سينما الضوء الشفاف

سينما الضوء الشفاف

للضوء قدرة نارية مدركة وغير مدركة في ذات نطاق الزمكنة (Getty)

عندما انبهر العالم بمنجز الــ"سينما"، ساد انبهار مستمر بشأن معادلة الضوء تلك. كيف للضوء أن يصنع عوالم؟ من الأسئلة اللصيقة المتعلقة بصناعة السينما. لكن تحضر مروحة واسعة من الأسئلة ليس أقلها  أي عوالم يصنعها ذلك الضوء، وما الذي يحدد خياراته؟ هل هي عوالم النص أم المخرج أم هي صدف السياق العرضية المتشكلة عبر حالة وعي ما ترجمت ضوئيًا.

السينما لغة قائمة بعينها تعبر عن ممارسة تشفيرية عابرة لمجمل الانتماءات والاصطفافات ومساحات سوء الفهم

سادت وتسيدت خلال القرن الـ20، بما حمل من كشوفات وابتكارات ومصائب، مدارس وموجات واصطفافات طبعت المنجز الإنساني بمجمله، رفقة معرفته والتعبيرات الأدبية المنوعة عن حاصل تجربته بمعارفه ومجاهله. ليس من بينها فقط السينما، التي تطورت بقفزات مكوكية خلال القرن المعني، بل أيضًا مسارات متعددة لتلقي وفهم ما تقدمه السينما. صدف أيضًا أن من بين ما ميز القرن الماضي حدة الاصطفافات التأويلية والمأدلجة في كثير من الأحيان. لذلك استرعى الانتباه نسق ما من التقديم السينمائي، أقل ما يقال قبليًا حوله أن محوره الإنسان، بحضور الأدلجة وغيابها.

اقرأ/ي أيضًا: النسخة 92 من الأوسكار.. مفاجآت وخيبات كما في السينما نفسها

لو لم يكن من متسع للافتراض بأن السينما لغة قائمة بعينها، وممارسة تشفيرية عابرة لمجمل الانتماءات والاصطفافات، لما توفرت الإمكانية القائمة فعلًا بشأن الحديث عن مشتركات شاسعة بين عشرات الأسماء في عالم الإخراج والتوليف والضوء السينمائي.

عند الحديث عن المشترك السينمائي، لا يقصد بالضرورة العثور على شريط مصور ممهور بأكثر من اسم مخرج أو مؤلف أو مولف. إذ يمكن لمثل هذ الحالة أن تشخص بوفرة وسهولة بمجرد توفير طاقة وإرادة إنتاجية تشغل "صنايعية الكار" السينمائي بالاتجاه الذي تم الانتهاء من الاتفاق على كلفه. إنما يقصد بحديث المشترك السينمائي، المشاريع الرؤيوية المتعلقة بالتقديم السينمائي، أي أن المشترك لا يكون سينمائيًا في لحظة تكوينه. بل المشترك يقع في لحظة التقاء الوسيط السينمائي مع العالم وموقفه منه، ويترجم عبر إدراك مدى الإشكالية التي شابت لحظة الارتطام بالعالم.

بافتراض أن مسألة المشترك وتبرير الانطلاق منه لحظيًا قد وقع سابقًا، يكون الكلام قد وصل أعتاب التسليم بوقوع الارتطام، وعليه يكون وجوب الموقف. هنا يحضر الثقل الإبداعي لمقولات الكاتب الوسيط والبطل الإشكالي، رغم أنها تعبيرات تكوينية تختص بعلم الرواية، إلا أن سحبها وتكييفها الجدلي إلى عالم السينما بما هو شكل من أشكال تقديم "القصة/الرواية"، بلغة وأدوات تتجاوز السرد وعملية الخلق الأولي، مشرع إلى أقصى حدوده.

عند وعي الضرورة بوعي إشكالية المشهد بكامل سياقاته تتم واقعة التحويل التبادلية غير المتخيلة في مقولات البطل الإشكالي والكاتب الوسيط سينمائيًا

إذًا، ودائمًا بشأن تكوين الموقف، تختص لحظة ارتطام ذات السينمائي "العضوي"، بالاستعارة المتواضعة للتعبير الغرامشوي، لا ميكانيكيًا بحركة الواقع والتفاعل الناجم عنها بتفسير المسار الذي نحاه الموقف. في حالة إشكالية موسعة يكون البطل الإشكالي، الذي مارس فعل الارتطام بالواقع، هو صاحب تبني ضرورة تقويض الواقع القائم لما فيه من خراب كحاصل، لكن التخريب كأداة فاعلة يفترض أن يضطلع التقويض بتقويضه أيضًا، أي عبر الأدوات المضادة للتخريب في سبيل تفكيك الخراب أخيرًا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "The Escape From Alcatraz".. كيف تحطمت أسطورة أشهر سجون أمريكا؟

هنا تحديدًا، أي عند وعي الضرورة بوعي إشكالية المشهد بكامل سياقاته تتم واقعة التحويل التبادلية غير المتخيلة في مقولات البطل الإشكالي والكاتب الوسيط. بما يعبر عنه الأول من ارتداد إلى الذات وانطلاق تال نحو معطيات الواقع ومنها، والثاني بكامل حمولاته الطبقية وانحيازاته والوعي الجمعي الذي يمثله أو ينشده.

كي لا يكون الحديث مطلقًا دون أقدام ثابتة في أرض الواقع يستوجب ما سبق التدليل عليه والخوض في تمثيلاته العيانية وحركتها ضمن الواقع الزمكاني لصيرورتها لا واقعها هي فقط بالضرورة. لجر الحديث عن المشتركات السينمائية أمثلة باهرة يمكن تقصيها في تشاركيات أبطال كين لوتش الإشكالية، سواء في الكيفية التي مثل فيها البطل كحالة جماعية تشاركية في فلمه "أرض وحرية" الذي وقف على عين وقائع الحرب الأهلية الإسبانية خلال ثلاثينيات القرن الـ20. أو في حالة التدليل الجمعي الشفاف في مجمل شرائط كين لوتش السينمائية ومطولاته. الكيفية التي وقف فيها لوتش في فلمي "الريح التي تهز الشعير" و"قاعة جيمي" ليقول ما قاله في الشأن الإيرلندي وجذره الواقعي في التاريخ المعاصر تكفي أيضًا لتوحي بمستويات الشفافية التي ينتهجها ضوء كين لوتش عندما يلامس قشرة الواقع وينفذ إلى لبه بألفة وموضوعية.

أما وللتشارك والمشترك السينمائي المدفوع ذاتيًا بطاقة البطل الإشكالي الذي استحال كاتبًا وسيطًا حالات شجاعة حقًا يمكن التأشير عليها، يكتفى بقوة ضرب المثل التي لمنجز ميشيل خليفة وإيال سيفان، اللذين يعبران بدورهما عن موجز شاسع لكل ما يتعلق بسيرة البطل الإشكالي إلى الكاتب الوسيط وصولًا إلى بناء منجز سينمائي يجب كل ذلك ويصهره خالقًا من خام الواقع ومنازلته شريط ضوء شفاف. بل يمكن أيضًا الحديث عن إشكالية ميشيل خليفة وإيال سيفان الإشكالية، بوصفهما من مواليد ضفتي الصراع المعاصر مع الصهيونية في فلسطين الاستعمارية. لينحى كل منهما ذات المسار في التضاد مع الواقع القائم والعمل على تقويضه، سينمائيًا في حالتهما. بالاضطلاع على المسيرة المهنية والذاتية لكل منهما، بعد متابعة شريطهما التسجيلي الواثق والشفاف حقًا بخصوص فلسطين" الطريق 181"، يمكن استخلاص ما آل لديهما بشأن حركة الواقع وعدم الرهان على خلق واقع سينمائي بديل نكوصي أو تبريري لحركة الواقع القائم إنما الدقة في تقديم ما أمكن لتفكيك وتقويض القائم، واقعيًا وسينمائيًا. لكن كل ذلك لا يأتي جزافًا ميكانيكًا أيضًا لديهما، بل وكما شفافية كين لوتش في انتقاء الحلفاء من أبطاله في حركة الشريط والواقع، والشفافية المبالغ في حدتها لدى برناردو برتولوتشي لصالح الراديكالية في الرصد وتتبع الجذر، خاصة في "نوفوتشنتي 1900"، أتت تجربة سيفان وخليفة في "الطريق 181" لتقول بشفافية في رصد الأبطال ونبش الجذور في شريط تسجيلي تجاوز اختبار الممكنات الدرامية القاحلة أداتيًا، ليرصد بضوءه مسارات درامية ضمن حركة الواقع تتجاوز الخيال باستمرار واعتيادية.

في باب تمتين التدليل على حديث المشترك السينمائي الشفاف بالمعنى البسيط الذي قصد إليه فيما علا تحضر مدارس وعصب سينمائية بحالها لتقول بقوة ضرب المثال عن المشترك والشفاف معًا في منجزها الشرائطي.  كتجربة صاحب "الحالم" جان لوك غودار و كاتب "أسير الحب" جان جينيه في منجزهما مع المقاومة الفلسطينية "هنا وهناك"، أو تجاوز الواقعية بكامل تجلياتها المدرسية نحو واقعية حقيقية نادرة ومحلية كما هي ذاتية يمكن التدليل عليها في المستوى الذي رفع السينما، سوريًا وعربيًا، إليه كل من طيبي الذكر، محمد ملص في "باب المقام" مثالًا، و"صندوق الدنيا" خاصة أسامة محمد، كما "الفهد السوري" و"كومبارس" لـنبيل المالح وعمر أميرالاي في مكتبته المعمقة من "طوفان في بلاد البعث" وصولًا إلى القنيطرة مع ملص و"الرجل ذو الكعب الذهبي" حيث قدم أميرالاي مرافعة موضوعية تدرس سينمائيًا وأدبيًا إن لم يكن أخلاقيًا في بناء منهجية التقصي السينمائي وتعديلها وقبول مخرجات مصفوفات الواقع، ليجد نفسه،أي أميرالاي، تحت عدسة كاميرته مصارحًا لرفيق الحريري الذي كان محور الشريط بأنه أتى لتسجيل فلمه محملًا بالمواقب القبلية السلبية بالمجمل وبالإدانات الشمولية للحريري وكل ما يمثله. هؤلاء كلهم معًا ومع من سبق ذكرهم، تجاربهم ومنجزاتهم السينمائية، تقول الكثير، بل أكثر مما يمكن قوله شفاهة أو كتابة استنادًا للانهائية السينما، عن الشفافية في ضوء السينما، تحت ضوء أن الشفافية بطبعها إشكالية كما السينما بالمعنى الذي قصد إليه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Operation Finale".. الهولوكوست في رؤية صهيونية

في فيلم "الطفيلي".. رائحة الفقراء في مرايا السينما