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Born In Syria".. رحلة الهاربين من الجحيم

وفي ربيع 2018، نشرت القناة الرابعة البريطانية مقاطع فيديو تظهر الرئيس التنفيذي لشركة كامبريدج اناليتيكا ألكسندر نيكس وهو يتفاخر في جلسة خاصة بقدرته على تشويه صورة قادة سياسيين في دول مختلفة، كما يتفاخر في تسريب آخر، بدوره الكبير في إيصال ترامب إلى رئاسة أمريكا. ويظهر الوثائقي شهادات لموظفين سابقين في الشركة، شعروا بأن الشركة خدعتهم في عملهم وأنهم فوجئوا لاحقًا بطبيعة العمل القائم على خداع الناس والتلاعب بهم غضافة إلى انتهاك خصوصياتهم، و قد قدموا شهادات علنية امام القضاء البريطاني. أوقِفت كامبريدج نهائيًا عن العمل في أيار 2018.

اقرأ/ي أيضًا:

رحلة في عالم الثقوب السوداء

فيلم "The Age of Idaline".. ثلاثية الحب والزمن والموت