شاعر الثورة

شاعر الثورة

غرافيتي لـ محمود درويش في جنين (Getty)

نقرأ ونسمع ونحكي أنه من الممكن أن يكون الشاعر الفلاني شاعر الثورة السورية، أو أن آخر هو شاعرها فعلًا، مع ما يتضمنه هذا الحديث من رغبة دفينة أو على وشك الظهور أو معلنة، لدى بعض الشعراء السوريين أن يكون أحدهم شاعر الثورة. الفكرة لم تأت من فراغ، فتاريخ الشعر متخم بشعراء قضايا وثورات، ربما كان آخرهم محمود درويش الذي قيل فيه إنه شاعر الثورة (القضية) الفلسطينية.

ثمة رغبة دفينة، أو على وشك الظهور أو معلنة، لدى بعض الشعراء السوريين في أن يكون أحدهم شاعر الثورة

قد يكون الفن والشعر والأدب ضرورة من ضرورات الحركات الاجتماعية الكبرى، كالثورات والحروب... إذ إن الكتابة التسجيلية، غالبًا، تنطوي على توثيق وتوصيف لما حدث ويحدث، وهذا أيضًا ضروري، إلا إن الفن والشعر والأدب يؤرخ الروح، يؤرخ الأمل والألم والتطلعات والتنهدات والدموع وحالات الشعور بالنصر والهزيمة... وهذا ما لا تفعله الوثائق ولا الكتابات التسجيلية. الفن والشعر والأدب هو الذي أبكانا على الشعوب التي قتلت في سبيل قضاياها، وهو الذي جعلنا نشعر بفرح غامر عندما حققت الشعوب تطلعاتها في مرحلة ما. أما الوثائق فجعلتنا نعرف ماذا حدث، وعدد القتلى، والهزائم والانتصارات وتاريخ ذلك كله، إلا إنها عرفتنا عليه كتاريخ غير ذي رائحة، ولا لون، أما الفن والشعر والأدب فقد جعلنا نشم الرائحة ونرى اللون... من هنا تنبثق تلك الضرورة، ومن هنا، أيضًا، يلد الفن والشعر والأدب.

طموح شاعر ما في أن يكون شاعر الثورة مشروع وغير مشروع في الوقت ذاته؛ مشروع من حيث إن تاريخ الثقافة، العربية هنا، تقوم على الواحد الذي لا يأتيه الباطل من فوق ومن تحت... هذا الواحد قد يكون طاغية في الحكم السياسي، وقد يكون شاعرًا أو فنانًا إلى ما هنالك... الأمر الذي ينتقل انتقالًا سلسًا إلى الآخرين. أيضًا، ينطوي ذلك على اعتداد بالذات وتنويه بالنفس، فليس أمرًا عابرًا أن يكون أحد ما شاعر الثورة، أو يلقب بذلك! وغير مشروع من جهة أن تاريخ الثقافة الذي انحاز للشاعر كلي القدرة، انحاز، في الوقت عينه، لكل كلي القدرة بما في ذلك، وعلى رأسه: الحاكم الطاغية، وما تبجيله للشاعر الفرد المفرد وإخفاؤه للآخرين إلا لتبجيل الطاغية وإخفاء الناس! هذا جانب. جانب آخر فإن الثورات ليست بحاجة إلى شاعر، قد تكون بحاجة إلى الشعر، كما أنها ليست بحاجة إلى روائي، بل إلى الرواية، وليس إلى فنان، بل إلى الفن، وهكذا... أيضًا، فإن ذلك الطموح غير مشروع من جانب يتعلق بغياب النظرة النقدية لتاريخ الثقافة، والاكتفاء بالسير على المنوال الذي تأسس سابقًا، بلا سؤال، ولا تشكك، ولا ارتياب، على الرغم من (كل البلاوي) المبثوثة هنا وهناك في التاريخ الثقافي، والشعري خصوصًا.

الأمر المهم هو أن العصر الجديد الذي هو في طور التشكل، والذي تعتبر ثورات المنطقة تجليًا كبيرًا له، ودلالة عليه، هو عصر الشعوب وليس النخب، عصر الجموع وليس الفرد، عصر انكشاف وهم القائد، الأمر الذي يعني انكشاف وهم الشاعر. يمكن القول، أيضًا، إنه عصر الشعر وليس الشاعر، الرواية وليس الروائي.

من يكتبون هم جميعًا الشاعر الجمعي للثورة، حيث نقرأ الحياة من زوايا مختلفة، وبتعابير شتى، وطرائق غير منتهية

يمكن إحلال مفهوم الشاعر الجمعي، عوضًا عن شاعر الثورة، أو شاعر القضية، أو شاعر الوطن... فجميع الذين يكتبون (أغلبهم، بعضهم) هم جميعًا الشاعر الجمعي للثورة، إنه أمر مهم أن نقرأ الثورة والحياة من زوايا مختلفة، وبتعابير شتى، وطرائق غير منتهية، وهذا يعني أن نقرأ شعرًا وليس شاعرًا مفردًا، يعني أن نقرأ الشاعر الجمعي. العصر الجديد - عصر الشعوب، أصلًا، لم يعد يتيح غير ذلك، ونحن نرى في العالم كله أن محاولات تصنيع أفراد ملهمين باءت وتبوء بالفشل مرة تلو مرة، فقد ولى/ يجب أن يولي بالفعل التعبير الغامض والشائن: الشاعر الكبير. وعندما أكد، كمثال، أرنستو ساباتو على ضرورة الشاعر – السوبر لأنه يحافظ على اللغة، فقد كان، بذلك، منتميًا لعصر صانع للفرد، وصانع للنخبة، ومتسقًا معه... الحياة البشرية أثبتت ربما أن ما من كتاب يحفظ اللغة، إن الذي يحفظها هو روح الشعوب، روح الأمم. 

الثورة السورية كما هي اندفاعة قصوى للشعب، بلا برنامج مسبق، ولا تخطيط مسبق، ولا قائد ملهم، بل هي طفح مثل العشب، تفرز، لا بد أن تفرز، شعرًا طافحًا مثل العشب. شعرًا عشبيًا إذًا.

اقرأ/ي أيضًا:

صح النوم يا سوريا

نفاق المقالات