11-يونيو-2023
ملصقات للشهداء على جدار في مخيم جنين

(Getty) ملصقات للشهداء على جدار في مخيم جنين

منذ مطلع العام الجاري، اشتعلت الساحة الفلسطينية، في الضفة الغربية والقدس والداخل المحتلّ، بالعديد من عمليات المقاومة التي نفذها فلسطينيون ممن اصطلح على تسميتهم "الذئاب المنفردة".

نجم عن هذه العمليات عدد من القتلى بين جنود الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، فبحسب مركز المعلومات الفلسطيني "مُعطى" فقد شهدت الضفة الغربية والقدس والداخل المحتلّ مقتل 22 إسرائيليًا وإصابة قرابة 190 منهم في عمليات المقاومة المستمرّة منذ بداية العام، وحتى نهاية شهر أيار/مايو الماضي.

فِعل المقاومة التي تقوم به الذئاب المنفردة هو جدوى مستمرّة، لأنّه فعلٌ متجاوزٌ للهزيمة، ولو حتى على مستويات الإدراك

"الذئاب المنفردة" هو مصطلح يُشير إلى منفذي عمليات المقاومة الفلسطينية بشكل فردي، دون وجود بنية تنظيمية توجّههم وتُخطّط لهم. لهذه الظاهرة على الساحة الفلسطينية جذور تعود إلى انتفاضة السكاكين في العام 2015، وهي الانتفاضة التي هبّ فيها مجموعة من الشباب الفلسطينيين إلى تنفيذ مجموعة من عمليات المقاومة التي اتّخذت أشكال طعن ودهس وإطلاق نار باستخدام أسلحة يدوية "الكارلو" على أهداف إسرائيلية (مستوطنين وجنود إسرائيليين).

في كلّ مرة يقوم بها عنصر من عناصر الذئاب المنفردة بعملية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، تتصاعد بعض الأصوات التي تُشكّك في جدوى وفعالية هذه العمليات، لا سيما في ظلال الحالة التي تعيشها فلسطين منذ عقود، وتشهد فيها موجات انتفاضية تتصاعد حينًا وتخفت أحايين أخرى، استنادًا إلى عوامل عديدة أبرزها كيفية تفاعل المزاج الشعبي مع تصاعد جرائم الاحتلال وتزايد انتهاكاته، بعيدًا عن بروز حالة انتفاضية واحدة عامة وشاملة، كالانتفاضتين الأولى والثانية.

وبما أنّ سؤال الجدوى الذي يُثار للتشكيك في مدى فعالية هذه العمليات ينبني أساسًا من منطلقات الكوجيطو الديكارتي "أنا أشكّ إذن أنا موجود"، فيُمكن اتخاذ التأملات الفلسفية الفكرية منهجًا للتفنيد والإجابة، والقول بأنّ فِعل المقاومة التي تقوم به الذئاب المنفردة مهما كانت درجة فعاليته هو جدوى مستمرّة، لأنّه فعلٌ متجاوزٌ للهزيمة، ولو حتى على مستويات الإدراك، وكلّ مبتَدئٍ للهزيمة يحدث على مستوى الإدراك، كلّ مبتدئٍ للهزيمة يأتي من التوقّف عن التصوّر والحلم بالتحقّق.

فمقاومة الذئب المنفرد -التي تتخذ أشكال هذه العمليات- هي مقاومة تحدث نتيجة تجاوزه كلّ الصور الإدراكية التي تصوّر له عجزه وضعفه وخنوعه وتدفعه بعيدًا عن الفعل، وهو بها يستعيدُ تصوراته عن نفسه وعن بلاده، ويستعيدُ صورته كإنسان الممكن القادر على الدفاع عن بلاده بكافة السبل والوسائل الممكنة.

وعلى صعيد ثانٍ، وباستلهام أطروحات عبد الوهاب المسيري الفلسفية الفكرية، فإنّ جدوى وفعالية هذه العمليات تتأكّد مما تُحدثه في الخريطة الإدراكية للمستوطنين، حيثُ أنّها تُعيد إلى أذهانهم صورة الفلسطيني من موقعه كإنسان غائب (صورة/ نمط الإنسان الغائب) إلى موقعه كإنسان حقيقي (صورة/ نمط الإنسان الحقيقي)، وذلك لأنّ هذه العمليات تَعمل على زعزعة التصورات الذهنية للمستوطنين في أنّ البنية الاستيطانية توفّر لهم ما يريدونه من أمن واستقرار ورفاهية، وهو ما يُعيد صورة الفلسطيني الحيوي إلى خريطتهم الذهنية، ويؤدي بهم إلى إبصاره كإنسان حقيقي مدافع عن أرضه ووجوده.

ولعلّه يُمكن اختزال كلّ التفنيدات الفلسفية حول جدوى وفعالية عمليات الذئاب المنفردة بعبارة واحدة لمهدي عامل يلخّص فيها فلسفة المقاومة ويؤكّد على أنّه "لستَ مهزومًا ما دمتَ تُقاوِم".