12-أغسطس-2023
لقطة من الفيلم (Newyorker)

لقطة من الفيلم (Newyorker)

تُظهر شركة "والت ديزني" وذراعها القوية لفنون الأنمي "بيكسار" ثقة كبيرة بالنفس. ففي كل تجربة جديدة يتسرّب إلينا، من بين ثنايا الحكاية المشوقة، مدى قوة البحث الاجتماعي والاشتغال الفلسفي التاريخي، الذي توظفه بعناية فائقة في صناعة الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد. وكعادتها في إنتاج أفلام الأنيميشن، تبدو ديزني مُلزَمة وملتزمة بالحكاية إلى أقصى حد، مُخلصة للاستمتاع والترفيه، ووفية لتقاليد قص الحكايات بأمانة. لكنها، بهذا الانحياز للحكاية، تُبدي عدم اكتراث بالتأويلات والتحليلات، وتجعلها بفضل الحبكة القوية والدفع نحو الاستغراق والمتعة، أمرًا شخصيًا جدًا يعود للمشاهد، "الزبون"، والكيفية التي يتلقى بها.

تكمن براعة ديزني في قدرتها على ستر المعاني والدلالات والرموز والتمويه عليها بحيث لا تعترض تقدّم الحكاية، ولا تفرض نفسها على السياق أو توجهه، وكأن سرها الكبير لا يتعلق بما تعرضه بل بما تخفيه، فنرى أن خلف ذلك الانضباط الإيقاعي في الحكاية، والمعالجات البصرية المبهرة، جهدًا بحثيًا وفلسفيًا عميقًا. وهي، أي "ديزني"، على قدر من الشجاعة والثقة بنفسها بما يكفي لتجعل المنتج موجهًا لكل الأعمار. وهنا، برأيي، يكمن جوهر القوة.

يواجه الفيلم الصور النمطية عن الآخر باللعب وخفة الظل والطرافة، ويقدّم تصورًا مدهشًا لقدرة التجارب العاطفية على تحقيق التوازن بين المتناقضات

فيلم "Elemental"، للمخرج الأمريكي بيتر سوهن، مُصنّف كفيلم عائلي موسمي ومُدرج ضمن أفلام العطلات الصيفية ومناسب لكل الأعمار، ابتداءً من ثلاث سنوات فما فوق. لكن المفارقة أن هذا التصنيف لم يرد بصيغة تحذيرية كما درجت العادة الرقابية على المحتوى، فالفيلم مناسب لكل الأعمار، لأن فيه ما يثير اهتمام المشاهد كل حسب عمره؛ وسوف تلاحظ أن هذا التصنيف المفتوح يُضمر تحديًا، ويبدو وكأنه إفراط في الثقة بالنفس. والحقيقة أنه بدا لي كذلك لأنه يُشبه ألعاب الخداع البصري التي تحوي منظرين أو أكثر تتغير عند تحريكها إلى الأعلى أو الأسفل، إذ يمكن للطفل أن ينجذب إلى الحكاية ويكتفي بها، مثلما يمكن للبالغ أن يستغرق بالحكاية ويقوده الاستغراق إلى ما هو مستتر خلفها.

الفرادة التي تُميز أفلام "ديزني – بيسكار" هي في الطريقة التي تتعامل بها مع المفاهيم الأخلاقية الملازمة لأي عمل فني تعبيري. فالرسالة الأخلاقية والإحالات الدلالية والرموز، هي عناصر تدخل في جوهر صناعة الحكاية، وكلما تقدمت الحكاية حدثيًا، وكلما تأزمت مصائر شخوصها، أصبحت أكثر قربًا من الرسالة الأخلاقية، وأقل التزامًا بالحدث والفعل لصالح المعنى والرمز.

لكن ديزني تحرر الحكاية من عبئ الرسالة الأخلاقية، ومن الرموز والإسقاطات، عبر تفكيك الرسالة ذاتها برموزها ودلالاتها وتحويلها إلى مواد أولية لصناعة الحكاية نفسها، وكأنها لا تبحث عن فكرة لتنتج عبرة، بل تأتي بعبرة وتحيلها إلى فكرة لحكاية، وربما هذا هو السر في قدرتها على المحافظة على رتم متنوع غير تصاعدي من التشويق، وتدفق سلس وممتع للأحداث. كما أن هذا التحرر يمنحها فرصة أكبر لاختراع شخصيات بمزايا أكثر خفة وطرافة، متحررة من عبئ المقولة، وملتزمة أكثر بمواصفاتها مهما كانت تلك المواصفات، زهرة ناطقة، أو سيارة سباق، أو كائنًا ناريًا.

تقوم حكاية الفيلم في الأساس على تحرير الطباع البشرية من أسرها الآدمي، وتحويل تلك الطباع إلى شخصيات، ثم اختراع مكان خيالي اسمه مدينة "انمنتال" ليكون مسرحًا للأحداث. تبدأ الحكاية عندما يصل كائن من نار مع زوجته الحامل إلى المدينة مهاجرًا، أو مُهجَّرًا ليستقر في هذه المدنية حيث يواجه صعوبة في إيجاد مأوى، قبل أن يجد مبنىً مهدم يستقر فيه مع زوجته وطفلته القادمة إمبير. وهذا المبنى المهدم سيصبح اللبنة الأولى لظهور حي كامل خاص بالكائنات النارية.

تكبر الفتاة الصغيرة أمبير. وهي، ككائن ناري، متقدة بشدة وسريعة الاشتعال ولا تقوى على ضبط غضبها وانفعالاتها. تساعد والدها في المتجر الخاص بمنتجات الكائنات النارية، وتستمر بالتخبط في انفعالاتها وفي محاولاتها لضبطها وتطويعها، خاصةً عندما بدأت تلاحظ تقدّم والدها في السن واتجاهه نحو الخبو، فهي الوريثة الوحيدة للمتجر الوحيد الذي يعمل على خدمة حي الناريين.

في هذه الأثناء، يظهر الشاب المائي ويد، الموظف الحكومي محرر المخالفات، ليُحرر مخالفة لمتجر أمبير ووالدها بدعوى تسببهم بتسرّب مائي في متجرهم يهدد حياة الجميع في حي الناريين. ترفض أمبير وتُلاحِق ويد كي لا يرسل المخالفة إلى السلطات ويُغلق المتجر. تلح أمبير ولا تيأس حتى تقنع ويد بأن التسرّب ليس ذنبهم، فيقرر مساعدتها في البحث لإيجاد مصدره كي لا تحرر المخالفة بحقهم.

وخلال رحلة البحث عن التسريب، يقع ويد المائي في حب الشابة النارية. وهنا تحديدًا تظهر العقدة الدرامية الأساسية، التي سوف تساهم في تأزيم الأحداث وتعميق أزمات الشخصيات المحيطة؛ سؤال بسيط لإجابة معقدة تكاد تكون مستحيلة ولا تُطال: هل يمكن أن تنجح علاقة بين مائي ونارية؟ لا يوجد في هذا الافتراض احتمالات كثيرة، فويد يجازف بالتبخر إن هو بقي بالقرب منها، وهي تجازف بالانطفاء السريع إن هي اقتربت منه أكثر وتجاهلت مسافة الأمان التي تفرضها طبيعتهما المتناقضتين.

لكن مع هذه الفرضية البارعة، لا بد أن تُصبح أزمة الشخصيات أعقد وأكثر جذبًا ومتعة، بل وأكثر كشفًا لجوانب إبداعية تتكشف تبعًا كلما زادت أزمتها. ويد يذهب بعيدًا في مجازفته، ويعترف لفتاة النار بحبه، ويزيدها إرباكًا وتخبطًا، وتقع في حيرة بين واجبها العائلي وبين ذلك التحول العاطفي الكبير الذي يجري في داخلها، فتترك نفسها تنساب مرات مع ويد، وتستيقظ مرات أخرى. والمفارقة هنا أن تلك العاطفة الصادقة تنجح في تحقيق توازن منطقي بين العنصرين المتناقضين، فلا ويد أطفأ جذوة أمبير، ولا أمبير بخّرت ويد. بل، وعلى العكس، نجح الاثنان في طبع قبلة سينمائية كلاسيكية بأسلوبية وعاطفة أفلام الخمسينيات.

فيلم "Elemental" واحدٌ من أذكى القراءات السينمائية لمفهوم الآخر، إذ استطاع وضع الفلسفة الوجودية في مساحة اللعب، والتخييل بحرية حولها، وتقديم نقاش عن معنى الأنا والآخر، وكيفية انعكاس أحدهما في الآخر ضمن سياق الحياة بوصفها مجموعة أزمات وخيارات ومواصفات تتوافق أحيانًا وتتناقض في أحيانٍ كثيرة. إن تجسيم الطبيعة في الفيلم، والإبقاء على أداوت البشر في شكل البناء والأدوات، وحتى الأزياء، مدَّ الفيلم بتلك الروح البشرية، على الرغم من تحرير الشخصيات من الأجساد الآدمية، وذلك كان خيارًا غاية في الذكاء لمزيد من الخيال ومن حرية التخيل.

يقدّم الفيلم قراءة سينمائية ذكية لمفهوم الآخر أساسها السؤال والبحث والتقصي ثم الخروج بنتائج محكمة ومسلية ومنعشة للعقل ومحفزة للعاطفة

يواجه الفيلم الصور النمطية عن الآخر باللعب وخفة الظل والطرافة، ويعتبر الصور النمطية والأحكام المسبقة كانتونات يَحبس فيها الخائفون أنفسهم، ويحرمونها من اكتشاف العالم بوصفه تجربة حسية وشعورية تحتاج إلى الآخر لكي تكتمل دون إخضاع ذلك الآخر لشروط مسبقة.

وهو أيضًا اقتراح جمالي وبصري لمعضلة الآخر، وتصور بارع لقيمة التجربة العاطفية العميقة التي يمكنها تحقيق التوازن بين أكثر المتناقضات وضوحًا وجلاءً، فضلًا عن القوة الكبيرة التي يتمتع بها الفيلم، وقدرته على التأثير عاطفيًا وذهنيًا بمختلف الشرائح العمرية التي سوف تشاهده، ومرة أخرى تشجع العمل الصعب الدؤوب الآتي من السؤال والبحث والتقصي، والخروج بنتائج محكمة ومسلية ومنعشة للعقل ومحفزة للعاطفة. وفوق هذا، ذاهبة في طريق طويل نحو الكمال.