في فيلم

في فيلم "الطفيلي".. رائحة الفقراء في مرايا السينما

من الفيلم (IMDB)

"لا مزيد من الإنترنت المجاني". هكذا يبدأ فيلم "الطفيلي" (Parasite) الذي يحكي قصة صراع طبقات المجتمع الثلاث ممثلة بثلاث عائلات.

عائلة السيد بارك، وهي العائلة الثرية صاحبة المنزل الرائع والأموال الكثيرة. وعائلة السيدة وربة المنزل السابقة مون جوانغ وزوجها، التي تمثّل الطبقة الوسطى التي خسرت مشاريعها فغرقت بالديون وصارت مطاردة من قبل السلطات، فاضطرت للنزول إلى درجة أدنى في سلم المال والحياة الاجتماعية، والانصهار مع تلك الحياة لتعيش في قبو معتم وخفي تحت منزل السيد بارك متطفلة لأجل استمرار بقائها على تلك العائلة الثرية.

عائلة السيد كيم التي تمثل الطبقة الفقيرة التي تعيش في قبو أيضًا متطفلة على كل شيء من حولها فشبكات الـ"واي فاي" الخاصة بالمطاعم والمقاهي أحد أهم أهدافهم، والمبيد الحشري الذي تستعمله السلطات لرش الحي الفقير -الذي تملأ بيوته وشوارعه الحشرات- أيضًا أحد مطامعهم. فالسيد كيم (الأب) يصرخ بابنته عندما تقترح إغلاق النافذة خلال عملية الإبادة: "اتركيها، سنحصل على إبادة مجانية"، ليعلو بعد ذلك صوت سعالهم وتدمع عيونهم بسبب ذلك المبيد. مع تطور أحداث الفيلم تتوسع عملية التطفل وتتطور؛ فطعام عائلة السيد بارك وشرابهم وأموالهم تصبح الهدف والغاية للعائلة المقهورة البائسة.

عالمان مختلفان

كل شيء بين عائلتي السيد بارك والسيد كيم يبدو مختلفًا، وكأن كل عائلة منهما تنتمي لعالم خاص بها له مفاتيحه وأسراره، وتحكمه منظومة مختلفة تمامًا من العادات والقيم والسلوكيات.

يحكي فيلم "الطفيلي" قصة صراع طبقات المجتمع من خلال ثلاث عائلات تعيش في طوابق البناء ذاته

ففي الوقت الذي يبدو فيه القبو الذي يعيش فيه السيد كيم وأولاده وزوجته معتمًا، ضيقًا، تحت الأرض، تعمه الفوضى والأوساخ والحشرات وتغرقه مياه الصرف الصحي في أيام الشتاء، يبدو بيت السيد بارك واسعًا، تدخله أشعة الشمس، تحيط به حديقة كبيرة خضراء، مرتبًا على الدوام، تحكمه التكنولوجيا وتسهل ربط أجزائه والتنقل بين الداخل والمحيط. يتجاوز الأمر المكان فيصل لحدود الأكل. فالطعام الذي يأكله الرجل الثري مختلف تمامًا عن طعام الفقراء؛ فهو صحي متنوع بين الخضار والفواكه الطازجة واللحوم، بينما يبدو طعام الفقر أقرب للضرر منه للفائدة، فهم يتناولون المشروبات الغازية ويلتهمون البيتزا،  ويدخنون ويثملون حين تسنح لهم الفرصة، ويأكلون كثيرًا فتبدو أجسامهم مكتنزة وزائدة الوزن على عكس أجسام الأثرياء التي تبدو رفيعه ورشيقة.

اقرأ/ي أيضًا: مخرج فيلم "Parasite" متحدثًا عن فن تصوير الصراع الطبقي

الاختلاف بين العائلتين ليس خارجيًا فحسب إنما يصل للقيم والاخلاقيات التي تحكم سلوكهم. فعائلة السيد كيم لا أخلاقيات "معقدة" تحكم سلوكها وحياتها. فلا مشكلة عندها مع التزوير والاستغلال وحبك المؤامرات للحصول على الوظيفة أو المال. بل إن الأبوين سيكونان سعيدين وفخورين بقدرة أبنائهما على الاحتيال والكذب. يتجاوز الأمر ذلك ليصل إلى الشفقة والتعاطف مع الحيوان؛ ففي الوقت الذي تملأ فيه الكلاب منزل السيد بارك وتحرص زوجته على تغذيتها وتدليلها، تقوم زوجة كيم بدفع أحد الكلاب بعنف عندما يقترب منها حين كانت تجلس وتشرب برفقة عائلتها، مستمتعين بغياب أصحاب المنزل ومستغلين كل ما فيه من طعام وشراب.

لغة قاسية

اللغة أيضًا لها أهميتها التي لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها، فلكل طبقة لغتها التي تعبر عنها. لغة عائلة السيد كيم تبدو بذيئة عنيفة ومسيئة وفيها من الشتم واللعن ما فيها؛ فالابنة لا تكف عن وصف السيدة الثرية بـ"العاهرة" كما أن السيد بارك سيصدم عندما ينعت كيم سائقًا على الطريق بـ"السافل".

المرأة

يكرّر كيم على مسمع السيد بارك سؤاله عن مشاعره تجاه زوجته. يقول السيد بارك إن "زوجته لا تجيد أعمال المنزل ومذاق طبخها فظيع"، فيفاجئه كيم بالسؤال:"لكنك مع ذلك تحبها، صحيح؟!".

ويبدو أن السيد بارك لا يفهم المغزى من سؤال رجل فقير ومقهور لا يملك رفاهية حب زوجته أو حتى الوقوع في الحب. سيكرر كيم السؤال مرة ثانية عندما يقول السيد بارك  إن "زوجته تحب إقامة الحفلات" فيقول "لكنك مع ذلك تحبها؟"، فتظهر ذات الملامح على وجه الرجل الثري. تبدو علاقة كيم بزوجته مختلفة تمامًا فحتى خلال مزاحهما تصفه هي بـ"الصرصار"، ليقابل ذلك بقبضة "عنيفة" ومخيفة بعد أن يتسبب بتحطيم كل ما هو على الطاولة ثم يضحكا !

في فيلم "الطفيلي"، يبدو السيد بارك مهووسًا بالحدود التي تحكم علاقة الآخرين به

يختلف كيم وزوجته حول السيدة الثرية يقول كيم "إنها ثرية لكنها لطيفة"، تقاطعه زوجته لتقول "إنها لطيفة لأنها ثرية لو كنت أملك المال وهذا المنزل الرائع لكنت لطيفة مثلها بل ربما ألطف"، ثم تتحدث عن جمال السيدة والسيد بارك "فالمال كالمكواة يخفي التجاعيد من الوجوه".

انهزام

تبدو مشاعر الفقراء أكثر تعقيدًا حين نلتفت لشخصية الابن "كي وو" الذي يحصل على توصيه من صديقه الجامعي الأنيق والواثق بنفسه "مين هيوك"، ليدرّس "داهاي" ابنة السيد بارك اللغة الإنجليزية. فـ"كي وو" شخصية ضعيفة ومترددة بالأساس لا يجرؤ حتى على مواجهة شخص ثمل يتبول أمام منزلهم كروتين يومي. ولكن بعد حصوله على الوظيفة ستتغير ملامح شخصيته. سيصير أكثر ثقة وسيسرق "داهاي" من صديقه. لن يتوقف الأمر هنا، بل سيقلّد صديقه في كل شيء؛ ففي حديثه عنها سيكرر ذات الجملة التي يقولها سابقا صديقه: "أنا جاد وسأطلب مواعدتها حين تدخل الجامعة"، ثم في مشهد آخر وعندما تتأزم الأحداث وتتعقد سيسأل شقيقته ووالده: "ترى ماذا كان سيفعل "مين هيوك" في موقف كهذا؟".

اقرأ/ي أيضًا: النسخة 92 من الأوسكار.. مفاجآت وخيبات كما في السينما نفسها

لكن انهزاميته الأصيلة في كيانه ستنتصر في النهاية إذ يسأل "داهاي" وهو ينظر للأثرياء المحتفلين في الحديقة: "هذا التجمع، هل يناسبني؟ هل أنا مناسب لهذا المكان؟"، إنها اللحظة التي يدرك فيها أن الانتماء لمكان كهذا يتجاوز المظهر والحصول على وظيفة وصديقة ثرية ثم يمضي.

يتعمّق الشرخ بين العائلتين بعد ليلة ماطرة أغرقت الحي الفقير بمياه الصرف الصحي. يضطر كيم وأولاده بعد غرق قبوهم للنوم في صالة رياضية تُفتح لينام فيها من تشرد من أبناء الحي الفقير. تبدو علامات التعب والقهر والإرهاق على ملامح وجه كيم ويزيده قهرًا فرحُ السيدة الثرية بالمطر وحديثها السعيد عنه ووصفه بـ"النعمة" واختيارها ذلك اليوم للاحتفال بعيد ميلاد ابنها.

الحدود

يبدو أن السيد بارك مهووس بالحدود التي تحكم علاقة الآخرين به. فهو يصف مدبرة المنزل السابقة بالجيدة فقط لأنها لا تتجاوز حدودها. ويضحك عندما يثرثر كيم ويسأله ما هو "شخصي". يظهر هوس السيد بارك بتلك الحدود التي تحمي خصوصيته بشكل واضح عندما يتحدث عن السائق "يون" وعلاقته الحميمة في السيارة: "لمَ يفعلها في سيارتي ولماذا لم يفعلها بالمقعد الأمامي؟ لماذا ينتهك حدودي لهذا الحد؟".

يمثل حرص السيد بارك على "الحدود" والخصوصية حرص تلك الطبقة على إبقاء الحدود بينها وبين غيرها. وربما هوسهم بأن يبقوا على قمة الهرم وحرصهم على بقاء الفقراء بعيدين مقتنعين بما لديهم. هذه الحدود لا ترسمها الطبقة العليا فحسب، بل حتى الطبقة الفقرة تحرص على وجودها أيضًا، فـ "كيم" عند اجتماعه بعائلته على مائدة الطعام بعد الحصول على أربع وظائف عند السيد بارك يقول: "لنصلي ونشكر السيد بارك العظيم"، مع أنهم يقدمون للسيد بارك خدمات مقابل المال؛ أي لا يحصلون على المال منه مجانًا. بل يتجاوز الأمر عائلة كيم فزوج مدبرة المنزل السابقة "مون جوانج" يستمر في كل ظهور له بالفيلم بإظهار الاحترام للسيد بارك (الذي لا يعرفه ولا يعلم بوجوده أساسًا) وحديثه عن مدى احترامه وامتنانه له يستمر حتى اخر لحظة قبل أن يفارق الحياة حيث سيصرخ في وجه السيد "احترامي"!

الرائحة

لعل الأزمة تصل إلى ذروتها عند الحديث عن "الرائحة". فالسيد بارك يشتكي لزوجته من رائحة كيم المزعجة التي تتجاوز الحدود وتصل لمقعده الخلفي في السيارة. "الناس الذين يستعملون الأنفاق لهم رائحة مميزة" كما يقول. وتنتهي الأحداث بمقتل السيد بارك على يد كيم بعد أن تزعجه رائحة الرجل الغريب الخارج للتو من القبو بدلًا من أن يتعاطف مع لحظات احتضاره وموته. لعل ذلك يمثل ثورة الفقير على الارستقراطي في نهاية المطاف.

تملأ فيلم "الطفيلي" تفاصيل تسلط الضوء على الفوارق بين الطبقات. فوارق لم تتلاش إلا بين الطبقتين الوسطى والفقيرة

لعل السيدة "مون جوانغ" وزوجها حبيس القبو منذ أربع سنوات يمثلون الطبقة الوسطى بكل ما تعانيه. فذلك الرجل خسر ما يملك من مال بمشاريع فاشلة، مما أدى الى غرقه بالديون ومطاردته من قبل السلطات ليلجأ بعد ذلك للعيش في قبو لا تعلم بأمره إلا زوجته. على العكس من قبو عائلة كيم الذي تعمه الفوضى والأوساخ والحشرات يبدو هذا القبو المظلم أكثر نظافة وترتيبًا، تملؤه الكتب لتعكس شيئًا من اهتمامات تلك الطبقة. تبدو علاقة ربة المنزل بزوجها علاقة ودية لطيفة تدعمه وتخفي سره وتنفق من مالها لتشتري له الطعام وباقي احتياجاته. فالهلع يظهر على وجه تلك السيدة عندما تنعتها زوجة كيم بالسارقة فتقول: "أختاه أنا أشتري طعامه وأنفق عليه من مالي. لم أسرق الطعام أبدًا".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "نادي الرجال السري".. الخيانة الزوجية في مجهر النكات

لعل تلك الحوارات البسيطة توضح مدى الفرق بين العائلتين، فالحديث مثلًا عن أهمية المنزل من ناحية "فنية" أمر لا تفهمه عائلة كيم التي تراه منزلًا جميلًا فحسب. ثم تأتي النهاية ليقتلا على يد عائلة كيم!

الفيلم تملؤه التفاصيل التي تسلط الضوء على الفوارق بين الطبقات. تلك الفوارق التي لم تتلاش بشكلها المادي إلا بين الطبقتين الوسطى والفقيرة، بعد "اغتيال" الأولى على يد السلطة و"المدينين" والفقراء شر اغتيال . مقتل السيد بارك لن يؤثر أبدًا ولن تتلاشى معه طبقة الأغنياء، بل سيأتي من بعد عائلته الكثير من المستأجرين "الأغنياء" الأجانب، لتستمر حياة كل من الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية بخطين متوازيين لا يلتقيان إلا بالأمل أن يصير "كي وو" ثريًا ليشتري البيت ويحرر والده من سجنه وقبوه.

لا بد أن يثير الفيلم حفيظتنا حين يتعلق الأمر بتلك الفوارق وتعاطفنا مع المعاناة التي يعيشها كل فقير حول العالم، لكن الأمر سيبدو مختلفا بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عبّر عن استيائه بشكل صريح من فوز فيلم كوري جنوبي بجوائز أمريكية رغم العلاقات التجارية السيئة بين البلدين. اتفقنا أم لم نتفق مع ما قاله الرئيس الأمريكي لا يستطيع أي منا أن ينكر أهمية الفيلم وذكاء الطرح فيه.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "The Escape From Alcatraz".. كيف تحطمت أسطورة أشهر سجون أمريكا؟

بعد "الباباوان"... عودة واجبة إلى ناني موريتي؟