فوتوغراف.. فوتوغراف

فوتوغراف.. فوتوغراف

صور فوتوغرافية (Getty)

لكل امرئ هواياته. البعض يهوى جمع الطوابع البريدية التي توضع على أغلفة الرسائل وتكون حوافها مسننة ولها علامات مميزة. في خلفية الطوابع رسم خفي يتلألأ عندما ننظر إليها بعكس اتجاه النور. الهواة يجمعون الطوابع القديمة، النفيسة والنادرة منها، فلكل طابع قصة، ذكرى أو مناسبة. لقد أصبحت هوايتي المفضلة جمع صورك وأرشفتها في ألبومات معنونة. سرقت كل صورك، القديمة منها والجديدة، وصنعت لك حائطًا خاصًا بك في خيالي، أسميته حائط الأحلام.

صور بشفاه حمراء/ صور بضحكات باهرة كسطوع الشمس/ صور بابتسامات ناعمة بريئة/ صور مع السمك والقريدس/ صور شعرك المتدلي على عنقك اللطيف/ صور يديك المهذبتين/ صور بإضاءات متوهجة/ صور لساعة غريبة الأطوار في معصم يدك/ صور مع خواتم تزينها القلوب المرصعة/ صور بفساتين مرقطة وحقائب يد صغيرة/ صور عفوية/ صور لأصابع قدميك المطلية بالليلكي/ صور قريبة/ صور بعيدة/ صور بالمايوه الأزرق المزركش بالورود/ صور لرأسك الصغير/ صور لجسدك الرشيق/ صور بنظارات سوداء ونظرات حادة/ صور انهماك يديك بالقرط في إذنيك/ صور عينيك تخاطبني/ صور مقدسة للسهول بين نهديك/ صور تسريحة شعرك الفرنسية: الكارييه/ صور معطفك الملون/ صور بفستان أبيض قصير/ صور لصوتك/ لعطرك/ لأوجاعك/ صور لرائحة أنفاسك تلفح وجهي/ لرائحة جسمك المعشعشة في النخاع/ صور لإبطك الناعم وأكتافك المتناسقة/ صور بملامح العتاب وأخرى بملامح القبلات/ صور مع القمر/ صور في العمل/ صور بأزياء صينية/ صور طفولية بريئة في سن العاشرة/ الثالثة عشر/ السابعة عشر/ صور بمريول المدرسة الأزرق/ صور وجهك المقنع مع أذني أرنب في سهرة رأس السنة/ صور مع تماثيل النمور ونافورات المياه وفي الشوارع والساحات العتيقة وأمام الناطحات/ صور لرسومات فراشات وقلوب على خديك/ صورك كلها محفورة في جفوني/.

صورك في المكتبة، بين الكتب، في الكتب وعلى الجدران. صور ملصقة، معلقة ومسدلة. صور ممزقة وأخرى معدلة بأحجام مختلفة. صور لك وحدك، لا أهل ولا أقارب أو أصدقاء. صور يتيمة لا شريك لك بها. صور في ذاكرة الأنف وفي جيوب السترات الشتائية. صور أثناء النوم وقبله وبعده. صور في أحلامي، صور في الصباحات والمساءات. صورك تخرج من الموسيقى واللوحات والمرايا. صور في الإتيكيت وفي لوائح المشروبات في الحانات. صور مع البحر، صور في أزقة بيروت ليلاً ونهاراً.

أخبئ صورك كمريض في غرفة إنعاش، وقد أصابته الجلطة الدماغية، فلا يقوى على الحراك أبدًا، ويتداعى أمام عينيه الجامدتين شريط حياته، بكل ما يحويه من لحظات لكأنها ومضات متقطعة أو خيالات بفعل إنعكاس الأضواء على الحيطان الملساء.

هل تؤمنين بالصدفة؟ لقد وجدت الصدفة كي تنير دروبنا وترسم لنا مساراتنا. ولكنها وجدت أيضًا كي تجعلنا نعض على أصابعنا من الندم. الصدفة هي محض اكتشاف عفوي وربما منظم ومخطط ومدروس. لا أملك إجابة محددة ولكنني أعلم أن الصدفة باهرة وساحرة وخلابة في انعكاساتها الكئيبة أو الفرحة. للرجال قدرة هائلة على الرسم بالكلمات، وتحويل الغيوم إلى مياه صالحة للشرب. لهم مهارة فائقة في حفظ الصور في ألبومات خيالية في ذاكرة العقل. وأما أنت يا حلوتي، امرأة أرضية، واقعية، طينتك المادة والفعل.

الصدفة مباغتة، كأن أدخل معرضًا للصور، وأتفاجأ إذ أرى أن جميع الصور في المعرض تعود لي، لوجهي، لحياتي. لأجد أن المصور منهمك في جمع صوري وترتيبها وتنسيقها في ألبوم جميل. كلها صور جميلة تنم عن ذوق رفيع، وخاصة تلك الصورة الكبيرة الموضوعة في حاجب خشبي. أقول له: أريد هذه الصور، إنها لي. يرفض طلبي ويرد: إنها صور لامرأة من عالم آخر، رأيتها تحتضن الصور بذراعيها النحيلين وتضمها إلى صدرها، أعتذرلا يسعني إعطائك صور ليست لك. أقول: ولكنها صوري، انظر هذا وجهي، وتلك ربطة عنقي، وعيناي وشعري. هذه الصور لي أقسم بالإله أنها صوري. يرد: حقًا إنك تشبه الصور ولكنها ليست ملكك، ليست باسمك، ليست لك، أنت أعجز من أن تكون لك صورة! هيا اذهب، دعني أنهِ عملي قبل أن تأتي الصدفة لتأخذ وجهك وتخلع ما تبقى من ملامحك.

ألف وخمسمائة صورة في حاسوبي، ومليون ومئة وخمسون ألف صورة في محفورة في جفوني، اخترت من بينها مئة صورة، هي الأجمل، وهي التاريخ والجغرافيا، مئة صورة إلكترونية حولتها إلى صور ورقية بأحجام كبيرة وافتتحت بها معرضًا أسميته معرض "الألوان" ليتردد إليه العامة من الناس. ليلة افتتاح معرض جمالك يا امرأة كانت الصور مغطاة بشراشف بيضاء، ولما اجتمعت الحشود لرؤية عملي الفني أسدلت الستارات عن تسع وتسعون لوحة لوجهك، كل صورة لها عنوان وتاريخ وقصة، وتعالت تمتمات الحاضرين وانخفضت وساد الصمت بانتظار الصورة رقم مائة. أسدل الشرشف الأبيض وكانت صورتنا متعانقين ضاحكين، وخواتم الذهب في أصابعنا، ويكاد الحب يخرج من أفواهنا ويحبو كطفل في معرض الألوان بين الحشود.

معرض آخر أسميته معرض "الأوهام" افتتحته بين شباط وآذار، بين ليلة عيد العشاق وليلة عيد ميلادك، وحين تكاثرت الحشود وجدوا المعرض خاليًا إلا من صورة واحدة صغيرة جدًا ومغطاة بشرشف أسود. أسدل الشرشف الأسود، وكانت الصورة تشبه صورتنا في معرض الألوان، بفارق طفيف، أن ملامحي تغيرت وتبدلت وتعدلت، فهذا الجسم ليس جسمي، والزند ليس زندي، والعينان لا تشبهان عينيَّ، والقامة غير قامتي. الابتسامة نفسها لكنها ليست ابتسامتي، وتسريحة الشعر بعيدة كل البعد عن تسريحتي. أنت كنت كما أنت، وأنا لم أكن كما كنت، تشوهت ملامحي وبقي العناق وبقي الخاتم الذهبي في إصبع يدك اليسرى كطفل لقيط مجهول الهوية.

لم أستطع النوم، ذلك أنني قضيت اليوم راقدًا في فراشي. عمدت قبل قليل إلى مراجعة بعض النصوص القديمة التي كتبتها لك وقمت بتفريغ صورنا وحفظها على اللابتوب. أخاف أن تمحى ذكرياتنا، لذلك أرشفت جميع الصور في ملف خاص تحت عنوان: صور فرانسوا. الملفت أن الملف باسمي بينما صور وجهك في داخله، هكذا أنا، شكل بلا مضمون إن هجرتني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أتسلقُ موتي في محاولة للحياة

دنياي القزحية