ضمن سلسلة

ضمن سلسلة "Nova".. في زمن ذاكرة الجيب

من الفيلم

من ضمن سلسلة الوثاقيات التي تقدمها، والتي تُعرض على نيتفليكس، خصصت "Nova" إحدى حلقاتها للحديث عن الذاكرة والألعاب والمسابقات المرتبطة بها. ويتضمن الوثائقي شهادات حية لأربعة من أبطال العالم في هذا المجال، من الولايات المتحدة، ألمانيا، المملكة المحتدة ومنغوليا، وتحضيراتهم للمشاركة ببطولة العالم 2018، إضافة إلى نصائح وإرشادات يقدمها للمشاهد لتدريب ذاكرته وتطويره، وعرض التقنيات والإستراتيجيات التي تساعد في ذلك.

بل يزال العلماء يكتشفون حتى الآن طاقات إعجازية كامنة في ذاكرة الإنسان

يقسم علماء النفس الذاكرة إلى ثلاثة أقسام: الذاكرة الطويلة والتي تعنى بالذكريات القديمة، كأن نتذكر حدثًا حصل معنا قي سنوات طفولتنا الأولى، والذاكرة العادية وهي المرتبطة بالعادات اليومية كتذكر الوجوه والأسماء وتسمى "الذاكرة العاملة"، أما القسم الثالث والذي يأخذ الحيز الأكبر من الوثائقي، فهو الذاكرة القصيرة، ويتعلق بالقدرة على تذكر مجموعة كبيرة من الأرقام، الأسماء أو أوراق اللعب.

في البداية يجب التمييز بين أصحاب الذاكرة القوية الذين بإمكانهم حفظ أسماء عواصم الدول، أو عشرات أرقام الهاتف وما إلى ذلك، وبين أصحاب الموهبة في استذكار كمية كبيرة من المعلومات التي تمر أمامهم خلال فترة قصيرة. وقد بدأت دراسة الذاكرة قصيرة الأمد قبل آلاف سنين، ومع ذلك فإن العلماء لا يزالون يكتشفون حتى طاقات إعجازية كامنة في ذاكرة الإنسان، وقدرتها على استذكار عشرات المعلومات خلال فترة قصيرة في حال الخضوع لتدريب علمي.

وظهرت فكرة الذاكرة القصيرة خلال العهد الإغريقي، عندما دُعي الشاعر سيمونيديس ليلقي أشعاره في أحد المعابد، خرج سيمونيديس من المعبد ليأخذ استراحة ويلتقي ببعض المبعوثين، وفجأة انهار المعبد ومات سحقًا كل من في داخله. ولأن الانهيار كان هائلًا وكان من المستحيل تمييز هوية القتلى، استُدعي سيمونيديس الذي نجا بأعجوبة بسبب تواجده خارج المعبد لحظة انهياره، وطُلب منه تذكر مكان جلوس كل ضيف حول الطاولة خلال إلقائه الشعر، للتعرف على هوية الجثث. رسم سيمونيديس صورة القاعة في رأسه ونجح في تحديد هوية الجثث. منذ تلك الحادثة، أولى اليونانيون أهمية لموضوع الذاكرة القصيرة وبدأوا بدراستها. وتُعرف اليوم عملية استذكار المعلومات الفورية باسم "تقنية الذاكرة القصيرة".

ينصح أبطال الوثائقي الأربعة طلاب المدارس والجامعات بالعمل على تدريب ذاكرتهم وتقويتها، لما لذلك من أهمية كبيرة في حياتهم الشخصية والعملية. يقول أليكس مولين من أمريكا إن الشركات الكبرى تضع أهمية كبيرة لموضوع الذاكرة، وأنه يدعى بشكل دوري لإعطاء محاضرات حول تطوير الذاكرة لموظفي الشركات. أما يانجا من منغوليا فتقول إن الذاكرة القوية هي ميزة وعامل إيجابي لتعلم اللغات ولتطوير المهارات، وتضيف ضاحكةً: لكنها على العكس تمامًا فيما يخص بناء العلاقات والمحافظة عليها. ماغديبورغ من ألمانيا يقول إن دور الذاكرة تراجع مع الزمن، فقبل آلاف السنوات كان المحاضرون الإغريق والرومان يلقون محاضرات تدوم لعدة ساعات، بدون أن تكون أمامهم أوراق وأقلام لعدم توفرها يومها، أما اليوم فإن كل إنسان يمتلك "ذاكرة جيب" متمثلة بهاتفه الذكي.

أولى اليونانيون أهمية لموضوع الذاكرة القصيرة، وتُعرف اليوم عملية استذكار المعلومات الفورية باسم "تقنية الذاكرة القصيرة"

يعتمد أبطال العالم استراتيجيات مختلفة لحفظ سلسلات الأرقام أو الصور. يستطيع الموهوبون في هذا المجال حفظ 52 ورقة لعب مبعثرة عشوائية خلال أقل من دقيقة. يقول أليكس مولين إنه يربط الأوراق بصور معينة، فحفظ الصور أسهل من حفظ الأوراق المجردة. (الخوري الكبة مثلًا هو الجد الذي نحبه)، وبالتالي فإنه يحوّل الأوراق إلى قصة قصيرة في رأسه يستطيع استرجاعها خلال ثوان. يمتلك نيلسون اليوم قناة على يوتيوب، يعطي فيها دروس للذين يريدون تطوير مواهبهم في ما يخص الذاكرة. أما في ما يتعلق بالأرقام، فيمكن تحويل الارقام إلى رموز، فمثلًا إذا كان عليك حفظ سلسلة من الأرقام في إحدى المسابقات مثلًا: 1، 5 ، 7 ، 8 ، 4 .. يمكن للمتباري مثلًا ربط الأرقام الثلاثة الأولى 175 بحدث أو رمز معين، والأرقام الثلاثة الثانية برمز آخر وهكذا، فتتحول سلسلة من 30 رقمًا إلى 7 أو 8 صور يمكن حفظها بسهولة. الصعوبة تكمن في التدرب على تحويل الأرقام إلى صور خلال فترة قصيرة وحفظها في الدماغ.

اقرأ/ي أيضًا:

لا يحصل المتميزون في مجال الذاكرة على جوائز مادية، ولا يحظون بالشهرة إسوة بالمتميزين في المجالات الأخرى، ومع ذلك فأنهم يستمتعون بما يفعلونه، ويشجعون الناس على الاهتمام أكثر بذاكرتهم والعمل على المحافظة عليها. يقول أحد الأبطال أن الذاكرة الفردية الحية هي ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات، فيما الذاكرة الجماعية للشعوب هي التي تصنع الحضارة. يقول أليكس مولين: أتحداكم أن تذكروا لي فكرة إنسانية واحدة غير مرتبطة بالذاكرة.

اقرأ/ي أيضًا: