"صديقتي المذهلة": فندق فقراء نابولي

بورتريه لـ إيلينا فيرانتي

"كلما رأيناها، شعرنا بأن شعاعًا ينبثق منها ليصفع شقاء الحي بشدة"، هذا الشعاع الذي لم يخمد على طول الرواية التي كتبت لتتبع الأثر. قامت الروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي بكتابة روايتها "صديقتي المذهلة" (ترجمة: معاوية عبد المجيد، دار الآداب 2016) معتمدةً على تأثير ذلك الشعاع في حياتها، في جزء أول من رباعية روائية حول مدينة نابولي.

ترسم "صديقتي المذهلة" أبعاد مدينة نابولي وسكانها أحد أحيائها الفقيرة

تحتل هذا الجزء قصة فتاتين صديقتين، تحكيها الروائية إيلينا فيرانتي التي تدوّن قصتها وحكايات طفولتها وصباها مع عائلتها وأصدقائها في أكثر سنوات عمرها حساسية، ومع أكثر الأشخاص تأثيرًا عليها، لتشكل هذه الحكايا صور ولوحات ترسم أبعاد مدينة نابولي وسكانها في إحدى أحيائها الفقيرة، إلاّ أن لنابولي وجهًا آخر بدا لإيلينا، الصديقة التي تكتب حكاية صديقتها المذهلة، وهو وجه عنيف وشغوف وبالغ القسوة، ومعيار ذلك الشعور كان تلك الصديقة المذهلة. 

اقرأ/ي أيضًا: دانتي.. امتزاج الحكمة بالبلاغة

تختفي لِيْلا من حياة ابنها الذي يخبر صديقتها إيلينا بطلة الرواية في بداية الفصل الأول بأن أمه قد محت أثرها من البيت ومن حياته واختفت إلى الأبد. من هذا التفصيل تقرر إيلينا البدء بكتابة قصتها مع صديقتها المختفية، لتفرغ ما في ذهنها من ذكريات لعلها تكون بمثابة طريق إلى صديقة محت الأثر، ولم تترك أي شيء لتذكرها. الرواية بمثابة سرد مفصل لتلك الذكريات، وأشبه بلعبة سيرة ذاتية أُعيد لها ألقٌ ما أججها فتوقدت معها التفاصيل، لتعبر بنا الروائية التي ينفرد صوتها بتوصيف وسرد أحداث حياة الصديقيتن منذ الطفولة حتى المراهقة. أو يمكن تسميتها الراوي الكليّ المعرفة الذي نصادفه بين تلك الوقائع أخذًا بنسخ خيوط القصة، لعلها تكتشف سبب محو الأثر هذا. 

ليلا الصديقة المذهلة الآمرة الناهية التي يصبح لأحداث الحياة البسيطة معها معنى آخر، ولا قيمة لشيء ما لم تكون هي فيه وما لم توافق عليه. هذا ما يوصف بدقة علاقة الصديقتين بكل مراحلها، مترنحة بين السيطرة والتوأمة، حين ترى الأولى نفسها من خلال الثانية، في توصيف عميق لحميمية علاقات بريئة، تبدأ في الطفولة وتأخذ أشكال مختلفة واحدة من جوانبها السيطرة التي تعيش معنا طوال الوقت، فيصبح من الصعب الهرب من هذا الشبح المقرب إليك الذي يحبه عقلك وقلبك مهما مرّ الزمان عليه.

تترنح شخصية ليلا في الرواية بين مفاهيم كبيرة عليها، تشبه إلى حدّ ما تجربتها وما أرادت أن تكون عليه، فبعد أن أطلقت صديقتها على هروبها تسمية محو الأثر، نواجه خلال أحداث الرواية ما توصف به حيرتها أمام ما تشعر به وما تراه في يوميات الحي الفقير، لتطلق مصطلح انحلال الهوامش على ما يصيب مشاعرها وأحاسيسها، بحيث تبدو هذه الفتاة الصغيرة كسيدة شجاعة وفيلسوفة عارفة، تقيّم التصرفات وتنفعل أمام أشياءِ قد لا تعجبها، هذا ما يعطيها رغم صغر سنها هالة تحلق بها في عقل إيلينا، وتضفي على شكل علاقاتهما تنافسية وقبول، والكثير من الود الذي تطبعه حياة فقراء الأحياء العشوائية، بكل مافيها من شجاعة وإشكالية.

في "صديقتي المذهلة"، تطلق الراوية مصطلح انحلال الهوامش على ما يصيب مشاعرها وأحاسيسها

تكبر رواية "صديقتي المذهلة" وتنمو في حيّ عشوائي من أحياء مدينة نابولي. لا تاريخ مكتوبًا بدقة في الرواية ولا حقبة زمنية محددة، ولا حتى ملامح واضحة لشكل ذلك الحي، ولكن يمكن استشفاف خيوط الحرب منها. ربما لأن تلك المعلومات ليست بالهامة، فالرواية تكبر وتنمو مع شخصياتها لتصبح وقائع حياة الفتاتين محورًا تدور حوله الرواية ويبنى معه الحي. أمّا عن التاريخ فهو محدد بأعمار الشخصيات، فتكون أهميته بأهمية أسئلتهم وأفكارهم، وتكمن أبعاد الرواية وأفكارها في أهمية التفكير بسؤال "كيف يتبدى العالم لطفلة؟"، ربما هذا ما يجعل الحي يتغير على سكانه الأصليين، كما وتتغير معه الظروف والأحوال. 

اقرأ/ي أيضًا: 6 من أبرز المترجمين العرب الشباب

كل هذا يشعر به القارئ من خلال تغير شؤون مالية وطرح مشاريع تدر الأرباح على أصحابها.  لتدور تلك المشاريع الكبيرة منها والصغيرة من أمام الفتاتين الصديقتين اللتين تعلقان على كل شيء بفضولهما الطفولي ومحاولة إشباع البراءة الأولى لنظراتهما.

يكون مشروع أحذية شيرولو هو مشروع ليلا الشخصي التي تركت المدرسة في عمر مبكر، وانصرفت للتخطيط والرسم والتنفيذ في محاولة منها لإنعاش عمل والدها، إثر ضوائق وظروف مادية صعبة، يمكن تخيل فترة ما بعد الحرب من خلالها. تلك الفترة التي مرّت من الحي من خلال أحذية شيرولو وملحمة كاراتشي، وتطور إيلينا الدراسي وبحثها عمّا يمكن لها أن تكون بعد أن ابتعدت صديقتها عن طريقها وانصرفت لأمور الكبار، تفرغ إيلينا طاقتها وشوقها بدروس الثانوية والاجتهاد بها، فتجد نفسها ندًا حقيقًا لليلا التي كبرت بسرعة وصارت امرأة، أمّا الأخرى فما زالت تتردد على المدارس وتشغل الدروس بالها.

فرق النضوج هذا لم يؤثر فقط على إيلينا، بل على أحداث الرواية ككل، بما فيها العلاقات والمكان، حيث تأخذ العلاقة مع الأهل والأصدقاء والجيران بخلفياتهم الاجتماعية وحضورهم الخفيف أو الثقيل من شبان مؤثرين أو شخصيات تعلق في الذهن، تتغير وتتبدل لتبدو معها المدينة والحي الفقير بسكانه وأحيائه متداخلة بامتزاج عفوي وعشوائي مع تلك الأحداث والوقائع التي تنشغل بها كقارئ ومتابع. فتصبح المشاكل العائلية والشخصية الهم العام الذي يلون الوقائع، فيكبر معه المكان أو يصغر حسب قيمة وتأثير الحدث. تلحظ ذلك في فصول الرواية وصفحاتها التي تبحر بإشباع بين تفاصيل هامشية، ترسم شكل حياة الناس بثقلها وتأثيرها الخاص على حياة هشة، لا تخرج أبعد من حدود الحي النابوليّ.

لا يغيب عن الذهن السبب الذي كتبت من أجله الرواية والذي يقنعك بوجوده، ويذكرك بنفسه من خلال سلوك وتصرفات ليلا، وعلاقة الصديقتين، وكل ما توحي به التغييرات والتحولات التي يسير ضمنها الحي بأهله صغاره وكباره. تفاوتات مادية، وأخرى لها علاقة باليوميات السريعة، هكذا تكبر وتصغر نابولي بعيون أهلها وعيون قارئ الرواية، والتي نرى فيها ليلا حاضرة ومشعة بكل ألقها الذي يزداد مع سنوات عمرها الستة عشر، عندما تنتهي الرواية خلال الاحتفال بزفافها من ستيفانو، ابن الدون أخيل، الذي اتفق الجميع على تجنبه، إلى جانب حوادث أخرى تظهر شخصية ليلا المتمردة التي لا ترضى بأقل من هروب ومحو أثر.

"صديقتي المذهلة" واحدة من روايات العام المهمة والممتعة التي يسارع المهتم بأدب إيطاليا المعاصر لقراءتها

"فندق الفقراء"، وهو اسم صحيفة يسارية تصدر في مدينة نابولي، ستكون إحدى الأمور المفزعة فيها، يذاع صيتها في الحي لأنها تكتب في الدين والتدين وعلاقته بتجهيل الناس وتهميشهم، في ذلك المكان الذي ينشغل فيه الناس بشتم الشيوعي ومحاربة الضعيف، بينما يغرق حتى أخمص قدميه بتخلف وجهل يأتي من الفقر وقلة التعليم ما يطبع سلوك البشر فيه بالقسوة والتعنت والتعب، لتبدأ معها المدينة تتسع وتكبر مع مراهقين يبحثون عن خطواتهم القادمة في مخططات متاحة وعلى القدر المسموح به للحلم.

اقرأ/ي أيضًا: سالغاري والقرصان الأسود

حفرت لغة السرد تلك التفاصيل بكل مكوناتها من اللامبالاة وأسلوب الحياة البسيطة والتي جاءت ليلا على مقاسها ومقاس الحي وأهله، جسورة شجاعة لها وقع في العين والقلب في الحضور والغياب.

رواية "صديقتي المذهلة" بترجمة السوري معاوية عبد المجيد واحدة من روايات العام المهمة والممتعة التي يسارع المهتم بأدب إيطاليا المعاصر لقراءتها، خصوصًا بعد كل الغموض الذي لف حقيقة الكاتبة، والذي لم يعد مهمًا بسبب الاستغراق فيه. ينتهي الجزء الأول من الرواية عند حوادث غير متوقعة ليجعل من انتظار صدور ترجمة الجزء الثاني لغزًا شيقًا، أكثر من لغز حقيقة الكاتبة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

مدونة أمبرتو إيكو.. حدود المعرفة وفضاء الخيال

"حوارات لقرن جديد".. الروايات وأسرارها