سالغاري والقرصان الأسود

سالغاري والقرصان الأسود

(Getty) إميليو سالغاري

تصدر قريبًا عن منشورات المتوسط رواية "القرصان الأسود" إحدى أروع الروايات التي جادت بها مخيّلة إميليو سالغاري أكبر أدباء المغامرة في إيطاليا، والتي ترجمها كَاصد محمد إلى العربية. فمن هو إميليو سالغاري؟ وما أهمية هذه الرواية في تاريخ الأدب الإيطالي؟

"القرصان الأسود" إحدى أروع الروايات التي جادت بها مخيّلة إميليو سالغاري أكبر أدباء المغامرة في إيطاليا

ولد الكاتب عام 1862 في مدينة فيرونا، والتحق بالمعهد البحريّ في البندقية وسرعان ما ترك دراسته ليعمل في المجال الصحفيّ. اشتهر بكتابة القصص القصيرة والمسلسلة على صفحات الجرائد، حتى تهافتت عليه دور النشر، فألّف ما يقارب الثمانين رواية تتحدث جميعها عن مغامرات البحار والبلاد البعيدة التي تعكس ولعه في الملاحة والاستكشاف. ورغم الاعتراف بمكانته الأدبية فقد عاش سالغاري فقيرًا ومنعزلًا، وانغمس في الكتابة حتى دخل حالة اكتئاب أفضت به إلى الانتحار في مدينة تورينو عام 1911.

اقرأ/ي أيضًا: توفيق الحكيم.. عصفور على خشبة المسرح (1- 2)

أما عن أهمية الرواية، الصادرة عام 1898، فلا بدّ لنا من التذكير بأنّ أعظم ما يميّز الأدب الإيطاليّ هي الاستمراريّة التي حظي بها عبر العصور. وإن تعرّضت بعض الأمم لمراحل خمولٍ فكريّ، فإنّ إيطاليا عُرفت دومًا بقدرتها على إنجاب الأقلام الكبرى والمبدعين العظام بدءًا بدانتي وليس انتهاءً ببازوليني. لكنّ العلامة التي أحدثها إميليو سالغاري كانت فارقةً في تاريخ هذا الأدب، فضلًا عن بصمته المميزة التي بات أثرها واضحًا في تاريخ الأدب العالمي بشكل عام.

تميّزت كتابات سالغاري بالتأرجح بين مبدئين أدبيين متناقضين يعكسان التعامل مع شكل الرواية ومضمونها. فبينما يركّز المبدأ الأول (Romance) على خلق عالمٍ خياليٍّ وآفاق عجائبية خارجة عن المألوف، يعتمد المبدأ الثاني (Novel) على المادة الواقعية الملموسة واليومية في نسج الحدث الروائي. ومن هنا تتجلى براعة سالغاري في وصفٍ واقعيٍّ مفصّل لذلك العالم الذي نشأ برمّته بفضل التخييل الأدبي>

إضافة إلى أنّ الكاتب يصهر هذا الناتج في بوتقة واحدة ليضعه بين يدي قرّائه آملًا أن يكون مفيدًا في تربيتهم الأدبية والأخلاقية. إذ أنّه يجعل من القرصان – الذي تحمّله الشائعات أوصافًا سلبية – بطلًا نبيلًا وفارسًا مثاليًا يخوض غمار الحروب بقلبٍ لا يلين إلا أمام الحبّ، فتراه يذرف دموعه حين تشتبك قصة حبّه مع دوافع انتقامه المشرّفة.

رأى غرامشي أن سالغاري مبدعًا لقدرته على خلق بطلٍ شعبيّ تروج حكاياته في أرجاء إيطاليا 

اقرأ/ي أيضًا: جلوريا فورينتس.. 99 عامًا من الطفولة

ومن جهة أخرى فإنّ سالغاري يصنع بطلًا شعبيًا يتميز به عن باقي الآداب الأوروبية. وهذا ما لفت انتباه أنطونيو غرامشي حين حلّل النظرية القومية في الأدب الإيطاليّ، واصفًا سالغاري بالمبدع لقدرته على خلق بطلٍ شعبيّ تروج حكاياته في أرجاء إيطاليا رغم أنه من صنع الخيال فيما تدور مغامراته المفترضة في بلادٍ بعيدة جدًا عن إيطاليا وتمتدّ من ماليزيا إلى وسط إفريقيا فالكاريبي والقارة الأمريكية.

وقد نعثر على ظلال سالغاري في كلّ الأفلام السينمائية التي نقلت أدب المغامرة إلى الشاشة الكبيرة. وهنا نستذكر أمبرتو إيكو في تحليله لشخصية السوبرمان وأثرها على الجماهير. إذ ربط إيكو هذه الشخصيات السينمائية بجذورها الأدبية وعزز مكانة سالغاري في ابتكار هذا النموذج الهرقليّ الحديث، ناهيك عن إبداعه لبطلٍ شجاع ينقذ الآخرين ويعيش لحظاتٍ مصيريّةً فيها من الأهوال الجانبية ما يكفي لاستنزاف قضيته العالقة بين الحبّ والثأر.

في النهاية، ينبغي أن نشيد بجهود المترجم العراقي كَاصد محمد، الحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب الإيطالي من جامعة بولونيا، وبجهود "منشورات المتوسط" ومشروعها الهادف إلى التعريف بالثقافة الإيطالية الذي لطالما تعرّض للتهميش في عالمنا العربي.

اقرأ/ي أيضًا:

عبد الله محمود عدوي.. توابل البرامج التلفزيونية

سليم بركات.. غنى أم بذخ لغوي؟