كان ياما كان.. كان هناك سرڤانتس

كان ياما كان.. كان هناك سرڤانتس

جان باتيست كامي كورو/ فرنسا

يسأل دون لورنثو ضيفه دون كيخوته عن علومه كفارس جوّال، يُجيب دون كيخوته - وسأختصر كلامه بشكل سريع - أن علومه تشمل: "فقيهًا مُشرعًا، عالمًا بأصول الدين، يعرف كل قوانين العدالة التوزيعية والعدالة التعويضية، طبيبًا وعشّابًا، عالمًا بالفلك، عالمًا بالرياضيات، يحترف السباحة وركوب الخيل والرياضات". بالمُجمل يذكر دون كيخوته أن علمه كفارس جوال هو "علم يشمل العلوم كلّها".

يذكر دون كيخوته أن علمه كفارس جوّال هو "علم يشمل العلوم كلّها"

تحيلني جُملة "علم يشمل العلوم كلها" نحو الفلسفة، فهي كما يُعبّر عنها سابقًا "أم العلوم"، وباستثناء الطب كان دون كيخوته يحمل هذه العلوم فعلًا، بل أكثر. لكن ومع استثناء الطب في علومه، إلا إنني أجد أن أدويته الغريبة - بشكل ساخر - تُساعد على شفائه وشفاء خادمه من أوجاع الضرب وجروحه.

اقرأ/ي أيضًا: هل كان دون كيشوت جزائريًا؟

إن أغلب الفلسفة، تُحلل المشكلات بطريقة الحُجج والمنطق، وهذا بالضبط ما يجعل الدون يختلف عن باقي الشخصيات المهرّجة أو المرحة أو حتى الحمقاء في الأدب. فلم يكن من الممكن لسرڤانتس أن يجعله مُضحكًا أو أحمق على طول خط الرواية، وإلا سنصاب بالملل من هذه الشخصية.

لنقرأ الحوار التالي الذي سيُبين ما أقصده بطريقة تفكير دون كيخوته، ففي أحد المشاهد يلتقي الدون بمجموعة من التجّار، فيطلب منهم الاعتراف بجمال معشوقته دلثينا.

[ - فليقف كلٌّ في مكانه، إذ لم يعترف بأنه لا يوجد في الدنيا بأسرها فتاة أجمل من إمبراطورة المنتشا العديمة النظير دلثنيا دل توبوسو.

... أجابه أحدهم وكان ولوعًا بالهزل:

- سيدي الفارس نحن لا نعرف هذه السيدة الحسناء، أرنا إياها، فإذا كانت على حظ من الجمال بالقدر الذي تُشير إليه، فسنعترف، على طيب خاطر، وبلا أدنى خوف، بالحقيقة التي تطالب جنابكم بها.

فأجاب دون كيخوته:

- لو أني أريتكم إياها، فأي فضل لكم بالاعتراف بحقيقة جليّة كل الجلاء، المهم هو أن تعتقدوا بها]

هنا، نلاحظ تفكير الدون كيخوته الميتافيزيقي - الفلسفي، حيث يطلب من التجّار الاعتقاد ولا شيء غير الاعتقاد، ويحاججهم عن قيمة التصديق بشيء بديهي، في زمن يسخر سرڤانتس من مادّيته بشكل كبير. فالاعتراف أن (1+1=2) لا قيمة له لأنه بديهي.

إن الحوار السابق من الرواية، يُمثل الصراع بين فلسفتين، الأولى تميل للإيمان التقليدي الذي يحاول إثبات نفسه بالحجج اللفظية، والثانية فلسفة تجريبية تطلب الدليل المادي "الرؤية والاختبار" لغرض التصديق. وفي نهاية الحوار سيحاول دون كيخوته إجبار التجّار بالقوة على الإيمان بكلامه والاعتراف بجمال معشوقته المنقطع النظير "ستدفعون ثمن هذا الكفر الشديد الذي نطقتم به" لكنه يسقط من فرسه كما سقط الإيمان التقليدي وفلسفته، في القرن السابع عشر، وسيستمر التجار بمواصلة مسيرتهم ضاحكين.

باستثناء محاولة إجبار التجار على الاعتقاد بدلثينا، فإن سرڤانتس برسمه لشخصية الدون قدّم مثالًا جاهزًا لفكرة الفيلسوف سبينوزا الذي يعتقد أن الإيمان غير مرتبط بحقيقة دينية بقدر ارتباطه بالأفعال الحسنة "لا يمكن الحكم على أحد بأنه مؤمن أو غير مؤمن إلا بأعماله، فإذا كانت أفعاله حسنة مع اختلاف عقائده فهو مؤمن" كما يذكر في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة.

في الحقيقة، لم يجعل سرڤانتس بطله دون كيخوته مؤمنًا بالله، فهو لا يدخل كنيسة، ولا يعترف لكاهن، وحتى عندما تضيق به الدُنيا، يطلب العون من عشيقته دلثينا "يا سيدة الجمال، يا عون قلبي الضعيف، آن لك أن تلحظي بعيون عظمتك، عبدك، الذي تنتظره هذه المغامرة المروّعة". ومع ذلك فهو خير من يُمثّل نكران الذات وحب الخير للناس ومساعدتهم.

مهّد سرڤانتس مجتمعه لاستقبال أفكار أو فلسفات تجريبية تؤمن أن المصدر الأول لكل معرفة هو الحواس

أيضًا، فإني أعتقد أن سرڤانتس مهّد لمجتمعه استقبال أفكار أو فلسفات تجريبية، والتي تؤمن أن المصدر الأول لكل معرفة هو الحواس، مثلما مهّد دانتي وبوكاشيو في مجتمعاتهم وساهموا في تحجيم الفلسفة السكولائية من خلال أدبهم العظيم، فلا يُمكن للتجار أن يعتقدوا أن دلثينا جميلة بمجرّد الادعاء، فهم يحتاجون لصورة يرونها - إثبات مادي - يقولون "نستطيع أن نحكم بالنموذج على الأصل". وفي الأخير سيطلبون منه "ألا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به بالاعتراف بشيء لم يروه أو يسمعوا عنه". 

اقرأ/ي أيضًا: دانتي يبلغ عامه الـ 750

وبالمجمل كان كلام الدون الحكيم والواقعي، يملأ سيرته بشكل يثير الاستغراب والشك، فهل هو عاقل أم مجنون!

ومن الممكن أن تطرح رواية سرڤانتس أسئلة مثيرًة، بل وكثيرة جدًا عن الحقيقة والأوهام والإيمان، عن الخير والشر. عن الإنسان الذي يكون حكيمًا جدًا وفي الوقت نفسه يظهر مجنونًا وبتصرفات مُضحكة، والذي يحمل في داخله نقيضين، طيب وشرير، ومُحب وكاره!

من الممكن أيضًا مناقشة هذه الأسئلة. لكني أعتقد، أولًا، أن تحليل افتتاحية الرواية سيعطي تصورًا عن طريقة تفكير الروائي ومقاصده.

يكتب سرڤانتس في آخر الفقرة الأولى من روايته "المهم هو ألا نحيد عن رواية الوقائع قيد أنملة"، وبشكل ما، تبدو الجملة السابقة، مُثيرة جدًا. فمن مُنطلق "عدم التحديد" يسعى سرڤانتس لإخفاء أي دلالة توضح بناء شخصية دون كيخوته في تصوراتنا كقرّاء في الأسطر الأولى من الفقرة نفسها.

"في ناحية من نواحي إقليم المنتشا، لا اُريد أن أذكر اسمها" هكذا تبتدئ الرواية، وسنكون هنا - في هذا السطر كوقائع - لا نتملك أية معرفة بشأن أين يقع هذا المكان بالضبط.  يُضيف سرڤانتس "في زمن غير بعيد" أيضًا لم يتم تحديد الزمن، فلا زمان ولا مكان واضحين، وفي السطر نفسه نقرأ "كان يعيش نبيل" لا يريد سرڤانتس تحديد اسم هذا "النبيل" فهو كيخادا أو ربما كيسانا أو قد يكون كيخانا، وفي النهاية سيستقر على تسميته بـ دون كيخوته.

هكذا، يظهر هذا النبيل، في الخمسين من عمره، منقطعًا عن الماضي، بلا زوجة أو أولاد، بلا أية تفاصيل أو حتى ذكريات، ليجعل منه سرڤانتس فارسًا جوالًا بخوذة من ورق مقوّى. مُخالفًا حتى في بُنيته بُنية الفرسان الجوالين.

أليست هذه بداية غريبة ومُثيرة، أن يقول سرڤانتس "المهم ألا نحيد عن الوقائع قيد أنملة"، وفي الوقت نفسه يكون كل شيء عن دون كيخوته البطل الذي سيصنع هذه الوقائع، ضبابي ومعاكس للمألوف وغير واضح!

يقول سرڤانتس "المهم ألا نحيد عن الوقائع قيد أنملة"، وفي الوقت نفسه كل شيء عن دون كيخوته ضبابي ومعاكس للمألوف!

إن هذا المدخل الروائي المُضبب، حيث يُعطي دون كيخوته لنفسه وحصانه وعشيقته وحتى سائسه أسماءً أخرى وجديدة، يريد أن يقول بكل وضوح وببساطة أن سرڤانتس لن يهتم بشكل جدّي بجُمله التي يُكررها في الرواية "ستقرأون تاريخًا حقيقيًا" أو "المهم هو ألا نحيد عن رواية الوقائع قيد أنملة"، ولن يُفكر بالبحث عن الحقيقة الواقعية المتداولة التي يراها الناس واضحة - برغم نقله للواقع - والتي يكون فيها الشر أو الخير مُطلقين وبوجه واحد فقط.

اقرأ/ي أيضًا: عبد الرحمن بدوي.. سيرة تحتاج إلى عشرة أعمار

إن الجُملة الدارجة في الروايات التراثية "كان يا ما كان... كان هناك ملك" تُشبه جدًا افتتاحية رواية سرڤانتس، فالقصص التي تبتدئ بهذه الجملة هي أيضًا تُهمل الأماكن، وتُسقط الزمن، وتتجاوز عن سرد ماضي الشخصيات ونشأتها، وستعطي انطباعًا أن الحكاية سيكون تركيزها فقط على الأفكار، وفي احتمال أقل ستنطق بالحكمة. وهذا بالضبط ما فعله كارلو كولودي أيضًا في مقدمة قصة بينوكيو "كان ياما كان كان هناك.. سيقول قرّائي الصغار ملك"، ثم بعدها يبدأ السرد وطرح الأسئلة وتحريك الأفكار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لعنة كاساندرا.. طرق جانبية للحياة

قصص ميخائيل زوشينكو.. أنماط عيش متشظية