تصوير القدس في الحرب.. صورٌ من سنة 1948

تصوير القدس في الحرب.. صورٌ من سنة 1948

القوات الصهوينية تهاجم بيتًا في الطالبية 1أيار/ مايو 1048

المقال الآتي هو بالأساس فصل من كتاب "القدس 1948.. الأحياء العربية ومصيرها في حرب 1948"، الصادر عام 2003 عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" بتحرير المؤرخ الفلسطيني سليم تماري، وهو تناول متعدّد الجوانب لمدينة القدس قبل أن تحتلها القوات الصهيونية، يصف إدوارد سعيد الكتاب في كلمة الغلاف: "إنها قصة مأساوية عن الخسارة والطرد، مروية بموضوعية وصبر".

رغم وجود عدد لا بأس به من المصورين المقدسين من زمن ما قبل النكبة، إلا أنهم لم يصوروا ما حدث للقدس، وقدّمت الصور من وجهة نظر المصور الإسرائيلي الذي "رأى الأمور وصوّر الأحداث من زاوية واحدة فقط؛ الزاوية التي كان هو فيها، وهي زاوية المحارب الصهيوني لا زاوية الفلسطيني المشرد".

رغم هذا كله، إنّ رؤية المكان الفلسطيني من دون رؤية السكان تحمل تعبيرات خطيرة عن عملية استعمار الجزء الغربي من القدس.


كانت القدس، قبل تقسيمها سنة 1948، مدينة عصرية ذات دور مهم في حياة فلسطين السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويعود هذا لا إلى كون عملية الحداثة التي كانت بدأت في القرن التاسع العشر قد أثمرت في حينها فحسب، بل أيضًا إلى واقع أن الانتقال من الحكم العثماني إلى الحكم البريطاني وفّر للمدينة نموًا وتقدمًا كبيرين. إذ تطور وضع القدس في عهد الانتداب البريطاني، فلم تعد مدينة ثانوية داخل إمبراطورية مترامية الأطراف كما كان عليه الحال في زمن الدولة العثمانية، وإنما أصبحت المدينة الرئيسية في إقليم اكتسب أهمية خاصة في نظر القوى العظمى آنذاك، على الرغم من كونه أصغر كثيرًا من الإمبراطورية التي كان جزءًا منها. وقد بدأ المواطن يشاهد نمو طرقات وأبنية حديثة، بالإضافة إلى معالم الحداثة الأُخرى، ومنها محطة سكة الحديد التي شيّدت سنة 1882 إلى الجنوب من القدس، والمطار الذي أنشأه البريطانيون في إبان فترة حكمهم إلى الشمال من المدينة.

كانت القدس، قبل تقسيمها سنة 1948، مدينة عصرية ذات دور مهم في حياة فلسطين السياسية والاجتماعية والاقتصادية

كانت المنطقة الممتدة بين باب الخليل (وهو إحدى البوابات الرئيسية للبلدة القديمة) من الخارج وبين المستشفى الفرنسي على الجانب الآخر من الباب الجديد (وهو أحد بوابات البلدة القديمة، وقد افتُتح فقط سنة 1887 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ليصل البلدة القديمة بالأحياء الجديدة التي نشأت خارج الأسوار من الجهة الشمالية)، أحد الأسواق الجديدة النشيطة التي كانت تنشأ في أنحاء متعددة من المدينة. في هذا المكان بالذات، أسس المصورون الفوتوغرافيون المقدسيون الأوائل أول الأستديوهات الفوتوغرافية في فلسطين. وأصبحت المنطقة، إلى حد ما، سوق القدس الفوتوغرافي. وكما كان للمدينة أسواق للتوابل واللحم والجلود، فإن الامتداد خارج السور بين باب الخليل والباب الجديد للبلدة القديمة، أصبح مقصدًا للأهالي الراغبين في شراء الصور الفوتوغرافية، أو التقاط صور لهم.

اقرأ/ي أيضًا: دور البطاقات البريدية الاستعمارية والنساء في صناعة الحرب

ارتبطت بداية "السوق الفوتوغرافي" هذا باسم المصور الأرمني الشاب كرابيد كريكوريان الذي افتتح، في سنة 1885، أول أستديو فوتوغرافي في شارع يافا في القدس خارج باب الخليل مباشرة، وذلك بعد تعلّمه الحرفة الجديدة في المشغل الفوتوغرافي الذي أسسه البطريرك ياساي غرابديان داخل الحي الأرمني. وفي الوقت الذي افتتح كريكوريان محترفه، كانت ساحة باب الخليل بمثابة "محطة القدس المركزية"، إن جاز التعبير؛ فهي لم تكن فقط موقعًا يكتظ بالعربات التي تجرها الجياد، وبالحافلات، وبالمسافرين الوافدين من القرة القريبة ومن يافا وبيت لحم، بل كانت أيضًا موقع الفندق الرئيسي - إن لم يكن الوحيد في القدس آنذاك - وهو "أوتيل فاست"، إضافة إلى مكتب سفريات توماس كوك (وكانت مكاتب كوك آنذاك تشكل أهم وسائل النقل السياحي في العالم) وعلى الرغم من عدم تيقننا من الأسباب التي دعت كرابيد كريكوريان إلى اختيار موقع محترفه، فإنه يمكن الافتراض أنها ارتبطت بكون الموقع المحطة السياحية الرئيسية في المدينة، وبالتالي فإن بيع صور الأراضي المقدسة المطلوبة دومًا في الغرب سيكون أكثر جدًا في هذا الموقع منه في أي موقع آخر في المدينة. مع ذلك، وبصرف النظر عن أسباب اختيار كريكوريان لهذا الموقع، كان محترفه الأول بين عدد من محترفات التصوير الفوتوغرافي التي افتُتحت في ذلك الحي تحديدًا. وقد تبع كريكوريان في ذلك خليل رعد، تلميذه ومساعده، الذي افتتح مشغله الخاص سنة 1890، مباشرة عبر الطريق من ستوديو معلمه.

عائلة من قرية لفتا (المصور غير معروف)
عائلة من قرية لفتا (المصور غير معروف)

بحلول الأربعينيات من القرن العشرين كانت هناك عدّة أستوديوهات في القدس، وكثيرون من المصورين الفوتوغرافيين الذين عملوا فيها، أو نصبو آلاتهم التصويرية في المنطقة أو في الأسواق الكثيرة في المدينة. ومن أهم المصورين الفوتوغرافيين المعروفين آنذاك، كان أوهانس كريكوريان (وهو ابن المصور كرابيد كريكوريان)، وخليل رعد، وحنا صافية، وعلي زعرور، وسمعان السحار، وأستوديوهات إيليا وديانا، ومصوري الكولونيالية الأمريكية. كذلك عمل عدد من المصورين اليهود في القدس وقدم خدماته إلى الجاليتين العربية واليهودية في المدينة.

في ضوء ازدهار الحركة الفوتوغرافية في المدينة، يبدو مذهلًا - وهذا أقل ما يقال - أن المصورين العرب والأرمن أغفلوا ضرورة التقاط صور للأحداث التي كانت تتمخض من حولهم سنة 1948.  ويكمن وراء هذا النقص في توثيق النكبة، كما نعتقد، عدد من العوامل المتصلة بخسارة الضواحي العربية بعد سقوطها وتقسيم المدينة. فقد تحولت المنطقة الفوتوغرافية في المدينة، والتي أشرنا إليها، إلى خط حدودي فاصل. ولم يعد ممكنًا لرعد والسحار الوصول إلى مشغليهما، إذ اضطرا إلى الانكفاء داخل البلدة القديمة حفاظًا على سلامتهما. كذلك الأمر بالنسبة مشغل حنا صافية في شارع يافا الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية، إذ لم يستطع صافية نفسه جلب مجموعته إلى القسم الغربي من المدينة. في المقابل، فإن المراكز التجارية اليهودية في المدينة، والتي كانت أغلبيتها في الجزء الغربي، حيث يقع معظم المؤسسات الفوتوغرافية اليهودية، بقيت سالمة وأصبحت تحت سيطرة الدولة اليهودية حديثة النشأة.

وهكذا، وبما أن المصورين الفوتوغرافيين العرب والأرمن فقدوا القدرة على الوصول إلى مراكز رزقهم وعملهم، فقد بقي التسجيل للأحداث المحيطة بسقوط المدينة محصورًا بيد المصورين الإسرائيليين. لذا فإن إعادة تمثيل الأحداث المحيطة بسقوط الضواحي العربية سنة 1948 من وجهة نظر فلسطينية، بالاستناد إلى المحفوظات الفوتوغرافية الإسرائيلية، هي أمر في غاية الصعوبة. فبالإضافة إلى عدد من الإشكاليات الأُخرى، نجد أن معظم ما صوره المصورين الاسرائيليين كان صورًا لمواقع مفرغة من سكانها الأصليين. أي أن الصور التقطت بعد تهجير السكان العرب، أو فرارهم. والمشكلة الأُخرى تكمن في طبيعة التمثيل التصويري ذاته. فالصورة عامة وبالضرورة تلتقط ما تراه عدسة الكاميرا، وما تراه هذه العدسة يعكس ما يراه من يقف خلفها. فالمصور الإسرائيلي رأى الأمور وصوّر الأحداث من زاوية واحدة فقط؛ الزاوية التي كان هو فيها، وهي زاوية المحارب الصهيوني لا زاوية الفلسطيني المشرد. فهو رأى الأمور بعين المراقب الخارجي للمشهد الفلسطيني الذي كان أمام عينيه، لا بعين المشارك الداخلي فيه؛ وهو بذلك قد عكس ما يراه طرف واحد في الصراع بشأن المدينة آنذاك.

أطفال عائلتي مرهج وكريكوريان، عام 1932 (تصوير أوهانس كريكوريان)
أطفال عائلتي مرهج وكريكوريان، عام 1932 (تصوير أوهانس كريكوريان)

نهدف من عرض الصور الفوتوغرافية المنشورة هنا، لا عرض مشاهد من الحرب فقط، بل أيضًا توضيح الخسارة التي تكبدها الفلسطينيون في القدس. وبما أن العدد الكثير منها التقطه مصورون إسرائيليون للموقع "بعد الحدث"، كما هو الحال، فقد بقيت تجربة التشرد الفلسطينية خارج إطار الصورة.

غياب الفلسطينيين من الصور الفوتوغرافية الإسرائيلية للنكبة هو بحد ذاته إشارة ضمنية إلى إقامتهم الدائمة في الصور كافة

ومع ذلك، يمكن استخلاص أن هذه الصور تمثل شهادة. درامية على تجربة التشرد. فمجرد رؤية المحيط أو "العالم" الفلسطيني بشوارعه وأبنيته التي في بعض الاحيان ذات عمر يعد بالقرون، والأثاث المتروك، من دون رؤية السكان، هي التعبير الدقيق عن عملية استعمار الجزء الغربي من القدس. وصور عين كارم – الواردة في هذا الفصل – تمثل هذا الحدث بطريقة صارخة. فنجد، في إحداها، نبع القرية ومهاجرون يهودًا من ذوي السحنة الشرقية يملؤون دلاءهم ماء. لقد وصل المهاجرون إلى القرية للتو، والدلاء الجديدة التي يستعملونها – وهي تحمل شعار الدولة الحديثة – تقدم الدليل على ذلك. لكن النبع نفسه الذي يتزودون الماء منه، وهو أقدم من كثيرًا من الدلاء التي يحملونها ومن الدولة التي دمغت شعارها عليها، يشكل شهادة على حياة وتاريخ سابقين لما يظهر في الصورة. إن سكان عين كارم المطرودين والمغيبين من إطار الصورة موجودون على الرغم من ذلك في صلب الحدث في الصورة، وهم باقون هكذا في مركز موضوع الصورة، ما دام النبع نفسه قائمًا. إن المقارنة، لأي شخص مطلع على تاريخ المكان، بين المنازل التي عمرها قرون، والشوارع، والنبع، وبساتين الزيتون، وبين المهاجرين اليهود الوافدين حديثًا ذوي السمات التي توحي بأنهم يهود شرقيون، هي أولًا وبصورة رئيسية إشارة ضمنية صارخة إلى عملية تحويل الملكية وطرد السكان التي تعرضت لها المدينة. وبهذا المعنى فإن غياب الفلسطينيين أنفسهم من الصور هو بحد ذاته إشارة ضمنية إلى إقامتهم الدائمة في الصور كافة.

اقرأ/ي أيضًا: غودار: السينما خسرت المعركة

يشبه أصحاب المنازل في الصور الأحدب الصغير في الأغنية الشعبية الألمانية التي علّق ذات مرّة عليها فالتر بنيامين بقوله: "هذا الرجل الصغير موجود في المنزل [لكن] بطريقة مموهة". وعندما يحاول القاطن في المنزل الحالي الخلود إلى النوم، كما تقول الأغنية، تواجهه الحقيقة المخيفة أن هذا الإنسان غير المرئي حاضر فيه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كريم بوشطاطة.. أن تثلج في الصّحراء

رثاء الأشياء الصغيرة