06-سبتمبر-2023
تمثال رملي لـ شوبنهاور في مهرجان النحت الرملي الدولي 2008

تمثال لـ شوبنهاور في مهرجان النحت الرملي الدولي 2008

يقول ول ديورانت، في كتابه "قصة الفلسفة"، إن أصوات التشاؤم قد ارتفعت في النصف الأول من القرن التاسع عشر في أوروبا: بايرون في إنجلترا، دي موسيه في فرنسا، هايني في ألمانيا، ليوباردي في إيطاليا، بوشكين وليرمنتوف في روسيا.. وإضافة إلى هؤلاء الأدباء ظهر عدد من الموسيقيين الذين لا يقلون تشاؤمًا: شوبرت، شوبان، شوين، "وحتى بيتهوفن كان موسيقيًا متشائمًا يحاول أن يقنع نفسه بأنه متفائل". ولكن آرثر شوبنهور، الفيلسوف الألماني (1788 - 1860)، "طغى على هؤلاء جميعًا في روح التشاؤم التي طبعت حياته وفلسفته".

أطل شوبنهور من خلال مؤلفه الكبير "العالم كإرادة وفكرة" في عام 1818، وكان توقيتًا ملائمًا لصعود فيلسوف متشائم، فقد كان "الحلف المقدس" قد أكمل هزيمة نابليون، وربما أنهى معه آثار الثورة الفرنسية العظمى، التي جعلت العالم يعيش عصر تفاؤل غير مسبوق، إذ بشرت بالحرية والإخاء والمساواة للبشرية جمعاء.. وهاهم آل بوربون يعودون إلى عرش فرنسا مرجعين عقارب الساعة عقودًا إلى الوراء، وكانت أوروبا منهكة جراء الحروب النابليونية، وكان الفقر والمرض والجوع في كل مكان. وكان شوبنهور قد جال بين هذه المشاهد فلم يلمح في الأفق إلا المزيد من الخراب.

يرى شوبنهاور أن تعريف الإنسان بالحيوان العاقل، والقول إن جوهر العقل هو الإدراك، هما سخافتان قديمتان، لأن الإدراك مجرد قشرة سطحية لعقولنا

غير أن حياة الفيلسوف الألماني وفرت حافزًا إضافيًا، شخصيًا، للتشاؤم، فوالده أقدم على الانتحار مخلفًا ابنًا شابًا وزوجة لا تخلو من غرابة الأطوار، امرأة رأت في ترملها فرصة لتفجر مواهبها الشعرية، ولتعيش حياة حرة لاهية منعتقة من أسر التقاليد والقيود الاجتماعية. ذهبت إلى فايمار، وهناك صار لها صالون أدبي، وكثر عشاقها وكثرت مغامراتها العاطفية، ما جعل شوبنهور الشاب يعيش مأساة متصلة، لا عزاء فيها إلا القراءة والكتابة وهجاء العالم.

ويروي ديورانت حكاية تلك العلاقة الغريبة بين الأم وابنها الفيلسوف، فقد كانا يتبادلان الكراهية والضغينة المكتومتين، إلى أن جاء غوته وفجر العلاقة بعبارة لم يكن يعرف ماذا ستصنع في الاثنين، إذ قال للأم، وكان من بين محبيها، أن لابنها مستقبلًا باهرًًا وسوف يكون له شأن عظيم، ما أثار جنون المرأة النرجسية، وكانت تعتقد، بيقين تام، أنه لا يمكن لعائلة واحدة أن تصنع نابغتين، وبالطبع كانت تريد النبوغ لنفسها.

وفي مشاحنة أخيرة بينهما، قامت الأم بدفع ابنها عن الدرج، فما كان من هذا إلا أن وقف دون أن ينبس بحرف، وانصرف ولم يرجع أبدًا، ليمضي حياة مديدة مسكونة بالسخط على النساء والريبة من كل البشر، وبالسخرية المرة من جميع العواطف.

يرى شوبنهاور أن تعريف الإنسان بالحيوان العاقل، والقول إن جوهر العقل هو الإدراك، هما سخافتان قديمتان، لأن الإدراك مجرد قشرة سطحية لعقولنا، و"تحت العقل الواعي يوجد إرادة واعية أو لا واعية، وهي قوة حيوية مكافحة وملحة.. إرادة ذات رغبة آمرة عاتية، وقد يبدو العقل وكأنه هو الذي يقود الإرادة، ولكنه بذلك كالدليل الذي يقود سيده فقط.. فنحن لا نريد شيئًا لأننا وجدنا أسبابًا له، ولكننا نجد أسبابا له لأننا نريده..".

نحن نكافح يوميًا من أجل لقمة العيش والمال والجاه، ليس بدافع من عقولنا، بل من إرادتنا، تلك القوة الحيوية الداخلية الصارمة التي اعتادت أن تأمر فتطاع.. إرادة الحياة، إرادة البقاء، إرادة التكاثر.. إنها جوهر الإنسان، وكذلك هي في الحيوان والنبات.. هي إذًا جوهر العالم.

وبما أن الأمر كذلك، فالعالم كله شر، كله ألم. ذلك أن الإرادة هي الرغبة، والرغبة جائعة دومًا ولا تشبع، كلما وصلت إلى غاية صار لها غاية أخرى، وكلما لامست سقفًا ارتفع سقف جديد فوقه.. والتعاسة هي رفيق الرغبة، فإن حققنا رغبتنا شعرنا بالتعاسة وإذا أخفقنا فليس هناك سوى التعاسة أيضًا. يكف الألم أحيانًا فيحل السأم مكانه، ونهرب من السأم عبر رغبات جديدة فنعود إلى صحبة الألم.. وهكذا فالحياة بندول لا يتوقف عن المراوحة بين السأم والألم.

وزيادة المعرفة عند الإنسان لا تحل المشكلة، بل على العكس هي تفاقم آلامه، "كما أن ذاكرة الإنسان وبعد نظره يزيدان في آلامه، لأن الشطر الأكبر من آلامنا كامن في تأمل الماضي أو التفكير بما سيقع في المستقبل".

تتحدث نانسي هيوستن عن الأضرار التي خلفتها فلسفة شوبنهاور، ففي فرنسا، نحو العام 1880، "بات الناس يتعاطون شوبنهاور كما يتعاطون المورفين"

وماذا عن الشخص المتفائل؟ لا بأس فشوبنهاور لديه رد عملي جاهز، فليذهب هذا المتفائل في جولة على المشافي وملاجئ العجزة وغرف العمليات الجراحية والسجون وغرف التعذيب وحظائر العبيد وميادين القتال وأماكن الإعدام.. وبعدها سيشعر أي سذاجة ينطوي عليها تفاؤله!

يغلق الفيلسوف الألماني كل الأبواب في وجوهنا، فنحن تعساء في زواجنا، وفي عزوبيتنا وعزوفنا عن الزواج، تعساء في اعتكافنا ووحدتنا، تعساء في اجتماعنا بالناس.. "إننا كالقنافذ تقترب من بعضها لتشعر بالدفء، ولا تشعر بالراحة إذا اشتد التصاقها، ومع ذلك فهي تعيسة في ابتعادها عن بعضها".

 وربما هناك مهرب. إنه الانتحار، فهنا "أخيرًا يتغلب الفكر والخيال على الغريزة وهو أمر يدعو إلى الدهشة.. يا له من انتصار رائع على إرادة الحياة".

ولكنه حل فردي فقط، والإرادة تسخر من المنتحر وتمد له لسانها، هو ذهب وحيدًا فيما هي باقية بعده في النوع كله، ومقابل هذا المنسحب ثمة الآلاف من المواليد الجدد القادمين ليصبحوا وقودًا جديدًا للإرادة.

ماذا إذًا؟ هل هي عودة إلى الفكرة التي نادى بها فلاسفة قدماء: انطفاء الجنس البشري؟ أن نمتنع عن التكاثر فننقرض ونتخلص من عبوديتنا للإرادة؟!

في كتابها "أساتذة اليأس"، تتحدث نانسي هيوستن عن الأضرار التي خلفتها فلسفة شوبنهاور، ففي فرنسا، نحو العام 1880، "بات الناس يتعاطون شوبنهاور كما يتعاطون المورفين"، وبين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين صار معظم أدباء وفناني أوروبا البارزين يجاهرون بانتمائهم للفيلسوف المتشائم: موباسان، فاغنر، نيتشه، كافكا، بروست، ستريندبرغ، فيتغنشتاين... وربما لم يكن لفيلسوف آخر قط ذلك القدر من التأثير الحاسم في الحياة الفنية والفكرية في أوروبا.

وتقول هيوستن: "من بين أتباع شوبنهاور نجد مجمل أساتذة اليأس تقريبًا، والذين يحددون القيم الأدبية ويجسدونها في الزمن المعاصر. برنامجهم المشترك هو تعلم الموت وتعليمنا إياه، التقليل من قيمة الجسد ونشواته، انتزاع النفس من كل شكل من أشكال الصلات، وخصوصًا صلة الحب.. بكلمة واحدة، القضاء على الحياة الإنسانية: هذا ما يعلمنا إياه هؤلاء الأساتذة، من أعلى قواعد التماثيل التي نصبناها لهم".

وتسعى هيوستن إلى تفنيد أفكار "أستاذ أساتذة اليأس"، وهي توفق حينًا وتخفق أحيانًا، ولكنها بالنسبة لنا، نحن الآن وهنا، فهي تحتاج من أجل إقناعنا إلى معجزة: أن تغير واقعنا.. واقعنا الذي يفرز مزاجًا أقرب إلى شوبنهاور منه إلى ناقدته الشجاعة.