عصر

عصر "النيومكارثية".. عشق أمريكي للتجسس على الصحافة

تتجسس السلطات الأمريكية على الصحفيين الأجانب والأمريكيين (فرانك فايف/ أ.ف.ب)

الولايات المتحدة الأمريكية، التي يُفترض بها أنها دولة الحريات، تتورط سلطاتها في عمليات مراقبة سرية، أو بالأحرى تجسس، على صحفيين أجانب وأمريكيين على أراضيها. هذا ما كشف عنه تحقيق صحفي نشره موقع  ذا إنترسيبت مؤخرًا.

كشفت وثائق مسربة وتحقيقات، عن قانون أمريكي استثنائي تعتمد عليه السلطات الأمريكية للتجسس على الصحفيين في الولايات المتحدة

التجسس بقانون استثنائي

حسب التحقيق الذي نشره موقع ذا إنترسيبت، فإنه يمكن للحكومة الأمريكية مراقبة الصحفيين على أراضي الولايات المتحدة، بموجب قانون استخبارات أجنبي، يسمح لها بالتجسس. غير أن هذا القانون يُعد استثنائيًا، ويعمل خارج نظام المحاكم التقليدي. ويُدعى هذا القانون، قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، ومن المفترض أنه يتطلب تفعيله كل مرة، موافقة كبار المسؤولين في وزارة العدل الأمريكية.

اقرأ/ي أيضًا: حرية الصحافة لعام 2018.. العداء ضد الصحفيين يزداد عالميًا ويتضاعف عربيًا 

وفي مذكرتين اثنتين، أصدرهما مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، تكشفان عن أن المدعي العام هو الذي يحدد "إجراءات تنفيذ تطبيقات قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، الذي يستهدف الكيانات الإعلامية المعروفة، أو الأعضاء المعروفين في وسائل الإعلام".

وتقول المبادىء الإرشادية للمذكرتين، إنه "يجب على المدعي العام أو نائب المدعي العام أو مندوبهم، التوقيع قبل أن يتمكن المكتب من تقديم طلب إلى هيئة القضاة السرية، التي توافق على المراقبة بموجب قانون 1978، الذي يحكم التنصت على المعلومات الاستخبارية والمراقبة الأخرى التي تتم محليًا وضد الأشخاص الأمريكيين في الخارج".

يُذكر أنه قبل تسريب هذه الوثائق، لم يكن معروفًا سوى عدد قليل من استخدام أوامر محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية في الولايات المتحدة، المعروفة باسم "FISA"، ضد الصحفيين. وكان الاهتمام في أوقات سابقة، منصبًا على استخدام رسائل الأمن القومي ضد الصحفيين، وكذا الخطابات السرية، وهي أوامر إدارية يمكن لمكتب التحقيقات الفيدرالي الحصول على بعض السجلات الهاتفية والمالية منها دون رقابة من القاضي.

ويمكن لمحكمة مراقبة الصحفيين الأجانب، أن "تأذن بإجراء عمليات تفتيش وجمع أكثر غزارة بكثير، بما في ذلك محتوى الاتصالات، وأن تفعل ذلك من خلال جلسات استماع تجري سراً وخارجة عن نوع من الإجراءات القضائية العادية، التي تسمح للصحفيين وغيرهم من الأهداف باعتراضها بشكل منظم، من خلال الطعن في صحتها".

من هم المستهدفون وكيف؟

تشير التفاصيل إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عززت أمرًا قائمًا في الإدارات السابقة، فمثلًا الوثائق التي حصل عليها موقع ذا إنترسيبت، بخصوص قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، مؤرخة بأوائل عام 2015.

وتكشف هذه الوثائق عن أن قواعد التجسس الذي يسمح به القانون، تنطبق على الكيانات الإعلامية أو الصحفيين، الذين يُعتقد بأنهم ربما يكونون عملاء لجهات أجنبية. ليس ذلك فقط، بل كذلك الصحفيين الذين يُعتقد بأنهم ربما يكونون على اتصال بمؤسسات إعلامية أجنبية!

ومع ذلك، يرى نشطاء في المجتمع المدني، أنه لا زال هناك عدم وضوح بخصوص الظروف التي قد تنظر فيها الحكومة الأمريكية للصحفي أو الإعلامي على أنه عميل محتمل لجهات أجنبية، كما يتساءل البعض عن الدرجة التي تتسع معها دائرة التجسس، فيضرب أحدهم مثال بشبكة "آر تي" الروسية (روسيا اليوم)، فمن المرجح أن العاملين فيها يخضعون لنظام المراقبة هذا، ولكن ماذا عن المصادر أو أي شخص ستتحدث إليه الشبكة في الولايات المتحدة، هل يخضع هو الآخر للمراقبة؟!

ومن جهة أخرى، لا يُعرف على وجه الدقة كيفية التعامل مع المعلومات التي يتم جمعها عن طريق التجسس، أو كيفية التخفيف من مخاطر تعريض مصادر الصحفيين والمعلومات الصحفية الحساسة، التي لا علاقة لها بموضوع المراقبة، للخطر.

وقبل 2015، كان بالإمكان، وفقًا لنفس القانون الخاص بالتجسس، الاستيلاء على السجلات الهاتفية للصحفيين المراقبين دون إخطارهم بذلك، أي بشكل سرّي. ولا تتضمن السجلات الهاتفية المكالمات فقط، وإنما أيضًا الرسائل المبعوثة من خلال الهاتف. ومن المفترض أنه منذ 2015، توقف "إف بي آي" عن استخدام الرسائل ضد الصحفيين في التحقيق معهم، غير أنه ليس من الواضح تمامًا كم مرة استخدم في الماضي، وفي أي سياق!

مخاوف متزايدة

وبالفعل، تنامت مخاوف لدى الصحفيين من أن مكالماتهم ورسائلهم ربما قد تم الاستيلاء عليها سرًا دون علمهم، وربما استخدمتها السلطات الأمريكية دون أن تضطر للحصول على إذن قضائي عن كل حالة فردية. ومع عمومية مصطلح "الاستخبارات الأجنبية"، فإن أغلب الصحفيين في الولايات المتحدة قد يكونوا قد تعرضوا للتجسس، بسبب أنه من الوارد جدًا التواصل مع أي جهة أجنبية بحكم العمل.

تتزايد المخاوف لدى الصحفيين في الولايات المتحدة، من استغلال القانون من قبل إدارة ترامب للتضييق على حرية الصحافة

وفي الوقت الراهن، في ظل خصومة علنية بين ترامب ووسائل الإعلام، ثمة مخاوف متزايدة بين الصحفيين وجماعات الحقوق والحريات، من أن تستغل إدارة ترامب قانون المراقبة بشكل أكثر سوءًا، قد يهدد بالفعل من حرية العمل الصحفي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فضائح رأس المال.. شركات عالمية تتجسس على جماعات ونشطاء حقوقيين

غضبة الصحافة الأمريكية ضد ترامب.. حملة افتتاحيات للوقوف أمام "جنون" الرئيس