05-ديسمبر-2019

تصوير: جان لوك بيرتيني / باسكو أند كو

بمناسبة صدور الترجمة الفرنسية  لكتاب "تسع عشرة امرأة - سوريّات يروين" للكاتبة السوريّة سمر يزبك، الصادر عن "منشورات المتوسط 2018"، عادت الكاتبة مرةً أخرى لتؤكد على أهمية الكلمة وضرورة توثيق تجارب النساء في سوريا، هؤلاء النساء أو البطلات الشاهدات اللواتي رفضت تسميتهنّ بالضحايا، كنّ بطلات كتاب يزبك التوثيقي الأخير، والتي بدورها صرّحت في لقائها مع الجمهور الفرنسي في بيت الشعر في مدينة باريس الشهر الفائت بقولها "هذا الكتاب ليس لي، بل هذا كتابهنّ"، في إشارة منها إلى أن عملها على التوثيق والبحث عن الحقيقة كما وصفت هو مشروع ممتد، وأن هدفها وراء رواية الذاكرة من وجهات نظر مختلفة هو تفكيك العنف، عبر البحث عن مصنع الشر الذي عشنا فيه، وحوّلنا إلى أدوات عنفية. لا يمكن الوصول إلى تلك القراءة التحليلية دون الاعتراف بأهمية وضرورة كتابة الذاكرة كما يرويها أصحابها.

هل على الكتّاب تفسير ما جرى في سوريا عبر تتبع الحقائق ومحاولة تفكيكها، أمّ الأجدى الوقوف على ما خلّفه العنف في نفوس البشر؟

صدر كتاب يزبك باللغة الفرنسية الشهر الفائت عن "دار ستوك" قام بترجمته كلا من نبراس شحيّد وإيما أوبان، فاسحين المجال أمام القارئ الفرنسي الوقوف أمام شهادات مجموعة من النساء السوريّات، والتعرّف على حلقة أخرى جديدة من عمل الكاتبة على توثيق الشهادات، هذا العمل المضني الذي لم تنشغل عنه الكاتبة منذ بداية الثورة السورية، آخذةً على عاتقها فعل التدوين ومتابعة أثار الناجين، لقائهم وتخليد صوتهم وتجاربهم.

اقرأ/ي أيضًا: "مشاءة" سمر يزبك

كما أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها ترجمة أعمال الكاتبة سمر يزبك إلى الفرنسية فقد صدرت الترجمة الفرنسية لروايتها الأخيرة "المشاءة" عن دار النشر ذاتها. وسبق أن تمت ترجمة الشهادات التي كتبتها واليوم يضاف إليها كتاب جديد صادر باللغة الفرنسية إلى مجموعة كتب الشهادات أيضًا، وقبل ذلك تمت ترجمة روايتها "رائحة القرفة".

عن كتابة الذاكرة

لعبت يزبك دور الوسيط بين الكتابة والرواة، ما إن تُقبل بطلاتها على تحرير الكلمات حتى ينفلت خط السرد الذي لا سلطان لها عليه. قد يحيلنا هذا الأمر إلى دور الكاتب خلال الأحداث الاستثنائية التي تصيب المجتمع، لنسأل أنفسنا هل يجب على الكاتب أن يقف وراء صوت الراوي الحقيقي. أم يجب عليه البحث عن الحقيقة في تلك الأصوات؟ وفي الحالة السوريّة هل على الكتّاب تفسير ما جرى في سوريا عبر تتبع الحقائق ومحاولة تفكيكها، أمّ الأجدى الوقوف على ما خلفه العنف في نفوس البشر؟

كلها تبدو اليوم أسئلة مشروعة وضرورية يتشاركها القراء والكتاب. 

ما جدوى الذاكرة إذا لم تطبق العدالة؟ تسأل سمر يزبك مرة أخرى، وتجيب بأن إيمانها بدور الكلمة وضرورة التوثيق من أجل الوصول إلى فهم عميق لما جرى. ولكن هل هذه الذاكرة ستحقق عدالة ما وتصنع سلام مرجو؟ 

على الرغم من أن قراءة مؤلفات سمر يزبك التوثيقية التي بدأتها مع كتاب "تقاطع نيران: من يوميات الانتفاضة السورية" 2012، تلاه كتاب "بوابات أرض العدم" 2015؛ هي عمل شاق ومتعب، قد لا يرغب الكثير من القراء السوريين أو غيرهم بالرجوع إلى الوراء وجر خيط السرد الدامي، إلاّ أن لها أهمية كبيرة قد نتلمس أثارها لاحقًا، أتيةً من ضرورة توثيق تجارب الاضطهاد التي تعرض لها الشعب السوري بكل أطيافه وفئاته.

قد يبدو من العبث الخوض في تفاصيل الاضطهاد والاستبداد الذي تعرضت له نساء سوريات في معتقلات النظام السوري، أو في معتقلات أخرى تابعة لأنظمة مستبدة. إلاّ أن المجدي في كتابة تلك الشهادات وترجمتها إلى لغات أخرى هو الوقوف عند تلك التجارب ومحاولة رصد أثار الاستبداد على حياة البشر، ومحاولة استشراف أثر تلك التجارب في عملية نهوض مستقبلية ستضع حرية الإنسان وكرامته في قائمة أولوياتها.

جدوى الكتابة عن الضحايا

يضم الكتاب تسع عشرة حكاية من جغرافيات سوريّة مختلفة، تبدو شمولية وشاملة في تطرقها لحالات اضطهاد وعنف من أطراف مختلفة شاركت في الصراع المسلح على الأرض السوريّة. ترويّها أجيال مختلفة من النساء الفاعلات في المجتمع واللواتي كنّ يعملنّ خلال الثورة على إحداث التغيير، إلاّ أنهنّ صدمنّ بمعوقاتٍ هائلة. تتنوع الشهادات ولكن النصيب الأكبر هو لشهادات التعذيب في سجون النظام السوري وسجون جبهة النصرة واعتداءات الدواعش ضد النساء، كذلك تنقل الكاتبة تجارب أخرى عن التعذيب النفسي والمجتمعي، تجربة اللجوء والهجرة، وعن قصديّة إثارة النزاعات الطائفية، والتمييز الطائفي، حتى إنها تطرقت إلى تجارب عن فساد أجهزة الدولة ومؤسساتها، في محاولة لرسم صورة بانوراميّة عن تجربة العيش في سوريا خلال فترات متقاربة، تجربة يشكل العنف عمود أساس لها.

تساهم تلك الترجمات بلا شك في تعميم التجربة الروائية السورية التي تشكل الكاتبة سمر يزبك واحدة من أهم أقطابها، إلى جانب أهمية نقل تجارب نساء سوريّات شاركنّ في الثورة ونلنّ العقاب، وأخريات حلمنّ بالتغيير، وعملنّ في المجال السياسي السوري الضيق، ومررنّ في تجارب اعتقال وتعذيب. تكشف تلك التجارب عن حجم الاستبداد الذي تعرض له الإنسان السوري، والذي يبرر الحال الذي هو عليه اليوم.

لعبت سمر يزبك دور الوسيط بين الكتابة والرواة، ما إن تُقبل بطلاتها على تحرير الكلمات حتى ينفلت خط السرد الذي لا سلطان لها عليه

يمكننا فهم اليأس والقلق الذي يمر به السوري على اختلاف مواقفه ومكان عيشه، فالإنسان السوري في أوروبا المشغول بالتكيف في المجتمع الجديد تتشابه أزماته اليومية في بعض الأحيان مع السوري الذي ما زال يعيش في سوريا، ويحاول التكيف أيضًا مع مكان لم يعد يعرفه على الإطلاق.  ليصبح سوريو الداخل أكثر غربةً من السوريين في الخارج.

اقرأ/ي أيضًا: الأمير الصغير في سوريا.. لوحة ورواية

نتائج واستنتاجات كثيرة يمكن أن تحملها تجربة قراءة كتاب "19 امرأة، سوريات يروينّ" إلى جانب جرعة كبيرة من الألم التي تحملها تلك الشهادات، يجد القارئ نفسه أمام خطر التعاطف والوقوع في فخ التأثر والاندماج مع الألم الذي لا يمكن غض النظر عنه. إلاّ أن ما يجب على قارئ شهادات النساء وغيرها من الشهادات السورية المكتوبة في الآونة الأخيرة هو وضع حلم التغيير نصب عينيه، والتخلص شيئًا فشيئًا من الإحساس بالذنب اتجاه الضحايا لأن ذلك من شأنه أن يساعد على العبور بالمأساة السوريّة إلى مكان آخر وقد يكون أكثر جدوى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مها حسن: "بلغني أيتها الحرب السعيدة"

الروائية روزا ياسين حسن: لا نجاة لنا بغير الفنّ