فيلم

فيلم "واجب".. الصراع في اليوميات الفلسطينية

من الفيلم (imdb)

تم افتتاح فعاليات الطبعة التاسعة من "مهرجان الجزائر الدولي للسينما" بعرض فيلم "واجب" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، بحضور عشاق الفن السابع.

يرسم فيلم "واجب" صورة لصراع الأجيال الفلسطينية من خلال حوارات متوترة بين الأب والابن

انطفأت انوار القاعة واعتدل الجمهور على كراسيه، وحدق في صمت جنائزي تجاه الجدار الأبيض صامتًا، يرسل قهقهات أحيانًا على مدار 96 دقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "واجب".. طوفان من القصص الفلسطينية

القصة بسيطة لكنها تحمل معاني ورموزًا كثيرة، تدور بين أبو شادي (محمد بكري) مدير مدرسة، وابنه شادي (صالح بكري)  المهندس المعماري المقيم بالعاصمة الإيطالية روما، يقوم هذا الثنائي بتوزيع دعوات الزواج على الأقارب والأهل والأصدقاء لحضور زفاف آمال ابنة (ماريا زريق).

أبو شادي كما جرت العادة والتقليد المجتمعي، يتجول داخل سيارة العائلة القديمة التي تحمل عبق ذكريات الأبوة والطفولة، وعبر السير في شوارع مدينة الناصرة تدور حوارات بين الأب والابن، لتعكس رؤى مختلفة ومتباعدة حول الكثير من المسائل المتعلقة بالقضية الوطنية الفلسطينية، ونمط حياة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

نرى ذلك في مشهد استهجان واستغراب شادي دخول جنديين إسرائيليين إلى مطعم شعبي فلسطيني، فيما يبدي والده لامبالاة من هذا  الحضور المستفز. يحملق شادي بحدة في وجهي الجنديين نظراتٍ تحمل معاني الكراهية والعدائية. مقاطع أخرى من الكاميرا ترسم حجم التوسع الاستيطاني على المناطق العربية فتبدو ملامح وجه شادي غاضبة وحزينة عن الوضع الذي لا يزال يحترق بداخله تجاه الجسم الإسرائيلي الذي يتمدد ويحتل أراضي السكان العرب، في المقابل أضحت الأمور طبيعية وعادية بالنسبة للوالد. مفارقة تعكس رؤى بين جيلين تتباعد رؤيتهما لطبيعة الصراع والحضور الإسرائيلي.

يرسم الفيلم صورة مغايرة تمامًا عن ما يتداول في مخيال المشاهد الجزائري عن طبيعة الصراع، وينقل واقعًا يومياتيًا وحياتيًا بعيدًا عن صور الحرب والدمار والانتفاضة، عبر تصوير حياة العرب داخل إسرائيل، في صورة تترجم حياة الناس بآمالها وآلامها. أناس لهم يومياتهم وحكايتهم وعادتهم وتشغلهم هموم كسائر البشر؛ الشغل، البطالة، الحب، الزواج، الموت، الفرح لاحتفاليات عيد المسيح.  أناس لهم سلوكياتهم المجتمعية التي فيها الكثير من الإيجابيات كالكرم وحسن الضيافة واللمة العائلية. ففي كل بيت تخطو فيها أقدام أبو شادي وابنه يرحب أصحاب البيوت بالضيفين، ما يعكس السلوكيات الفلسطينية. من جانب آخر لدى الفرد الفلسطيني سلوكيات سلبية، عبر تصوير المخرجة لمشاهد الأوساخ المترامية في الشوارع والزحمة والشجار على أتفه الأسباب. أتصور أن المخرجة أرادت محو صورة نمطية عن الفرد الفلسطيني المناضل والمقاوم والملائكي المنشود في كثير من أشعار محمود درويش.

يبلغ التوتر مداه بين أبو شادي وشادي عند رغبة الوالد دعوة صديق له يهودي، بينما يرفض الابن دعوته احتجاجًا على كونه عميلًا صهيونيًا، ساعد في القبض والوشاية على الكثير من أبناء الفلسطينيين، لكن الوالد يرى عكس ذلك فلطالما كان هذا الشخص اليهودي، الذي سيرقيه إلى مدير مدرسة، عونًا وسندًا للعائلة في تخطي الكثير من الصعوبات والعقبات.

يقول الأب في مقطع مؤثر تفاعل معه الجمهور: "ربما لست بطلًا، لكن كان علي تعليمك والإنفاق عليك والسهر من أجلك". صرخة تعبر عن تضحيات أبوية كثيرة لم يستوعبها الابن، فالمسؤولية تجاه العائلة فيها تنازلات عن القضية الوطنية، لكن أبو شادي أتمّ واجبه كما ينبغي.

يجمع فيلم "واجب" بين الفكاهة والدراما، في تسلسل محكم وتناسق في السيناريو

يجمع الفيلم بين الفكاهة والدراما، في تسلسل محكم وتناسق في السيناريو. الأداء والتمثيل رائعان من محمد وصالح بكري، إلى الجانب التقني من صوت وإضاءة. إنه عمل ممتاز من إدارة الإخراج.

اقرأ/ي أيضًا: "اصطياد أشباح".. الحياة هي في مكان آخر

تجدر الإشارة إلى أن الفيلم شارك في مهرجانات عالمية، وتم ترشيحه لتمثيل فلسطين في جوائز الأوسكار لعام 2018، وتحصل على "أفضل ممثل" في "مهرجان الفيلم العربي" بمدينة وهران الجزائرية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: