فوضى في درعا.. النظام يلتف على التسوية ودعوات للعصيان

فوضى في درعا.. النظام يلتف على التسوية ودعوات للعصيان

التف النظام السوري على اتفاقيات التسوية في درعا (Getty)

نفوذ إيراني وروسي، اغتيالات وجرائم قتل وحملات اعتقال؛ مشهد أصبح مألوفًا في محافظة درعا ممر النظام إلى العالم العربي وبوابة إيران إلى إسرائيل.

وثق مكتب توثيق الشهداء في درعا اعتقال أفرع النظام الأمنية 18 مقاتلًا سابقًا تسعة منهم لدى أفرع النظام، أما التسعة الآخرين فلم يتمكن من تحديد الجهة التي اعتقلتهم، وطالت عمليات الاعتقال ثمانية مقاتلين سابقين

بعد سيطرة النظام بدعم من حلفائه على المنطقة الجنوبية، قام بفرض اتفاقيات تسوية على الفصائل العسكرية وناشطي الثورة في مهدها. وسخر النظام قبضته الأمنية لتنفيذ حملات الاعتقال والخروج عن بنود التسوية التي تمت في تموز/يوليو من العام الماضي 2018، وهجّر إلى الشمال السوري من رفض التوقيع عليها، لينجح بوضع مقاتلي درعا في مواجهة بعضهم في معارك حماة وإدلب.

اقرأ/ي أيضًا: درعا تقاتل وحدها.. رهان نظام الأسد على مرتزقة الإمارات

يجري ذلك في وقت تستمر فيه الميليشيات المدعومة من إيران وفي مقدمتها حزب الله اللبناني بالانتشار في المنطقة الجنوبية قرب خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل، رغم التحذيرات والغارات الإسرائيلية المتواصلة على مواقع قوات النظام وإيران في سوريا.

النظام يلتف على التسوية

انتهت المهلة الثانية التي أعلن عنها النظام السوري ومدتها ستة أشهر في حزيران/يونيو الماضي، وتشمل مقاتلي الفصائل العسكرية والمنشقين عن قوات النظام والمطلوبين للاحتياط والخدمة الإلزامية، وكل من شارك بالعمل الثوري في درعا خلال السنوات الماضية.

ويقول مصدر خاص من درعا لـ"ألترا صوت"، إن الذين وقعوا على التسوية أعفاهم النظام من الملاحقة الأمنية لكنه لجأ إلى الدعاوى القضائية الشخصية التي لا تسقطها التسوية، حيث بدأ النظام بدفع الناس لرفع دعاوى على قادة عسكريين سابقين وناشطين لاعتقالهم بتهم جنائية، كما كلف النظام محامين بجمع أدلة ووثائق ورفعها إلى المحاكم مجانًا لإدانة هؤلاء الأشخاص.

 ويضيف المصدر أن جزءًا كبيرًا من مقاتلي الفصائل والمنشقين انضموا إلى الفرقة الرابعة أو الفيلق الخامس الذي تشرف عليه روسيا ضمن عقود مؤقتة ما زالت سارية المفعول، وهؤلاء لم يوقعوا تسوية وشكلوا ميليشيات محلية تعمل لصالح النظام الذي يحاول زجها في معاركه بريفي حماة وإدلب.

ويلفت إلى وجود فئة لم توقع مثل هذه العقود ومنهم من التحق بقوات النظام، أما الفئة الأكبر من الشبان فلم تلتحق رغم انتهاء مدة التسويات، وهم موجودون في مدنهم وقراهم ولا يستطيع النظام اعتقالهم وسوقهم إجباريًا، لأنه لم يسيطر بشكل فعلي على كثير من المناطق مثل طفس ودرعا البلد وبصرى وما يتبع لهذه المدن.

في سياق ذلك أطلق ناشطون في محافظة درعا أواخر الشهر الفائت، حملة عصيان تدعو إلى تجنب الالتحاق بقوات النظام، تزامنًا مع انتهاء المهلة الثانية التي أعلن عنها النظام السوري. وبحسب المصدر ذاته، يبلغ عدد المطلوبين للخدمة الإلزامية في درعا نحو 30 ألفًا إضافة لعدد مشابه من المطلوبين للخدمة الاحتياطية، وذلك مع ازدياد حاجة النظام للمجندين لرفد قواته.

كما خرجت في حزيران الماضي مظاهرات ترفض التسوية وتطالب بسحب الحواجز العسكرية، بعد إجبار النظام المطلوبين على مراجعة شُعب التجنيد وإلا اعتبرهم فارين من الخدمة، واستطاع النظام لاحقًا قمع هذه المظاهرات. وتشير المصادر إلى انتشار 118 حاجزًا لقوات النظام في محافظة درعا، تقوم باعتقال الشبان عند خروجهم من مدنهم وقراهم، حيث وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها النصف سنوي للعام الجاري 96 حالة اعتقال تعسفي في محافظة درعا.

مقاومة شعبية أم تصفيات؟

تتعرض مقرات النظام الأمنية وحواجزه العسكرية ومراكز حزب البعث لهجمات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة منذ سيطرة النظام على درعا، كان آخرها هجوم نسب إلى مجهولين على مقر المخابرات الجوية والشرطة بمدينة داعل في 24 من حزيران/يونيو الماضي. وأدت جميع الهجمات على مقرات النظام إلى مقتل 25 عنصرًا من قواته وإصابة العشرات.

في المقابل سجل تجمع أحرار حوران خلال عام من سيطرة النظام على المنطقة 112 محاولة وعملية اغتيال، أسفرت عن مقتل 51 شخصًا وإصابة 38 آخرين، من بينهم عاملون سابقون في المجالس المحلية وتسعة قياديين في الفصائل العسكرية ممن أجروا تسويات مع النظام، بالإضافة إلى 25 عملية محاولة اغتيال نفذها مجهولون في حزيران/يونيو الفائت أدت لمقتل 13 شخصًا وإصابة 9 آخرين.

حول ذلك يقول مصدر من السكان المحليين لـ"ألترا صوت" إن الفصائل العسكرية انهارت منذ بدء النظام حملته العسكرية على المحافظة، وظهر مصطلح المقاومة الشعبية لكن الفعل المقاوم اختفى مع سيطرة النظام لاحقًا على درعا، ويرجح المصدر تنفيذ أفرع أمنية تابعة للنظام لمعظم الهجمات في الجنوب، مستدركًا أن ذلك لا ينفي وجود عمليات يقوم بها أبناء المحافظة لكنها غير منظمة ولا تسير ضمن خطة واضحة. ويشير إلى أن النظام ينفذ عمليات التصفية في بنيته الأمنية بالاعتماد على أدوات جديدة مثل الفصائل العسكرية التي تحولت لميليشيات تعمل لصالحه.

وفي شهر حزيران/يونيو وثق مكتب توثيق الشهداء في درعا اعتقال أفرع النظام الأمنية 18 مقاتلًا سابقًا تسعة منهم لدى أفرع النظام، أما التسعة الآخرين فلم يتمكن من تحديد الجهة التي اعتقلتهم، وطالت عمليات الاعتقال ثمانية مقاتلين سابقين في الفصائل العسكرية ممن قبلوا بالتسوية، بينهم ستة مقاتلين، واثنان من القادة السابقين .ولفت المكتب إلى ارتفاع حصيلة عدد المعتقلين من المقاتلين المنضمين إلى قوات النظام.

كما وثق المكتب مقتل 24 مقاتلًا سابقًا من درعا قضوا في معارك ريفي حماة الجنوبي وإدلب الشمالي، نصفهم قتل خلال المعارك إلى جانب قوات النظام الذي زج بهم في معاركه بعد توقيع التسوية.

النظام يستثمر الحالة العشائرية

تشير مصادر محلية في حديثها لـ"ألترا صوت" إلى أن النظام يُحسن استثمار الحالة العشائرية في درعا، حيث تمت بعض الاغتيالات على أسس عشائرية بتحريض منه، ما ولد تناحرًا وفصلًا بين عشائر كبرى في حوران، بهدف إلغاء وجود أي مرجعية عشائرية تفصل في النزاعات.

 سيطرة النظام على المنطقة الجنوبية أدت أيضًا إلى تدهور الوضع المعيشي بسبب توقف أعمال المنظمات، وانقطاع رواتب الجيش الحر، إضافة لتوقف وصول المساعدات الإغاثية والمالية، وأصبح المصدر الرئيسي للدخل اعتماد الأهالي يعتمد على التحويلات المالية للمغتربين، كما أن الزراعة تدهورت نتيجة أزمة الوقود والكهرباء.

وتغيرت مطالب الأهالي تبعًا للظروف الحالية التي يعيشونها، حيث انحصرت مطالب درعا التي سبقت معظم المدن السورية في المطالبة بإسقاط النظام السوري، بإطلاق سراح المعتقلين وإدخال الخدمات ورفع القبضة الأمنية. وتشير مصادر محلية إلى أن "الأهالي في بصرى ودرعا البلد وطفس خرجوا في مظاهرات مناوئة وهي تتميز بوجود حراك بعكس بقية المناطق التي سيطر عليها النظام بشكل كامل، فوجود النظام هناك ما زال رمزيًا".

أما الوضع في مدينة بصرى فهو مختلف عن باقي المدن المذكورة، بسبب وجود الفيلق الخامس التابع لأحمد العودة، والذي يعمل بشكل مباشر مع الروس وهو على عداء علني مع النظام.

إيران وحزب الله قرب إسرائيل

في درعا والقنيطرة تنتشر الميليشيات الموالية لإيران قبالة الجولان السوري المحتل، وتشير تقارير صحفية إلى أن حزب الله اللبناني يتمركز مع قوات النظام لتمويه وجوده إضافة إلى تجنيد مقاتلين سابقين في فصائل عسكرية معارضة، حيث يظهر النفوذ الإيراني في ثلاثة خطوط؛ تبدأ بخط استطلاع ملاصقٍ للسياج مع الجولان، ثم خط عملياتي ينتشر في أرياف القنيطرة ودرعا ودمشق الغربية ثم خطّ القواعد الحصينة للحزب المنتشرة شرق الطريق الدولي دمشق عمّان وصولًا لمحافظة السويداء.

وتحاول طهران أن تربط بين إيران وسوريا ولبنان وهذا ما يدركه الإسرائيليون قبل تصريحات إيرانية العلنية حول ذلك، إذ قال قائد قوات التعبئة العامة الباسيج، التابعة للحرس الثوري الإيراني غلام رضا سليماني، الأربعاء الفائت إن مهمة الباسيج تتعدى الحدود الإيرانية لتصل إلى سواحل البحر المتوسط. وأضاف أن "مهمة قوات الباسيج لم تعد محصورة بحدود إيران، وإنما تمتد من سواحل البحر المتوسط إلى العراق وسوريا واليمن".

من جهة أخرى، فإن روسيا التي أصبحت موجودة في المنطقة الجنوبية، أصبحت مصالحها تتعارض مع إيران في ظل التنسيق بين موسكو وتل أبيب بما يخص غارات إسرائيل على المواقع الإيرانية في سوريا، والتي كان آخرها غارة ليل الأحد – الإثنين التي استهدفت مواقع لقوات النظام في ريفي دمشق وحمص والفرقة الأولى قرب بلدة الكسوة بريف دمشق والتي تتمركز فيها قوات إيرانية.

وكان النائب السابق لوزير الخارجية الإيراني حسين جابر أنصاري قد قال في آذار/مارس الماضي إن "إسرائيل أدركت الآن تبعات الربط بين إيران وسوريا ولبنان، وتسعى إلى تحميل خططها للاعبين الآخرين في سوريا ومن جملتهم روسيا. الكيان الإسرائيلي يستغل العلاقات التاريخية بينه وبين روسيا لتحقيق أهدافه".

اقرآ/ي أيضًا: موسكو تقود التنسيق بين بشار الأسد وتل أبيب.. ترتيبات ما قبل درعا

وتأتي أهمية السيطرة على درعا بالنسبة للنظام السوري لما لها من حمولة رمزية منذ بدء الثورة، إضافة لجوارها للأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها إسرائيل، كما أن معبر نصيب هو ممره الوحيد إلى العالم العربي، وهو لم يعمل حتى اللحظة بشكل كامل بسبب العقوبات الأمريكية.

يقول مصدر خاص من درعا لـ"ألترا صوت"، إن الذين وقعوا على التسوية أعفاهم النظام من الملاحقة الأمنية لكنه لجأ إلى الدعاوى القضائية الشخصية التي لا تسقطها التسوية

 ويشير مراقبون إلى أن قمة القدس الأمنية والتي جمعت مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون ونظيريه الروسي نيقولاي باتروشيف والإسرائيلي مائير بن شبات في الأيام الماضية، قد فتحت الباب أمام دور إسرائيلي علني في سوريا، تمهيدًا لطرد إيران وهو ما تطالب به إسرائيل منذ سنوات.