سينما من أجل الحرية

سينما من أجل الحرية

مشهد من فيلم "V for Vendetta"

تاريخ الفن السابع هو تاريخ البحث عن الحرية ذاته، فالسينما كانت، ولا تزال، مخلصةً لفكرة الحرية باعتبارها حقاً مقدساً للإنسان، ولطالما تناولت السينما العالمية بالنقد والتشريح كل السلطات، السياسية والدينية والاجتماعية، كما تناولت أشكال وأنماط ورموز السلطة بالتعرية والنقد، من أجل انتصار الديمقراطية والحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان، وفضح كل ما تتعرض له من انتهاكات.

من أهم التحف السينمائية في هذا المجال أفلام مثل الجدار، 1984، v for vendetta، البرتقالة الآلية.. صحيح أن هذه الأعمال من دول عديدة، ومن أزمنة مختلفة، كما أنها ليست الوحيدة في هذا المجال، لكننا نتوقف عندها لكونها الأبرز والأكثر تأثيراً، وكذلك للتشابه الكبير في طرحها، والأهم بسبب فنيّتها رفيعة المستوى.

يحرر الطغاة أنفسهم، لكنهم يستعبدون الشعوب

يروي فيلم "الجدار" للمخرج آلان باركر حكاية أوروبا، بكل ما قاسته من حروب وفاشية واستبداد وثورات على مدار قرن، من خلال الحياة الشخصية لـ"بينك"، عازف الروك الذي يعيش في عزلة خانقة، تمنعه من التواصل مع العالم والآخرين. 

أول حجر في الجدار الذي يفصل بين "بينك" ومحيطه هو يتمُه، فوالده قُتِل خلال الحرب العالمية الثانية، ليعيش في ظل تسلط أمه في المنزل، وأساتذته في المدرسة، وسيمثل هذا التسلط حجراً ثانياً في كآبته. ثم يأتي الحجر الأخير في جدار هذه العزلة خلال اكتشافه لخيانة زوجته، الأمر الذي يقوده إلى الغرق في المخدرات. 

"بينك" إذاً يجسّد تاريخ جيل أوروبي دمرته الفاشيّة، وحوله المجتمع إلى آلة لا تختلف عن غيرها. في حدة المأساة التي نراها في رسومات تروي حياة هذا العازف، وتصور رعبه في عالم مجنون، وانكسار أحلامه داخل جدار سميك من الخوف والعزلة، تأتي لحظة الخلاص من عثوره على دفتره المدرسي، فيستعيد ذاته الحقيقية، هكذا يعلن قيامته الشخصية ويحطم الجدار، رمز للهزيمة والانحطاط. 

يناقش فيلم "البرتقالة الآلية"، لـ ستانلي كوبريك، فكرة تدخّل السلطة في شؤون المواطنين، إلى درجة تجريدهم من حريّاتهم الأساسية منها، وذلك من خلال إشراف الدولة على تأهيل الفتى المجرم أليكس، فبدلاً من علاجه لتخليصه من عنفه وقسوته، تتم ممارسة عنف مضاد، وقسوة رهيبة تجعله يتحول إلى عبد، لا خيار أمامه سوى أن يكون كما يراد له أن يكون، بكل ما يعنيه هذا من سلب الإنسان لإنسانيته.

يلتقي مع "الجدار" فيلم "1984" لـ مايكل رادفورد، المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه الكاتب الشهير جورج أورويل. "1984" فيلم سوداوي للغاية، يتنبأ للبشرية بمستقبل استبدادي رهيب، حين يقدم لنا مكاناً خيالياً، محكوماً بنظام إرهابي ظالم، يقوده شخص يدعى "الأخ الأكبر"، تشرف على تنفيذ سياساته "شرطة الفكر". نرى ذلك من خلال شخصية سميث، الرجل الذي يشعر بأن هناك خطأً في حياته، وفي حياة الآخرين، ويبدأ ذلك من سؤال بسيط.

الأسئلة التي أقلقت سميث، والتي قام بتسجيلها في دفتر يوميات، هي ما جعلته يرى بعيونه، لا بعيون الحزب الحاكم، ولا بعيون القائد. من هنا يبدأ وعيه لحريته، ووعيه بالظلم الواقع عليه وعلى سواه في ذلك البلد الذي تراقب فيه السلطة جميع الناس. لكن الذي يحدث أن "شرطة الفكر" تلقي القبض عليه، لكنها رغم كل محاولات العنف المجنونة من اجل إعادته إلى ما كان عليه، كرقم بلا قيمة، كإنسان بلا اسم، لا تسطيع فعل شيء، لأنه من المستحيل أن تهزم الفطرة الإنسانية، مهما جرت محاولات التحكم بها.


"v for vendetta" هذا الفيلم صار أيقونة لدى شباب العالم. "v" ثائر يستلهم فكرة ثائر عاش قبل 400 عام، هو جاي فوكس الذي حاول القضاء على الملك جيمس الأول، ولأن الثورة لا تموت يستلهم "v" فكرة سلفه "جاي فوكس"، فيبدأ بنشر فكرته، والتبشير لها، ودعوة الناس لها، فـ"الكلمات تملك قوتها". سرت الفكرة في الشعب، وتحول الجميع إلى الثائر حين لبسوا نسخاً من قناعه، وذهبوا إلى موعد الحرية الذي ضربه لهم.

أخيراً.. لنتذكر كلمات تشارلي شابلن في فيلم "الديكتاتور العظيم"، لكونها تصلح رسالة محبة إلى البشرية: "أيها الجنود؛ لا تسلموا أنفسكم للمتوحشين الذين يستعبدونكم، الذين يسيطرون على حياتكم ويجعلونكم تطيعوهم، ويتحكمون في أفكاركم ومشاعركم، ويستخدمونكم كوقود لنار العنف.. لا تسلموا أنفسكم لهؤلاء الطغاة غير البشريين، لستم آلات ولا دواب، أنتم بشر لديكم الإنسانية في قلوبكم، فقط لا تكرهوا.. أيها الجنود لا تقاتلوا من أجل الاستعباد بل كافحوا من أجل الحرية. أنتم الشعب لديكم القدرة على جعل الحياة جميلة، وجعلها مغامرة رائعة.. باسم الديموقراطية دعونا نستخدم تلك القوة، دعونا نتحد جميعاً.. دعونا نكافح من أجل عالم أفضل، عالم لائق من شأنه أن يعطي الفرصة للشعب أن يعمل "...." يعدكم الطغاة من أجل الوصول للسلطة، لكنهم يكذبون، لن يفوا بوعودهم، ولن يفعلوا أبدا.. الطغاة يحررون أنفسهم ولكنهم يستعبدون الشعوب.