سوريا.. جيش في حماية مكتب الرئيس

سوريا.. جيش في حماية مكتب الرئيس

جنود سوريون في لبنان عام 2001 (Getty)

فيما يبدو ظاهرة تكاد تنسحب على معظم الدول العربية التي حققت استقلالاتها الوطنية منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، شكّلت الجيوش في تلك البلدان مصدرًا يكاد يكون أوحد لإنتاج أنظمة الحكم وتثبيت دعائمها في الدولة وفي المجتمع، وفي الوقت نفسه شكلت (الجيوش) مصدر قلق عميق لرجالات الحكم العسكريين من رفاق السلاح الذين قد يثبون إلى سدة الحكم في أية لحظة. ولعل الحالتين السورية والمصرية هما الأبرز في هذا المضمار على الرغم من اختلاف التجربتين في الشكل والمضمون، وتباين أداء المصريين والسوريين بالتحكم بالجيش كمصدر لإنتاج السلطة ومصدر للانقلاب عليها.

تحول الجيش المصري إلى حامٍ لمؤسسة الرئاسة، فيما تحول الجيش السوري إلى حامٍ نهائي لنظام الحكم

وبينما نجح الرؤساء المصريون منذ تسلم الرئيس جمال عبد الناصر مقاليد السلطة، ثم الرئيسان أنور السادات وحسني مبارك، بتطويق خطر الجيش وتحييده عبر آلية وحيدة ومتكررة، وهي ضمان ولاء الضباط في المفاصل الأساسية في وزارة الدفاع وقيادة الأركان، ما حوّل القوات المسلحة المصرية إلى حامٍ لمؤسسة الرئاسة، ولكن الجيش المصري ظل مع ذلك مصدرًا محتملًا لإنتاج الزعامة السياسية في البلاد، وهو ما تؤكده الحقيقة بوصول المشير عبد الفتاح السيسي إلى تسلم منصب الرئيس في أعقاب الثورة المضادة في حزيران/يونيو 2014.

أما في سوريا التي شهدت موجة انقلابات عسكرية متتالية، انتهت بمجيء الرئيس حافظ الأسد في العام 1970 الذي أدرك على نحو بليغ خطورة المؤسسة العسكرية على حكمه، فهو لم يكتف -على شاكلة الرؤساء المصريين- بضمان ولاء الضباط الأمراء في وزارة الدفاع وقيادة الأركان العامة، وإنما عمد إلى تشكيل شبكة معقدة من الأجهزة العسكرية الأمنية، تمتد أذرعها وسلطاتها المباشرة إلى جميع المجموعات والقطاعات والتشكيلات المقاتلة التي أعيد توزيعها وتحديد مهامها بحيث يستحيل أن تتمكن مجموعة من الضباط المناوئين، أو الراغبين بالانقلاب، من تشكيل أي خطر حقيقي على نظام الحكم.

ومن هنا، يمكننا أن نفهم الفرق النوعي بين الجيشين المصري والسوري، وكيف تحول الأول إلى حامٍ لمؤسسة الرئاسة من دون أن يفقد دوره كمصدر محتمل لإنتاج سلطة الحكم، فيما تحول الثاني إلى حامٍ نهائي لنظام الحكم السوري، وأكثر من ذلك تحول إلى أداة من أدوات الحكم في عهد الأسد الأب، فالجيش في سوريا هو الحامل والحامي الحقيقي لتوريث الحكم للأسد الابن والمتراس الأقوى في مواجهة الثورة السورية، وما ظاهرة "الانشقاقات" التي عرفها الجيش السوري مع بداية الثورة في آذار/مارس 2011 إلا تعبير عن العجز بإمكانية العودة بالجيش السوري كسابق عهده، كمصدر لإنتاج السلطة الحاكمة.

من باب المقارنة النظرية بين التجربتين المصرية والسورية، ولفهم الصورة بشكل أعمق، لا يمكننا -مثلًا- أن نعتبر أن وزير الحربية المصري المشير عبدالحكيم عامر هو المعادل الموضوعي لوزير الدفاع السوري مصطفى طلاس، مع أن كلا الرجلين أنيط به الدور ذاته، وهو إلغاء أي خطر محتمل على حكم الرئيس في البلدين. وفي آخر الأمر قضى عامر قتلًا (بغض النظر عما إذا كان قد انتحر أو دفع إلى الانتحار أو تمت تصفيته) بينما كان طلاس عراب انتقال السلطة إلى الأسد الابن.

لم يكتف الأسد الأب ببناء تلك الترسانة الهائلة من الأجهزة الأمنية، وإنما ابتدع مفهوم "الجيش العقائدي"

والمآل الذي انتهى إليه الرجلان، عامر وطلاس، لا يتعلق بالنوايا والقدرة والطموحات الشخصية بالقيادة لدى كل واحد منهما، بقدر ما يتعلق بالوظيفة التي أنيطت بكل منهما وبطبيعة الجيشين المصري والسوري. لقد حصد المشير عامر شعبية كاسحة داخل القوات المسلحة المصرية رغم الهزائم التي منيت بها في غير مكان، ورغم نجومية عبد الناصر الأمر الذي أقض مضجع الأخير الذي لم ير بديلًا عن التضحية بصديق عمره وتوأمه الروحي، بينما لم يكن طلاس أكثر من "ناطور مثاقي" على حد تعبير المثل السوري. والواقع، لو أردنا الإنصاف، فإن الرجل -أعني طلاس- لم يكن بمقدروه أن يفعل أي شيء فيما لو كانت له مطامح أخرى، فالجيش ممسوك أمنيًا من خناقه، حاله حال المؤسسات السياسية والمدنية الأخرى، الأمر الذي يشرح في الجانب الآخر- أسباب سلوك نائب الرئيس عبد الحليم خدام الذي انشق عن النظام بعد خمس سنوات من تسلم بشار لمنصب الرئاسة، ناجيًا بجلده.

أداء الأسد الأب النوعي ومهارته بالتحكم بالجيش السوري تجليًا عبر بناء وتمكين المؤسسات العسكرية الأمنية المتعددة، ودفعها إلى العمل الأمني بعقلية "رأسمالية" قائمة على التنافس فيما بينها في بلد يتبنى النهج الاشتراكي، بمعنى أن الأجهزة الأمنية العسكرية -حالها حال الأجهزة السياسية والمدنية الأخرى- لم تكن تعمل ضمن نظام هرمي تتابعي وإنما عبر نظام مركزي تنتهي فيه جميع الخطوط إلى مكتب الرئيس، الذي كان يتابع يوميًا مئات التقارير الأمنية حتى ساعة متأخرة في الليل، وهي عادة أدت إلى تدهور صحة الرئيس الأب وكادت تودي بحياته في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

لم يكتف الأسد الأب ببناء تلك الترسانة الهائلة من الأجهزة الأمنية، وإنما ابتدع مفهوم "الجيش العقائدي"، وهو مفهوم غامض حتى بالنسبة للعسكريين أنفسهم، فضلًا عن أنه ينطوي على مفارقة من نوع آخر. فالأسد لم يرد تحييد الجيش وإقصاءه عن المشاركة بالحكم والحياة السياسية، بل أراد له أن يكون حاميًا ومواليًا له حتى بالعظم، وقد تولى مفهوم "الجيش العقائدي" تلك المهمة، بمعنى أن كل عسكري لا يؤيد سياسات النظام الحاكم ويدافع عنها سيجد نفسه خارج الجيش، أو في أقل الأحوال عرضة لسلسلة طويلة ومرهقة من المراجعات والتحقيقات الأمنية يعرفها السوريون جميعًا، سواء كانوا مدنيين أوعسكريين.

اقرأ/ي أيضًا:

الجيوش العربيّة وانتصاراتها الإعلامية

صح النوم يا سوريا