فيلم كتير كبير.. سوريالية الحياة والصراع الوهمي

فيلم كتير كبير.. سوريالية الحياة والصراع الوهمي

مشهد من شريط الفيلم

بمشهد يُعتبر هو المُحرك للحدث يستهل المخرج "ميرجان بو شيعا" أحداث فيلمه "فيلم كتير كبير"، حيث وسط ظلام الليل تنطلق رصاصة طائشة تقتل شخصًا يتحمل معها الإخوة خطيئتهم بتقاسمها، وكأن لكلٍ منهم دورًا في تلك اللعبة الخطرة.

"زياد، جو، جاد" ثلاثة إخوة يكبرهم زياد ويصغرهم جاد، يتورطون في جريمة قتل طائشة تطيح بخمس سنوات من حياة جو الصغير يقضيهم في السجن بالتسوية مع أخيه الأكبر، تفاديًا لسجنه وإنقاذًا لتلك الرابطة الأخوية.

بالنظر إلى "فيلم كتير كبير" ككل نجد أن فكرة تصوير فيلم داخل فيلم كان خدمة للحبكة وقد جعل منها قماشة رحبة في يد صانعي العمل

"فيلم كتير كبير" فيلم يمكن قراءته على مستويات عدة، ومنها تفسير أن الفيلم عبارة عن ثلاثة إخوة يتورطون في عملية قتل ومن بعدها يقعون بعالم المخدرات، وبالنظر لجوانب الفيلم نجد أنه يقدم ما هو أعمق من ذلك، فمن خلال علاقة هؤلاء الإخوة نكتشف قراءة للواقع اللبناني يمكن تعميمه بالقول بأنه الواقع العالمي، حيث الزيف واستخدام الإعلام كوسيلة لتغيير ملامح الواقع، فضلًا عن الصراعات الداخلية التي لا يراها أحد، ونجدها حاضرة في تأزم علاقة كل من زياد وجو، هذا الأخير الذي يعتبر السلم أفضل وسيلة للعيش حتى وإن كان يتعرض للإهانة أو الحرمان من حقوقه.

زياد الشخصية الرئيسية بالفيلم يمثل وجهًا لهذا الذي ينطلق من عالم مظلم إلى النور، وكأنه شخصية زئبقية حضرت من الهواء، وبالنظر إلى شخصية زياد نجدها حاضرة بقوة في واقعنا الحالي سواء في لبنان أو مصر أو غيرها من الدول، زياد الذي بدأ كشاب مشاغب قتل شخصًا ثم انطلق إلى عالم المتاجرة بالمخدرات بصورة صغيرة حتى استهوته اللعبة لتكون ضربته في الحياة، ولينطلق منها إلى نقطة نظيفة ويصير معها شخصًا ذا حيثية.

ميتا فيلم
هناك تيمة مسرحية معروفة باسم "ميت تياتر" وتعني المسرح داخل المسرح، أو الحبكة داخل الحبكة، إذ يقدم عملًا فنيًا محاكيًا داخل العمل الفني، هذه التيمة تم تقديمها في السينما أيضًا بعيون مبدعي الفن السابع؛ ومن أبرزهم فيليني ورائعته "8 ونص"، ونجد أن كاتبا السيناريو "ميرجان بو شيعا وآلان سعادة" استعانا بهذه التيمة لتكون في ركن فيلمهم، حيث من خلال شريط تسجيلي يستمع له "زياد" يدرك كيف ستكون طريقته فى تهريب المخدرات، تلك الصفقة التي استولى عليها بعد أن قتل شخصين، يقرر أن يمول فكرة المخرج المبتدأ حتى يتمكن من تهريب المخدرات للخارج داخل أشرطة المادة الفيلمية.

 

وبالنظر للعمل ككل نجد أن فكرة تصوير فيلم داخل فيلم كان خدمة للحبكة وقد جعل منها قماشة رحبة في يد صانعي العمل، حيث تم طرح عدد من القضايا المتسللة من خلال الفيلم الداخلي، ومن أبرزها الصراع الطائفي الذي يأكل في الجسد اللبناني، من خلال قصة حب بين فتاة مسلمة وشاب مسيحي.

اقرأ/ي أيضًا: رصاص بلا رصاص: التجربة البصرية المستقلة

لا نغفل أن هناك بعض السقطات في السيناريو، أبرزها تخاذل رجل العصابة أبي علي في تصفية حسابه مع زياد والاكتفاء بالتلويح لهم بقبضته من بعيد، وهو أمر غير منطقي بالنسبة لرجل في مكانته ونفوذه، كذلك افتقار الحبكة لركائز حدثية واعتمادها على مستجدات مقروءة مسبقًا.

تسمية الفيلم
"فيلم كتير كبير" هذه الكلمات الثلاثة هي عنوان الفيلم الذي نحن بصدده، وبالنظر إلى أحداث الفيلم نجد أنه بالفعل "فيلم كتير كبير"، ليس لكونه فيلمًا ملحميًا أو يحمل بعدًا تنظيريًا، وإنما لكونه يرصد حالة من حالات "الأفلام" كما نقول في واقعنا ما نراه مجرد فيلم. وبالفعل "فيلم كتير كبير" هو اسم على مسمى، حيث يقوم الإخوة الثلاثة بحبكة فيلم كتير كبير للخروج من حبكة أصغر وهي صراعهم مع تاجر المخدرات الذي يتوعد لهم.

ولا نغفل أن هذه الحبكة لا تمارس لإبعاد تاجر المخدرات أبي علي فحسب، بل تهدف إلى تضليل المجتمع أيضًا عن ماهية هؤلاء لا سيما على الذي يعرف نفسه فيما بعد في الإعلام على أنه منتج سينمائي.

لعبة الإعلام
يقول المثل العربي: "صوتك المرتفع دليل على ضعف موقفك" لكن في الفيلم الآية معكوسة، حيث إنه كلما ارتفع صوتك أصبحت محط الأنظار أكثر وتتهافت عليك وسائل الإعلام لرصد ما تقول -وإن كان تافهًا أحيانًا-، ليصبح الإعلام وسيلة لاستقواء الطامعين، إذ ينطلق زياد مستغلًا الآلة الإعلامية للتغطية على ما يقوم به من خطة لتهريب المخدرات التي ستكون ضربتهم للمستقبل، هذا الإعلام الذي يقدمه فيما بعد على أنه متقدم للترشح للانتخابات البرلمانية، وهو ما يوضح عبثية وسيريالية المشهد الحياتي وليس السياسي فحسب.

اقرأ/ي أيضًا: "فيلم كتير كبير".. إلى الأوسكار

بالنظر إلى اللغة السينمائية بالفيلم سنجد أنها أفضل ما ميز الفيلم؛ فكانت الموسيقى التي شكلت عالم مغاير يتلاءم مع الأحداث المتصاعدة وعالم الجريمة، من خلال نغمات ميشال ألفترياديس الرشيقة التي تتمتع بحضور النغمات الشرقية وجانب من النغمات الحماسية التي تدفع بالمشاهد للاستمتاع والانغماس بصورة أكبر مع المادة الفيلمية المقدمة.

اعتماد "فيلم كتير كبير" على الحس الكوميدي نحى حالة التقمص، فظهرت الشخصيات فكاهية بسيطة

لغة سينمائية
تصوير الفيلم اعتمد على التنوع في اللقطات، ولا نعتبره جاء بجديد حيث تلاءمت عدسة المصور فادي قاسم الذي قدم فيلمين تسجيليين من قبل، ورغم عدم التجديد بالصورة إلا أنها اتسمت بالرشاقة والخفة المتلائمة مع روح الكوميديا الحاضرة بالفيلم.

 

أما المونتاج الذي قدمه كل من المخرج ميرجان بو شيعا والمونتير سيمون الحبري فتواكب مع قراءة العمل وسرعة، ولم يشعر المشاهد بأي ملل طوال متابعته للفيلم التي امتدت قرابة الساعتين، فاتسمت القطعات والنقلات بمواكبة بعد الإثارة والأكشن الذي يحمله الفيلم.

يحضر التمثيل كأحد أهم عناصر قيام الفيلم، لا سيما في بطله آلان سعادة الذي قام بدور زياد، كما هو واضح فإن اعتماد الفيلم على الحس الكوميدي نحى حالة التقمص، فظهرت الشخصيات فكاهية بسيطة ذات جانب واحد غير عميق، مع هذا لم يخل بمضمون الشخصيات أو دورها الذي تقدمه في العمل.

في تجربته الأولي قدم ميرجان بو شيعا فيلم ذو رؤية خاصة من ناحية القصة كما حملته وسائل الإعلام اللبنانية والعربية لواء تقديم وجه جديد للسينما اللبنانية افتقدته لعقود عديدة، مع هذا فالفيلم يوضع في خانة الأفلام الجيدة التي يحب المشاهد رؤيتها لما تحمله من جرعة مميزة تجمع ما بين الأكشن والكوميديا وملمح درامي بسيط يوضح من خلاله وجه من حياة لبنان بل والعالم بصورة أوسع.

ما بين الكوميديا والرثاء تحضر لحظة النهاية بفيلم كتير كبير، فالكوميديا السوداء قاسية أحيانا، فحينما يقدم زياد على أنه مرشح للانتخابات البرلمانية القادمة بعد أن عرف على أنه "منتج سينمائي" يجعل المشاهد متحملًا لمسؤولية أنه الوحيد الذي يدرك ماهية هذا الفرد، فمن هو زياد؟ وما هي مؤهلاته حتى يصبح في مكانه هذا؟!، ويظل المشاهد ما بين الضحكة الخارجية والصرخة الداخلية التي لا تفارقه حتى بعد انتهاء الفيلم، ليكتشف أنه أمام فعلًا فيلم كتير كبير استطاع التسلل للواقع والتوحد معه.

اقرأ/ي أيضًا:
هل لامست السينما المغربية خطوط التابوهات؟
المصارع.. فيلم عن المَجد الزائل