فيسبوك، كورونا، سوق الاعلانات... وأشياء أخرى

فيسبوك، كورونا، سوق الاعلانات... وأشياء أخرى

جوي كلارينبيك/ أستراليا

يعتقد تريستان هاريس، أنه لكي تحدث فارقًا على فيسبوك، يجب أن تتحدث عما يثير الاهتمام فعلًا. هناك دائمًا ما يدعو للاهتمام، وهو ذلك الشعور بالاهتمام نفسه، بمشاركة كل شيء مع الآخرين، والإفراط في التنازل عن الخصوصية بذريعة التحكم بالخصوصية. هناك ما هو مقلق أيضًا. الخوف من أحكام الآخرين، وانتظار هذه الأحكام في الوقت نفسه. هناك أشياء مثل الخوف والغضب. حسب المختص في علم الأخلاقيات، هذه أشياء يرغب الناس بالتحدث عنها دائمًا. قبل أعوام، كان ذلك يحدث في تظاهرة، أو من على منبر. توفيرًا لرتابة السرد، يجب الإشارة سريعًا إلى أن هذا يحدث اليوم بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي. هناك رغبة صاعقة بالحديث. ولكي يجد المُتحدِث مُستمِعين، عليه أن يتحدث عن أشياء تثير الاهتمام فعلًا. عن الخوف. الغضب. عما هو ليس خوفًا، وليس غضبًا. عن اللامبالاة مما يشغل العالم، أو الالتحاق بما يشغل العالم.

فيسبوك ليس بادرة كريمة لاختراع ألبومات صور عائلية وشخصية، ولا حائط نبيل لمشاركة الانطباعات حول الوجود

كورونا مسألة مناسبة. محطة مناسبة. ماذا عن "المؤامرة الصينية" لتغيير موازين "النظام العالمي". ماذا "المؤامرة الأمريكية على إيران". "مؤامرة ألمانيا" على الاتحاد الأوروبي. هناك عدد هائل من المؤامرات المتخيّلة. لماذا يلقى الحديث عن المؤامرة على مواقع التواصل الاجتماعي اهتمامًا؟ ثمة دراسات توصلت إلى دلائل عن أن كل دولار صُرِف في حملة دونالد ترامب الانتخابية، كان مفيدًا أكثر بـ17 مرة من كل دولار صُرِف لحملة هيلاري كلينتون. هذا تفوق مثير للاهتمام: ترامب، يدور حول المؤامرة، وتدور حوله. لكن قد لا يكون هناك أي "مؤامرة". ما لدينا اليوم، هو مجرد رغبة بالحديث عن مسألة متداولة، لا تحتاج إلى مجهود وتفكيك، مسألة جاهزة، مثل المؤامرة. العالم منشغل بفيروس كورونا اليوم. الآذان مصوبة إلى الحدث، يمكنك أن تتحدث. الاشتقاق اللغوي مثير للاهتمام أيضًا، عن تلك العلاقة بين الحدث والحديث.

اقرأ/ي أيضًا: السوشال ميديا بعد الرأسمالية.. كيف يمكن إنشاء فيسبوك اشتراكي؟

في الثمانينيات، كان هناك أشخاص مثل مارغرت تاتشر ورونالد ريغان، ممن كانت لديهم رغبة حقيقية بتقليص تدخل الدولة في الصناعة والاقتصاد. وقد شجع هؤلاء على ذلك فعلًا. فيسبوك ليس بادرة كريمة لاختراع ألبومات صور عائلية وشخصية، ولا حائط نبيل لمشاركة الانطباعات حول الوجود. فيسبوك صناعة، حسب مفهوم ثاتشر وريغان للصناعة. مؤسسة تبغى الربح. يعرف الموقع وظيفته جيدًا، على عكس المستخدم، الذي يسارع لعرض صورة القطة التي التقطها على ناصية الطريق، أو يكتب رأيه بحادثة وقعت في مكان بعيد، ويعلن كراهيته للعالم أو محبته له. هذا الاعتقاد، بتراجع تدخل الدولة لمصلحة "السوق"، لم يكن "شيطانيًا" دائمًا، ولم يكن ناتجًا دائمًا بالضرورة من "الجشع" أو الرغبة المتسارعة بمراكمة رأس المال. في أحيان كثيرة، كانت هواجس المشرعين الليبراليين، تجد منافع اجتماعية للانكفاء عن التدخل في الإنتاج الصناعي، ومنها تقليص الأسعار النهائية للمنتجات. السوشال ميديا، هي أوضح مثال على نتائج يوتوبية للتصور الرأسمالي. ظاهريًا، تقلصت كلفة المنتج إلى أدنى مستوياتها. وهذا بالنسبة للعقل الليبرالي، يعني أن عدم التدخل كان قرارًا صائبًا.

بالنسبة لهذا العقل، الفقر هو "حالة" يجب التعامل معها. وهذا يعني، حسب الباراديغم الليبرالي، التصالح مع أنها حالة، وليست مشكلة، بسبب توزيع غير عادل للثروة. في السنوات الأخيرة، هيمنت هذه السردية على النظرة إلى الفقر إلى العالم، وصدق الجميع أنها تحل عبر "برامج التنمية"، وعبر مشاريع الجمعيات الكبيرة والصغيرة. وصارت هذه سردية مهيمنة في العالم: الفقر ليس مشكلة، الفقر حالة يتوجب أن نتعامل معها. بشكلها الحالي، وفي ظل تحولها إلى مساهم إضافي لتوزيع غير عادل للثروات، هل السوشال ميديا مشكلة، أم أنها مجرد "حالة" فعلًا؟ الإجابة ليست في السيليكون فالي طبعًا. روجر مكنامي، أحد مستشاري فيسبوك الأساسيين وناصحيه، يقول إن عبقرية الموقع تكمن في أنه استطاع جمع أكثر من ملياري إنسان، وإبعادهم عن بعضهم البعض في الوقت ذاته. لقد ولدت مشكلة الموقع بالتزامن معه، وتطورت في السياق ذاته. قد يكون فيسبوك مثل الفقر تمامًا.

من الفظاعات الكثيرة، التي عرفها مكنامي هناك، كما يقول (وهو كان مستثمرًا رأسماليًا طوال حياته وما زال كذلك)، أن فيسبوك طرد إحدى الشركات المُعلِنة لديه في 2016، عندما عرفت أنها تجمع معلومات عن الأشخاص المتعاطفين مع حركة "بلاك لايفز ماتر"، وتبيعها لأقسام الشرطة في الولايات المتحدة الأميركية. بالنسبة له، كان هذا خرقًا كبيرًا لحقوق الإنسان وحقوق التعبير. بالنسبة لفيسبوك، كان هذا أمرًا يلوّث سمعة الموقع. لكن بالنسبة للشركة التي كانت تجمع المعلومات وتبيعها، كان هذا أمرًا طبيعيًا وبديهيًا. هذا ما تفعله الشركات على فيسبوك: تجمع المعلومات عنك، تستفيد منها، أو تبيعها لأطراف ثالثة.

تكمن عبقرية فيسبوك في أنه استطاع جمع أكثر من ملياري إنسان، وإبعادهم عن بعضهم البعض في الوقت ذاته

للمناسبة، ليس هناك أي طريقة للإفلات من هذا الابتزاز. يسمّى تريستان هاريس هذه العملية. بالسطو على الدماغ (Brain Hacking). وقد اخترع هذا التعبير، لكي يصف وسائل الاقناع المتوافرة على الانترنت، والتي من شأنها التحكم بنظرة الأشخاص إلى المنتجات، وتطوير سلوك مختلف يصل إلى الإدمان. هذه العملية تجعل المستخدم ـــ المستهلك هدفًا سهلًا للتلاعب. إذًا، المسألة مسألة "استهلاك". المسألة تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، التي أوجدت مساحة "مفقودة" للتعبير عن الرأي، كان العالم بحاجة إليها. وينبغي الموافقة على ذلك دائمًا. وينبغي الموافقة، على أن الرأي يبقى رأيًا، ولا يجب أن يخضع لشروط أو معايير، لأن تأطيره ومحاصرته، لن يجعل منه رأيًا. وهذا نقاش مفتوح حول شروط الاستخدام، وما هو "مسموح" وما هو "غير مسموح"، وفي معايير تقييم العنف وغيرها.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يعدّ فيسبوك عدّو الصحافة الوحيد؟

وليست المشكلة مشكلة غطرسة، لأن هناك عادات تدل على الغطرسة. الزبون الذي يرفض الوقوف بالصف في انتظار دوره، ويتجاوز الآخرين، يعلم أنه بفعلته هذه سيستحوذ على الاهتمام. الخبير، الذي صار خبيرًا، ولا يعرف نفسه أن الخبرة ليست مُطلقة، وهو يجيب بازدراء على سؤال ما. ويمكن أن نضيف، صاحب التأثير، الذي لا يعرف الحدود الفعلية لتأثيره. الغطرسة قد تكون فعلًا من داخل الطبيعة البشرية، لكن الاستهلاك من خارجها. المشكلة تكمن في هذه الصناعة بحد ذاتها، لتحديد "سلوك المستهلك" (Consumer Behavior) بهدف الترويج والدعاية والاستلاب. تحويل المُستهلِك نفسه إلى صناعة، وتحويل الصناعة إلى دعاية، والمنصة إلى مُستهلَك.

لا يعني هذا أن جميع المستخدمين على فيسبوك خاضعين لعملية استلاب، أو أنهم مجرد ضحايا لسوق الإعلانات. ما يعنيه، قد يكون، أن السلوك "الفرداني" والمتغطرس أحيانًا، أو الذي يتوسل الغطرسة، لا يحدث فارقًا في بنية المنصة وفي وظائفها. هذا السلوك هو سلوك استهلاكي، وليس بشريًا أو فطريًا، وبذلك هو قابل للتغير، بتغير الحاجات والطبائع. والذين كانوا يلعقون الحافلات والمرافق العامة، لم يفعلوا ذلك ليعترضوا على تعامل العالم بجدية مع وباء كورونا، بل فعلوا ذلك لأنهم اعتقدوا أن ذلك سيحصد متابعة كبيرة على "فيسبوك". لأن القاعدة الاستهلاكية السائدة الآن، لا تعترف بأهمية الفعل نفسها، بقدر اعترافها بالأهمية التي سيحظى بها الفعل نفسه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

وجوه فيسبوك الأربعة.. التبعية والتضليل والتلاعب والإلهاء

التلصّص في "فيسبوك".. الفضول المدنّس